صندوق اللغة والهيمنة

  1. تلعب اللغة دورا محوريا في بناء مخيلة الجمهور تجاه السلطة، و تأتي أهمية اللغة ودورها في بسط القوة من خلال كلماتها التي ينظر الجميع إليها بأنها سيف علي رقاب المتمردين على تلك السلطة. وتضع السلطة لغتها في قلب الحدث في مشهد استعراض قوتها وبسط هيمنتها، وتفرض قراراتها فرضا على العامة مستخدمة لغتها من خلال القوالب الجامدة من قوانين وأحكام ترى من خلالها الصيغة الأنسب لبطش المقاومة الداخلية والتصدي لأي تغيرات خارجة عن حدودها.
  2. "أعلم أن لغات الامصار إنما تكون بلسان الأمة أو الجيل الغالبين عليها او المختطين لها" عبد الرحمن بن خلدون. يرى بن خلدون أن اللغة مرتبطة بالهيمنة، فاللغة المهيمنة هي لغة الدول المهيمنة تقوى وتضعف بقوة او ضعف الدولة ، ويرى أن استعمال اللغة مرتبط بالضرورة بعلاقات القوة التي تحكمها وليس بمعزل عنها، كما أن اللغة تتبع الايديولوجيا المهيمنة والتي تخلق خطابا يسطو على ماعداه. 
  3. وبالنظر إلى آليات المعارف المتعددة فإننا لا نستطيع تحليل أدوات السلطة وسطوتها بمعزل عن سطوة اللغة وخطاباتها والتي تحمل كما من الرسائل ذات المعاني المتعددة، فتدخل اللغة بصورة مباشرة في طريقة التفكير والاستجابة والتنشئة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية لتشكل نوعا من الشعور بالنصر او الهزيمة او الهيمنة والقهر... الخ.
  4. سواء كانت اللغة منطوقة او مكتوبة فإنها تحمل في طياتها نظاما رمزيا يفرضه المجتمع بطريقة قد تكون طوعية على عناصره المتنوعة، ويرى "بن خلدون" ان اللغة تمثل الرابط الأساسي في فعل الدولة المهيمنة والقوية على مواطنيها .
  5. تتكون اللغة من عناصر أهمها الأصوات والمعنى والقواعد اللغوية الحاكمة والتأويلات المرتبطة بها وتفسيرها.. الخ. ويهتم علماء اللغة بدراسة عناصر اللغة من أجل تحديد الرابط بين اللغة ومدي تغلغلها داخل المجتمعات وبسط همنتها وقوتها وارساء القواعد الحيوية والحاكمة لمعنى الهوية الوطنية.
  6. في ظل العولمة وعصر مابعد الحداثة ومع صناعة الحياة الافتراضية ظهرت العديد من المدارس التي اعتبرت اللغة هو رأسمال كما يرى "بيير بورديو" حيث يتناول اللغة كشكل من أشكال الممارسة الحياتية ذات التأثير القوي من خلال منطوقاتها وعباراتها وتمتزج بتأويل الواقع الحقيقي واسقاط رمزية اللغة ضمن منظومة حاكمة يتناولها العامة بشكل يومي يمكننا ان نطلق على تلك المنظومة "صندوق اللغة"، غير أن هذا الصندوق قابل للتفاعل من خلال الإنساق المختلفة مثل الأسرة والمدرسة والعالم الافتراضي والمؤسسات العلمية ونظم الحكم وغيرها. 
  7. ويمكن القول بأن قوة اللغة او ضعفها مرتبط بتنوع المعارف التي تنتجها ضمن السوق اللغوية، حيث تزداد أسهم اللغة ضمن بورصة الهيمنة الثقافية والفنون وتأثير الكلمة على حياة المواطنين، وقد تموت اللغة بسبب هيمنة التأويلات المتوحشة والتي تجعلها في مرمى نيران الاستبداد اللغوي.
  8. ومجمل القول فإن اللغة قد تلعب دورا بارزا في الهيمنة والسطو بما تملك من قدرة على التأثير والمحتوى القوي المرتبط بالمعرفة_ وتبعد _كلما اقتربت من مصادر التهميش الثقافي والمعرفي. ذلك المصطلح الذي أطلقت عليه صندوق اللغة هو في غاية الخطورة ويحتاج الي عناية خاصة من القائمين على دراسة اللغة.
  9. المخيلة الشعبوية تلعب دورا أيضا في نمو اللغة داخل بوتقة الممارسة والعادات الاجتماعية والنسيج اللغوي مستند في ذلك على سحر الكلمات ومنابر الخطابة وأسلوب المتكلم ، حيث تهميمن الكلمات كلما كان المتكلم ذو اسلوب مميز يستطيع اللعب على وتر المخيلة الشعبية بمهنية. 

والخلاصة فإن اللغة كنسق فعال تلعب دورا هاما في فرض السلطة من خلال الآليات الاجتماعية، والحضور القوي لعوامل الجهل والاستبداد اللغوي هي أدوات في يد من يملكون تلك القوة. 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب