صنعاء نورٌ ومنار


منذ الأول من أغسطس للعام التاسع عشر بعد الألفين حطت قدمي اليُمنى على العاصمة اليمنيَّة صنعاء، في ذلك الحين وقفت منذهلاً وأنا أمشي بجانب سور باب اليمن العظيم، وما لبثت ثوانٍ حتَّى أنّي لم أعد أنشدُّ لذلك السُّور سوى أنه ما سمعت عنه كثيرًا، وقرأت قبل ذلك الحين، فقد انزاحت أمامي أحد المجاهيل بمعرفتي لها...!

أقمت في صنعاء لفترة تجاوزت نصف السنة وأكثر للمرة الأولى، كنت منشغلًا إلى حدٍ ما بدراستي، في تلك الفترة لم أعرف من صنعاء إلا ما يعرفه الكثير جامع الصالح وباصات الصافية التي تأخذني إلى مكان دراستي، غير أنّي في أحد الأيام انطلقت مع العزيز أشرف الرعيني في زيارةٍ إلى دار الحجر المزار التاريخي الكبير؛ لكنها لم تكن إلى حدٍ ما ممتعة...!

خلال فترة إقامتي في صنعاء لم أعجب بالكثير منها، بل إنَّ الدكتور عبد العزيز المقالح قد زادني بغضًا للعاصمة عندما كنت أتذكر أنّي أُقحمت في الاستمتاع بمقالته الشهيرة "صنعاء في ذاكرة أديب" في المرحلة الأخيرة من الثانوية، بل وتطاولت في حديثي مع الأصدقاء واتهمت قلمه بالكذب وهو في الحقيقة لم يكذب؛ وأعتذر عن ذلك...!

لم أُعجب بجو صنعاء لأنِّي أتيت من مدينة هي أفضل اعتدالاً! لم أُعجب ببنايات صنعاء، لأنِّي سبق ورأيت صوراً لمدن ذات مبانٍ وأبراج تكاد تكون جنونية مقارنة بصنعاء القصيرة...!

لم يعجبني أهالي صنعاء، لأنِّي لم أكن أستوعب في ذلك الحين أنَّ سكان صنعاء الطيِّبين لم يعودوا سوى نسبة ليست بالكبيرة أمام الاختلاط الموجود من كل أنحاء الجمهورية، ودائمًا الاختلاط يصنع الفوارق...!

مع الأيام القليلة تكيَّفت مع هذه الجميلة وأعجبت بها شيئًا فشيئًا، وبدت معتقداتي التي سبق وثبتت في عقلي بالزوال وارتأت لعيني الرؤية الواضحة لهذه المدينة العريقة...!

إنَّ صنعاء ليست بحداثتها التي لا تعتبر أمام التَّطوُّر الملحوظ في كل أنحاء العالم، وإنَّ صنعاء أيضًا ليست بالمستوى الثقافي أو الأدبي الَّذي شيب بالإساءة نتيجةً لتدهور الوضع وعدم الاهتمام، كما أنَّ صنعاء ليست بالقيادة أو الأمن الَّذي أثرت عليه هذه الحروب...!

بل إنَّ صنعاء بما احتوته من تاريخٍ عريق، وأصالة منذ القدم، صنعاء هي بالحلي القديم الموجود في أسواقها القديمة الرائعة، كما أنَّ صنعاء هي بالمأكولات القديمة والملبوسات الجميلة تلك ذات الرائحة المميَّزة، صنعاء هي بذلك الجمال الَّذي تلاقيه في ابتسامة الرجل السبعيني بائع الزبيب في سوق الملح، صنعاء هي بكل جمال يمكن أنَّ تراه، صنعاء بالتشديد القديم المحكم، صنعاء بتلك "الشواقيص" النيِّرة بدون الكهرباء؛ إنَّ صنعاء هي بالجمال نفسه وبالحب عينه!

صنعاء هي بما ستلاقيه عندما تبادلها العشق؛ فلا يمكن لأحرفي أنَّ تصف جمال صنعاء!

إذا قدمت إلى صنعاء فلا تذهب بعيدًا حتَّى تمرَّ في زقازيق باب اليمن وأبوابها الشامخة!

لا تقل أعرف صنعاء حتَّى تشتم رائحة أحجار مباني صنعاء القديمة! إنَّ الحديث عن تاريخ صنعاء وقراءته ليس بمتعة ملمس جدران الجامع الكبير بصنعاء الَّذي بورك أمر بناؤه بتوجيه نبوي...!

كما أنَّ صنعاء هي بالموروث التاريخي والثروة القديمة التي لا يمكن أن تعوض، وإنَّ مسنًا متكئًا على أحد أعمدة الجامع الكبير هو بمثابة آلاف العازفين ومن يتصورون صنع السعادة والمحبة...!

ولعلّ ما حبب إلى صنعاء القديمة أنَّي عرفت كنهها بأنَّي اصطحبت رفقاء من صنعاء وهم صنعاء ويعرفونها جيداً، جعلوني أستمتع بتلك السويعات جداً بذلك الحديث الطاهر مع أولئك الآباء الطيِّبين؛ فإذا قدمت إلى صنعاء اصطحب أحدهم يحببها إليك!

وإنَّ من الجيِّد ألا نسمي الوقوع في عشق صنعاء وقوعاً؛ لأنَّه في الحقيقة اعتلاءٌ وانتشاءٌ. 

اللَّهم احفظ صنعاء وتاريخها وأطل في عمرها، واحفظ اللَّهم ثلتها ذات السن الكبير، فإن قلبي يشق عليه فراق أولئك النيِّرين...!

دام يمننا السعيد بحب ونور وحضارة... كل الشكر لكم جميعاً.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب