أبدع الروائي السائح لحبيب في تعرية المجتمع الأدراري فرصد الظاهر والخفي في المجتمع البشري سواء تعلق الأمر بالفرد أو الجماعات؛ لهذا تعددت الصور العاكسة لنماذج المرأة بحسب التراتبية الاجتماعية الموجودة في إقليم توات، هناك نساء المجتمع المخملي وهناك العرافات والمنجمات وهناك الخادمات.
تجدر الإشارة إلى اهتمام المبدع بالفئة الأولى من ناحية الوصف؛ لأن الشخصية المحورية البتول تنتمي إلى الفئة الأولى فهي كما ينعتها الروائي السيدة الممولة الشمائل والجميلة الأوصاف فمهما بلغت درجة تماهي هذه الشخصية مع الحيز المكاني تنفلت صورة للمرأة الإنسان فنجد السارد يصف شخصية البتول داخليا وخارجيا، فيستحيل الجسد إلى مكان تكتنزه روعة التصوير من الخارج ومن الداخل تنعكس سلوكيات الشخصية على المكان ليمتلئ بمجموعة من الدلالات ولعل أروعها صور التكافل الاجتماعي التي أفرزتها سلوكاً هذه الشخصية التي شملت رعايتها كل شخوص الرواية باختلاف طبائعهم وسلوكياتهم، على هذا الأساس يبرز لنا الكاتب أن هذه الشخصية ترمز إلى المكان توات/الجزائر وإلا كيف نفسر قدرتها على رعاية كل البشر الموجودون في توات من مسيحيين ويهود ومسلمين.
نماذج للمرأة ودلالتها الاجتماعية:
إن الحديث عن نماذج للمرأة في الرواية يرتبط بالضرورة بالشخصيات النسوية الفاعلة في النص السردي وتناول الشخصية من وجهة نظر اجتماعية مثل دينكين ميشيل وأن الشخصية هي مجموعة من العناصر والمميزات البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية التي تميز سلوك الفرد عن سلوك الآخرين وتكتسب هذه العناصر والمميزات عن طريق الوراثة أو البيئة الاجتماعية خلال مراحل:
أولاً: هذا الملفوظ يشير إلى تعدد المكونات البنائية للشخصية فهناك أمور تكتسبها الشخصية عن طريق الوراثة وهناك أمور أخرى تكتسب بالتنشئة داخل البيئة الاجتماعية والروائي خاض في كل هذه التفاصيل بطريقة تمتزج فيها كل هذه العناصر وحتى يتسنى لنا تحصيل البعد الاجتماعي لا بد من رصد الهيئات التي عرض فيها الكاتب الشخصيات النسوية من الداخل والخارج؛ لأن علاقة داخل الشخصية بخارجها إن لم تكن انعكاسية فهي تخفي أبعاد سيكولوجية أكثر خطورة من تلك السلوكيات غير السوية التي تظهرها الشخصية، من هذا المنطلق كان تركيز هذه الدراسة على البعد الجسدي للشخصية بوصفه بؤرة عمل عليها الروائي لتعليل الانبهار والإعجاب الشديدين بشخصية البتول البطلة الرئيسية في الرواية.
1.البعد الجسدي للشخصية الرئيسية البتول:
تعددت نماذج النسوة في رواية تلك المحبة لكن نموذج تلك السيدة العظيمة أخذ حصة الأسد في الوصف، اشتملت الرواية على صور جزئية لجسد تلك المرأة الفاتنة بمعنى أن الروائي لم يقدم وصفاً كاملاً دفعةً واحدةً بل كان الوصف بالأجزاء ويمكن تفسير هذه الطريقة في كون الخطاب السردي موجه لقارئ يشارك في العملية السردية فهو سيلتقط تلك الأجزاء المفككة ويعيد تركيبها وبهذا تتشكل الصورة النهائية لهذا الجسد جزءاً جزءاً لترتسم له في النهاية صورة تامة عاكسة لنساء توات جميعهم فقد بدأ الروائي من الرأس واصفا أهم مواطن الجمال في الأنثى وهو الشعر قائلا: فليس في السيدة أكثر بهر من شعرها الأسود لِلْعَلِيقِ طوله وللغراب لونه، تخذه إسماعيل الدرويش كما قالت بنت كلو غطاء لظهره وهو يُطِرْهَا وهو الوحيد من طاوعته الجرأة فخصلة فرْقين وضفره ثم عقد كل ضفيرة على أحد نهديها الزاخرين.
ثانياً: نلتمس من خلال هذا الملفوظ الواصف لشعر السيدة أنّ الروائي قدم هذا الصنيع اللغوي النابض بالجمال مستعرضا مهاراته اللغوية فقد بدأ الملفوظ بأداة نفي(فليس) لإثبات أهم موطن للجمال في السيدة يكمن في الشعر مستخدماً صيغة التعجب أكثر بهراً لتأكيد أهمية الشعر بالنسبة لجمال المرأة عموماً؛ فالشعر تاج المرأة فهو يمثل نصف جمالها.
ذهب بعد ذلك لتحديد مستويات جمال شعر المرأة في صفتين هما الطول واللون؛ فكلما طال شعر المرأة كالعليق كان أكثر فتنة وجمال وكلما دكن لونه وصار إلى الأسود القاتم كان أكثر بهراً للناظرين وأعتقد أن الروائي لم يكن غرضه في وصف شعر المرأة هو إبراز جمالها فحسب بل كانت له أغراض أخرى كمنح القارئ صورة عن المرأة الصحراوية عموما والمرأة من ولاية أدرار على وجه الخصوص حيث تكتمل الصورة النمطية للمرأة الصحراوية في طريقة مشطها لشعرها إذ إنها تفرق شعرها وتشكل منه ضفيرتين تسدلهما إلى الأمام على نحرها وتعقد كل ضفيرة على حده وانطلاقاً من هذا الوصف التفصيلي الرائع لشعر المرأة الصحراوية تتشكل صورة نمطية لنساء توات في مخيلة القارئ فالبتول هذه الشخصية المحورية تقترب أكثر من المرأة من ولاية أدرار حينما يعرضها الكاتب بوصفها المرأة البشر.
كلما وظف الروائي هذه الشخصية بوصفها المرأة الرمز فإن صفة الإنسانية تبتعد عنها لتحل مكانها صفات أخرى تنتمي إلى العالم الآخر من عالم الجن فيكون جمالها غير محدود فهو شاسع كالصحراء ومن هذا المنطلق ترتسم صورة للمكان فالمرأة الرمز كانت المرأة من ولاية أدرار بامتياز، بسطت غوايتها على المبدع بلا منازع فتماهت الصورتين في بعضهما لدرجة أنه يصعب على القارئ الفصل بينهما فالروائي تارة يتوسل للمرأة الرمز أوصافا من المرأة البشر وتارة أخرى يقوم بعملية عكسية إذ إنه ينهل من خصائص المرأة الرمز ويعكسها على المرأة البشر؛ لهذا كانت الصحراء بما تحويه من مكونات وبخاصة النخلة المنبع الثرى الذي أغدق منه المبدع الأوصاف العجيبة عاكسا أجمل الصور للمرأة البشر والمرأة الرمز.
إنّ صورة المرأة البشر لا تتكشف كما سبق الإشارة إليه دفعة واحدة؛ لأن الروائي وصف بالأجزاء فبعد الشعر يتجلى جزء مهم آخر من ملامح المرأة الصحراوية وهو العيون، من المعروف أنّ جمال المرأة في عينيها؛ لهذا نجد الروائي اهتم بهذا الجزء المهم من الوجه فوصف العيون في هذا المقطع السردي قائلا: أما العينان فإن الخالق بلون السر صورهما في مَحْيَا مُلغز مثقلتين بالأحلام كنخلة ضامنة ووهبها قدرة النفاد بهما إلى قلب الرجل وعقله وأغوار نواياه مثلما ينفذ نور إلى كهف فيتكشف لها من غضونه ما يسعى الكلام إلى إخفائه ومن دهشة ما تثيرانه في الناظر إليهما من ذلك البريق الغامر منهما لا يدوم سوى ما تستغرقه ومضة. ثالثاً: يتضح من الملفوظ أنّ الكاتب وصف العيون وصفا شموليا لا نجد فيه الخصوصية أو الانتماء لجسد معين إذ لم تكن هناك إشارة لنوع تلك العيون لا من حيث الشكل ولا من حيث اللون.
لعل الروائي يلجأ إلى هذا النوع من الوصف لأنه دائما يقرن صورة المرأة البشر بالصورة المرأة الرمز؛ فقد كثف الروائي من التعبيرات المجازية التي ترمز للمرأة الرمز بواسطة قرائن موجودة في المرأة البشر كالعيون والشعر فهو يستعير المفردات من الحقلين المكان/المرأة ليبدع أجمل الصور المجازية التي تتجلى من خلالنا أدرار المكان وأدرار المرأة كما يمكننا تفسير توجه الكاتب إلى هذا النوع من التعليق بين الصورتين المكان/المرأة إلى سعي الكاتب لرسم صورة موحدة لجميع نساء توات حيث كانت البتول تجمع جمالهن وكان يريد أن يرسم صورة موحدة للأمكنة بأدرار فكان إقليم توات يجمع كل الأماكن من تمنطيط وبوده وتناسخت وتميمون إلخ.
إن المبدع في رواية تلك المحبة نظر للمكان كما المرأة بنظرة شمولية تختزل كل الأجزاء في واحد وربط بين المكان والمرأة بعلاقة دائمة تجمع بينهما يعكس فيها كل طرف الأخر وفي كل جزء من أجزاءه فبعد وصف العيون انتقل الروائي إلى وصف الملامح الأخرى للوجه فقال على لسان سارده وقال: إن أنت ظفرت منهما ببسمة كأنها من شفاه عذراء جميلة خلْت نفسك طفلا دعتك إلى ملاعبة محظورة على الصغار وقلت: لن يهلك قهر السنين ولا تجاعيد أو زرقة السهاد على الجفون وجهاً حبته العناية هذه العيون وإن أنت استعدت رؤيتك إياها امرأةً ألفيتهما تشعان عليك أنوثة دغدغت رغبتك وقبستا في ناظريك ما ليس للغته حروف أو أصوات لأن النطق منها والدلالة من غير كلام.
رابعاً: هي امرأة لا تكبر ولا تشيب وجهها ضحوك لا تفارقه الابتسامة أبدا وأنوثتها تفوح فتزرع الرغبة في القلوب وهي امرأة لا يمكن أن تكون إلا في الأحلام ومنحها الخالق كل شيء بقدر مقدود.
وصف الروائي أطراف جسدها فقال: لعل الشموع استعارت من أصابعها المعتدلة الطول العامرة البنانَ الناصعة الأظفار جمعاً ليد مكتنزة يفيض منها السخاء كرجليها الصغيرتين الظريفتين العامرتين الكاحلين. خامساً: إذن جمال السيدة يكمن في انسجام جسدها؛ فحتى أطرافها رائعة التركيب فاليدين مثل الشموع ناصعة البياض والأصابع عامرة ناصعة الأظفار فيدها جميلة وما يزيدها جمالاً كرمها فهي صاحبة اليد السخية والقدم الظريفة.
يستمر الكاتب في الوصف، ويستمر القارئ في التمتع بتلك المشاهد التي تثير فضوله في معرفة امرأة حارت فيها العقول وتحدثت عنها كل الأفواه؛ فهي في توهجها وجمالها تشبه كثيرا إقليم توات وهي المرأة الحسناء التي اختلطت أخلاطها من التراب والماء والهواء فكل مخطوطات أدرار كتبت عنها ولم توفها حقها؛ لأن كل جزء منها يستدعي مصنفات.
جاء في المصنف وصفا لبقية أجزاء الجسد تجلى في هذا المقطع السردي:
ترشفك من شفتيها المرطبتين ريقا من شهْد مازجه ما حوته مسكرات الروح فما لعينيك نظر بعدُ كأنك في قلب الغيبة وهدهدة السبات ونشوة التحليق، يملأ عليك صدرها المثمر الاحتضان والعمران فتذكرُ له باختيال التفاح والرمان وبطيخ الأندلس الصغير وكلَّ ما جاد به التشبيه والتمثيل في الاعتدال بين اللين والصلابة والرخاوة لثمرات الدنيا، إن عبَرت سرتها وجدتها مجوفة كثغر كأس صنعتها يد حاذقة كيلا تسع رشفة خمر واحدة، أو نزلت نحو شعرها الكريم لمست إناء مكفوءا وخلت أصابعك تغيب في ملاسة من الوبر.
سادساً: يغوص الروائي في لغة الجسد، فيتحدث عن كل مفصل من مفاصل السيدة بفيض من الكلمات القوية الدلالة المتراصة التركيب والمشعة بالجمال عن صدرها المثمر كما إقليم توات الحاضن للناس، هي أدرار الجميلة المتنوعة الأمكنة كما جسد امرأة حسناء كل جزء منه يغدق بفتنة تكاد لا تنتهي ولعل الداعي الأهم لتعليق الوصف المكاني بالبعد الجسدي لشخصية الأنثى هو في الحقيقة تجلي واضح لتيمة المحبة التي برزت في أول عتبة وهي عنوان الرواية تلك المحبة فحالات العشق المكاني يعكسها الكاتب على حالات العشق الإنساني ليكون الجمال هو المحفز لظهور مثل هذه الوضعيات العشقية التي بلغت ذروتها حينما تحولت علاقات جنسية شبقية رصد الكاتب من خلالها فتنة الإنسان بالمكان.
2. لباس المرأة التوراتية:
عكست أنواع الألبسة الخاصة بالمرأة الهوية الصحراوية للمرأة التوراتية إذ أن كل منطقة من مناطق الجزائر لها خصوصياتها واللباس محدد من محددات الانتماء لتوات وقد أبرز الروائي اللباس بوصفه ممثلا للهوية الأدرارية في المشهد السردي الآتي:
فقد جرى بها إلى دار في القصر التحتاني وأدخلها أحد أقواسها فَنَسْلهَا من ألبستها الأوربية منبهرة بلباقته في تعريتها وأسبل على جسدها العامر دراعية وهي مفعمة بالنشوة ودوّر شاشاً أزرق على رأسها ورقبتها
سابعاً: تتجلى صورة المرأة الأدرارية من خلال اللباس الموصوف في الشاهد السردي المكون من دراعية وهي ثوب يغطي جسد المرأة و شاش وهو خمار تستر المرأة رأسها ورقبتها به فهذا اللباس يعكس انتماء المرأة إلى إقليم توات كما يعكس انتمائها العقائدي للدين الإسلامي بحكم أن الإسلام ينظر للمرأة على أنها عورة كلها لهذا يأمر بأن تستر المرأة جسدها كله أمام الأجانب ولكن الروائي لم يتوقف عند هذه الدلالة فقط لأنه وظف اللباس بوصفه العلامة الدالة على الانتماء الاجتماعي المرموق فهو يعبر عن درجة الثراء خاصة أن المظهر الخارجي يبقى الرسالة الأولى التي يتلقاها الآخر ويبدأ من خلالها تكوين فكرة عن شخصية مخاطبه.
إنّ الجمالية لا تكمن في القيمة المعرفية المستوحاة في الملفوظ على الرغم من أهميتها بل تكمن في طريقة عرض ووصف اللباس فالقيمة الفنية المضافة للقيمة المعرفية تكمن في تصوير مشهد نزع الثياب الأوروبية وإلباس الملابس الصحراوية وفي الديناميكية التي عجّ بها المكان، من هذا المنطلق نفهم سبب اختيار الروائي للجمل الفعلية: (جرى- أدخل- أسبل- دوّر) أضف إلى ذلك استخدام الصفة للأسماء الموظفة في الملفوظ: (الأوروبية- منبهرة- العامر- مفعمة بالنشوة- أزرق)، هناك تناغم محسوس في الألفاظ نتيجة الجرس الموسيقي الذي نتج من نهاية الجمل: (الأوربية/تعريتها) (النشوة/رقبتها)، فهناك تناسق وانسجام صوتي في هذا الملفوظ، كما هناك كسر للطابوهات من خلال استعمال الجنس.
لعل الروائي نجح في تبليغ الرسالة؛ لأنه وظف اللباس كعلامة دالة على الطبقة الاجتماعية فقد وصف الروائي لباس السيدة على لسان العرافة فوصفت لها امرأة تبهرها بطلعتها تلبس قفطانا وقبقابا وخلخالين وقد أسدلت شعرها الأكحل على كتفيها متسوكةٍ مكتحلة وفي معصميها أسواراتان ذهبيتان كبيرتان.
ثامناً: اللباس بهذا التوظيف عكس الطبقات الاجتماعية حسب درجة الثراء فالقفطان أغلى من الدراعة، كما أن توظيف الحلي الثمينة أكمل صورة ثراء السيدة فالأساور والخلاخل الذهبية لا تملكها إلا النساء الثريات. فهذا الثراء الكبير عند البتول يعكس ثراء إقليم توات الذي أسال لعاب الطامعين، فالبتول هي مؤول للمكان(توات).
