كيف لقشة أن تحمل صخرة؟! وكيف له أن يحمل ذلك وحده؟! حين أسند رأسه على زجاج نافذة، لم يتمالك نفسه، حيث انفجر رأسه مما به، لم يستطع أن يكمل هذا الطريق الطويل وحده، فلطالما هاب ذاك الوحش المُفْتَرِس الذي دائمًا ما يؤرق مضجعه، ويعكِّر صفوه، إنها الوحدة، بل العزلة التي تسببت في كثير من موت الشباب، وليس معنى الموت حكرًا على خروج الروح بل يمكن أن يكون الموت موت اللذة أو موت المشاعر أو حتى موت الحياة.
قطار 81 في طريقه إلى القاهرة، يقلُّ بداخله قنبلة موقوتة من الحزن الممزوج بالرعب، عينان محلقتان في سماء الهموم، وعقل راجل بين صخور الندم، وقلب دامٍ بين أشواك الخوف، وجسم هامد بلا حركة، عالم يضج من حوله بالمأكولات المسكنة للجوع، والمشروبات المهددة -بكسر الدال- بالانقراض، وهو في عالم آخر، لا يشعر بهذا، بل يسمع لتلك الضربات الموجعة التي أفلجت ضلوعه.
انطلق القطار وصاحبنا به ما به، تدور الدوائر بهذا الرأس الطويل، منبع الأمنيات، وراسم الأحلام، هذا الرأس الذي يعيش بعالم بعيد من عالم صاحبه، مغطى بخليط من الشعر الأبيض والأسود، قصير وخشن، ذلك الشعر الذي نبت بين أحلام الموت وهلاوس الشياطين.
كل هذا يزداد شيئًا فشيئًا حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وظل يفكر فيما مضى، ألم يبشره مارده بما يحلم؟! ألم تتحقق بعض أمانيه؟! فلم كل هذا؟! إنه في طريقه إلى جحود حاله حتى فقد صوابه وجن عقله، لا يدري ما يفعل.
لم يتحمل طويلًا، أفكار ترتجف لها الصدور، وأحلام تشيب لها الرؤوس، كيف لهذا المسكين أن يهدأ؟! كيف له أن يصمد أمام تلك الأمواج العاتية؟! كان الموت حينها المنقذ الوحيد، وظل يفكر ويفكر، حتى آن وقت رحلة جديدة، آن لها أن تبدأ الآن حيث انفتح له سبيل نجاة، ورأى مخرجًا من ذلك، ثغرة يفرج بها عن نفسه.
لكنه لم يدرك أنه يفتح باب عذاب آخر، يعود به من حيث أتى، يبدأ رحلة أخرى كتلك التي لم تنته، رحلة توازن حياته، فالمصائب لا تأتي فرادى، بل جماعات جماعات، ليعيش بين شطي بحر مملوء بحزن أسود.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.