يتجاور الجانب الدلالي مع الجمالي في هذا الملفوظ؛ فاستفادة الروائي من الخطاب الأنثروبولوجي لم تُفقد النص السردي خصوصيته الفنية وحسن انتقاء الروائي للألفاظ من أهم عوامل تشكل الجمالية كتوظيف الجمل المسجوعة فالكلمات الموجودة في الملفوظ تُحدث وقعا مطربا بحكم الحروف المشكلة لها فمثلاً (قفطاناً-قبقاباً)، (الأكحل- مكتحلة)، (خلخالين- ذهبيتان- كبيرتان-أسواراتان)، (تبهرها-طلعتها)، هناك تردد لبعض الحروف أكثر من مرة(القاف-الفاء)، (الكاف-الحاء)، (الخاء-اللام)، (التاء-النون)، (الياء-النون)، (السين-الشين) كما أنّ استخدام الصفة يعمق الدلالة ويضفي على النص جمالية خاصة تزيد تألقا بوقع الجرس الصوتي الذي تحدثه نهايات الكلمات المسجوعة.
دور الجنس في تجلي البعد الاجتماعي للحيز الروائي:
إنّ إيراد الجنس في الرواية لم يكن للترف أو للتعبير عن نزوات الشخوص دونما تحديد غايات تتعلق غالبا بأبعاد دلالية أراد الكاتب أن يوصلها للمتلقي من ذلك ما قدمه الروائي من خلال الجنس للتأكيد على طبقات المجتمع التواتي حسب اللون والعرق، فكان هناك تمازج رهيب بين الأدب وعلم الاجتماع الأنثروبولوجي، يعكس هذا المقطع السردي نساء توات حسب نظام طبقي قائم على اللون ومدح جماعا تناسب فيه ما للرجل والمرأة غمدا لسيف وفرق بين أنواع من اللذة يصيبها الرجل من زنجية فلهذه تلزم قوة حصان لأن جماعها رقص لكاهن ولا يبقي مفصل منها أو عضلة لا تتحرك فتحس نفسك مأخوذا في كبة نار وإذا أصابتها من خلاصية كان ذلك يشبه فرْكة في الحمام، هي كالزنجية تطلب حصول اللذة بكل جارحة فيها فإن شارفَتها عضت أو غرزت أظافرها وأما إصابتها من جيّدة فأشبه بأكل شواء الكبدة والقلب ومرمزة الأضلاع وبشرب العسل فإن في جسدها رخاوة وفي حركتها تحتك كسلا ولو أردت الإطالة لاعبتك فتمتعت بما يستغرقه اقتران حلزون قنوع غنوج ومستهدة لذيذة بعد إعياء الجماع.
تاسعاً: قسم الروائي نساء توات إلى فئات اجتماعية، فتبين أن النظام الطبقي الاجتماعي في أدرار يخضع لتنوع الأجناس والمعيار في ذلك هو لون البشرة فهناك الزنجية السوداء اللون أو الخلاصية المختلطة النسب فقد تكون لأب حر وأم عبدة مثل بليلو والجيدة وهي المرأة الحرة البيضاء البشرة والجميلة؛ إذن المبدع منح القارئ صورة عن النظام الاجتماعي الموجود في أدرار وهو نظام قائم على التميز الطبقي إذ أنّ معيار التفاضل بين الطبقات الاجتماعية عرقي بحت وهذا الأمر انعكس على الحيز الروائي إذ منحه دلالات اجتماعية أغنته لكن هناك جانب جمالي لا يمكن إغفاله وهو الطريقة الآسرة التي عرض بها المؤلف هاته الدلالات الاجتماعية مستعينا بالجنس الذي مكن الروائي من ابتكار وضعيات معينة تكسر رتابة العلم الاجتماعي فهناك كسر لطابو لطالما ظل محرما في الإبداعات الجزائرية.
إنّ عملية إدخال الخطاب الاجتماعي انصهرت انصهارا تاما في بوتقة الخطاب السردي وخضعت له خضوعا كاملا إذ تجلت الدلالات الاجتماعية في النص بنكهة سردية جميلة فالكاتب عبر عن هاته الدلالات الاجتماعية بأداء لغوي مميز استعان فيه الكاتب بكل التقنيات الجمالية فحضر التشبيه تارة بالكاف( هي كالزنجية) وأخرى بكلمة(فأشبه بأكل شواء الكبد)، ناهيك عن الكم الهائل للكلمات المنتقاة بعناية كبيرة يقف أمامها القارئ مذهولا كيف استعارها الكاتب لأداء معاني جديدة ابتكرها هو فالقاموس اللغوي السائحي يفرض نفسه جماليا ويترك بصمته الجمالية الخاصة على الحيز الروائي ككل.
3. ظاهرة الزنا:
الزنا يعني إقامة علاقات جنسية خارج إطارها الشرعي؛ لهذا بدت الأماكن المخولة لممارستها في الحيز الروائي منعزلة وغير محمية وبعيدة عن الأنظار وتعكس عدة مقاطع سردية ظاهرة الزنا بأسلوب بديع منها قول السارد:
فاغتبط سلو للإشاعة ووَّد لو كان المهندس ساعة وقال لطيطة الخادمة: وكنت أنت السيدة! فضحكت وقهقهت وتعانقا وقالت له بلكنتها الزنجية: هيا نكونهما الآن في العراء. فأمالها بحركة متأنثة مفرطة ثم أرقدها مرتميا فوقها وفعلاها. فمن يومها آلت علاقة سلو بطيطة إلى ما يربط بين غريبين من عطف على بعضهما ليتجاوزا حدود خوفهما وظلا لا يقترنان إلا في الحوش أرضا فلا يُنزلان أو يرفعان عنهما من لباسيهما إلا مقدار ما تتلامس عورتاهما.
عاشراً: إذن الأمكنة المنتقاة من طرف المبدع للممارسة الرذيلة توحي بدناسة الفعل الممارس فوقها فهي إما أمكنة بعيدة كالعراء لا يعرف حركة للمارة أو أمكنة قريبة من الناس كالحوش يمارس فيها الطرفان علاقتهما الجنسية بحذر وخوف شديدان بمعنى آخر إن طريقة عرض الروائي للحيز المكاني يرتبط بدلالة مهمة هي أن ظاهرة الزنا ظاهرة منبوذة داخل المجتمع الأدراري لهذا هي لا تُمارس بصورة علنية؛ بل بتوخٍ فعليها الحذر والحيطة.
عرض الروائي هذه المشاهد الحميمية بطريقة ذكية تؤكد قدرته الرهيبة على تمرير كل ما هو(عيب) بالنسبة للمجتمع، وإنّ كانت ممارسة الزنا ظاهرة منبوذة دينياً وأخلاقياً فالحداثة الروائية تؤمن بالأدب الذي يكسر الطابوهات الممنوعة (الجنس-الدين-السلطة)؛ هذا ما لامسناه في هذه الرواية التي عرى فيها المبدع المجتمع الأدراري من أسمال الورع والتقوى كاشفا أهم الظواهر الاجتماعية السلبية والجدير بالملاحظة أنّ الروائي كشف ظاهرة الزنا بطريقة تبتعد عن الابتذال حيث صاغ المشهد في قالب حارات بمجرد أن يقرأه المتلقي ويُخَيَّل له أنّه يراه، فالمشهد يفيض بالحركة التي نتجت من براعة التصوير ولكثرة الأفعال في المقطع (ضحكت، قهقهت، تعانقا) وقد يكشف هذا المشهد الجنسي جهل الشخصيتين كذلك كما يكشف قيمة إنسانية أخرى وهي المحبة التي جمعت بين عشيقين تجمع بينهما ظروف اجتماعية قاهرة.
من هذا المعطى تتجلى التجربة الجمالية العظيمة التي تحلى بها الروائي السائح لحبيب في الجمع بين قيم متناقضة في أفق اجتماعي بائس صاغه الكاتب بطريقة بديعة حولته إلى متعة جمالية يتذوق من خلالها متعة القيم السلبية التي صاغها المبدع بجمالية فائقة فالجمالية تكمن في الطريقة الفنية التي يصور بها المبدع القبح.
المصادر:
[1] ميشيل دينكن، معجم علم الاجتماع، ترجمة إحسان محمد حسن، دار الطليعة، بيروت، 1981، ص152.
[2]الرواية،ص97.
[3]-2الرواية،ص 98.
[5]- 2الرواية،ص99.
[6]الرواية،ص99-100.
[7]الرواية،ص127.
[8]الرواية،ص239.
[9]الرواية، ص100.
[10]الرواية، ص107.
مقال جيد ومفيد واصلي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.