صناع المحتوى العرب وأوهام الشباب العربي

صناع المحتوى العرب على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة هم في الحقيقة يصنعون جيلًا موهومًا من الشباب.

والشاهد في القضية

أن أعداد الشباب المتصدرين لبيع ثقافة النجاح بينها وبين أعداد الذين ينتفعون بهذه السلعة منفعة حقيقية بون شاسع.

و ينحصر الإشكال في أن الشريحة العريضة من الشباب الذين يتابعون هؤلاء المتصدرين يلتقطون القشور التي يرمي بها صناع المحتوى إليهم فيتوهمون أوهامًا مثل: إمكانية تحقيق ما حققه ذلك الذي أصبح أيقونة نفسه، رغم أن الظروف التي واتت ذلك الأيقونة غير تلك التي في بيئة المتلقي.

ويظل هذا المتلقي في حلقة مفرغة من الاستهلاك المستمر لمفردات متكررة ومنتهية الصلاحية على أمل أن تُحدِث تغييرًا ما في حياته.

وذلك لن يحدث طبعًا إلا إن فصل بين ما يلزمه فعله وما هو قادر عليه، وبين تلك الثقافة التي أصبحت في نظري ثقافة استهلاك لا غير تُغني أناسًا، في حين تجعل آخرين متسمرين في أماكنهم لا يبرحونها قيد أنملة، فهم يتأرجحون بين وهم الوصول للقمة وبين حقيقة أن ما هم فيه وهم.

ورغم ذلك فإن صناع المحتوى وبالأخص العربي -باستثناء المحتوى التعليمي كالدورات في مختلف المجالات- يستغلون هذه الحالة التي خلقها فضاء الإنترنت، بل فضاء وسائل التواصل الاجتماعي هو الذي أوجد هذه الحالة من توهم الناس أنهم يعيشون حياةً أقل من غيرهم بكثير.

وكانت هذه فرصة سانحة أتاحت مرتعًا خصبًا لبيع ثقافة النجاح والغنى وتحقيق الدخول المرتفعة بأسهل وأسرع الطرق، رغم أن جُل تلك السلع من هذا التصنيف لا تعدو أن تكون مجرد قشور تحفيزية.

وإن أحببتَ تلطيف اللفظ قلت هي لمحات دالة على بداية الطريق، رغم أن من ينتجون هذا النوع من المحتوى يسوقون له بطريقة تختلف تمامًا عن حقيقته.

لأن المتلقي أو المشاهد يرى من العناوين ما يقول إن هذا الفيديو أو تلك المقالة سيعطيك أو ستعطيك كل ما تحتاج إلى معرفته عن الموضوع الذي عُنوِن به ذلك الفيديو أو تلك المقالة.

ثم تضغط فتجد أن المضمون كله ما إلا فُتات لا يرقى ليكون ذلك العنوان عنوانه، ولكن ذلك العنوان كان من لوازم التسويق أخي الكريم.

اقرأ أيضًا كيف تصبح محترفًا في صناعة الأفلام الوثائقية

مقاطع الفيديو القصيرة ومعضلة التحذير منها

ثم يحذرك بعضهم من مقاطع الفيديو القصيرة التي تسمى بـ"shorts" لأنها تُضعِف التركيز ولها آثار شديدة الْخَطَر في الدماغ.

ولكن إن جئت إلى الجانب الآخر تجدهم يضخون بمقاطعهم القصيرة في المنصات التي تتيح ذلك رغم تحذيرهم منها ولا ألومهم.

فإن في ذلك منطق سليم لأن هذا النوع من المحتوى قد استشرى في العالم وأدمنه كثيرون، وكان مضمونه في البداية مضمونًا يعج بالانحطاط والسفالة وقلة الأدب.

فكان لزامًا على الحق أن يزاحم الباطل.. (هذا التعقيب إحقاق للحق) ولكن أعود فأقول إن الأمر في منطلقه كان مزاحمةً ثم تحول إلى منافسة.. أصبحوا يحذرونك مما يغروك به بالوسائل التسويقية والدعائية المختلفة.

اقرأ أيضًا أنواع كتابة المحتوى لاستخدامها في استراتيجية التسويق الخاصة بك

وهم التحفيز

وفي الختام أقول: إن أغلب ما تجده من نصائح تحفيزية و توجيهات إرشادية كل ذلك أصبح مستهلكًا بصورة فظيعة من المنتجِ ومن المستهلك، أو قل من المرسل ومن المتلقي كما هو في علوم الاتصال.

فإن محتويات كل المنصات التي يُتاح فيها نشر أي نوع من أنواع الوسائط المختلفة صارت مكررة ورغم ذلك لا يزال الناس يشاهدونها بنهمٍ وشرهٍ غريبين، وكأن إدمان المشاهدة قد يصنع تغييرًا ما.

وعلى ذلك فإن من يريد أن يحصل له شيء من القناعات التي تشبَّع بها عبر هذه المنصات يلزمه أن يتوقف عن الاستهلاك المتنامي لقشور المحتوى أقصد (المحتوى التحفيزي- المحتوى الإلهائي ولكلٍ ما يلهيه وهو أدرى به- محتوى رؤوس الأقلام وهو الذي يعطيك عناوين عريضة دونما دراسة لتفاصيل الموضوع).

اقرأ أيضًا تعرف على أدوات تحليل وتصميم المحتوى

كنوز مخفية وسط الضحالة الفكرية

إن طغيان المحتويات السطحية على منصات عرض الوسائط المختلفة لا ينفي وجود كنوز دفينة فعلًا قد تجعل منك شخصًا مختلفًا، فإن المحتوى التوجيهي الذي تشاهده صنعه أولئك الذين اغتنموا فرصة وجود تلك الكنوز وكونوا منها هذا المحتوى الذي يبيعونه لك.

فما عليك إلا أن تلتقط المفاتيح التي يدلوك عليها، لا تكثر من البحث ولا تستهلك المحتوى نفسه في كل مرة، بل خذ الخلاصة وجد منهجًا تعليميًّا تتعلم به ما تريد إتقانه وتفرغ له وأشغل وقتك وذهنك به لا بغيره.

ولا تشغل نفسك بالمواضيع التي أصبحت فارغة من المعنى مثل (تنظيم الوقت- ريادة الأعمال- التسويق- الكتابة) لا تتعرض لمن يُوهمك بأن عنده زبدة الموضوع وسيعطيك إياه في 10 دقائق هذا وهم إي والله أي وهم.

بل خذ مسارًا متكاملًا وأتقن مهارة ولا تستعجل فإن هذا الإنترنت يُشعر البسطاء بأن عليهم أن يصيروا في قمة الهرم في ليلة وضحاها أو في عشية وضحاها ودعك من تسليع نفسك ووقتك.

لا تكن ثمنًا رخيصًا فتجعل من غيرك فاحش الثراء ينتج لتستهلك، هو يستمتع بما يفعل ويجني المال في الوقت نفسه وأنت مغبونٌ والله إنك لمغبون، فوقتك ضائعٌ والسلام على صحتك.

أديبٌ ينضج، أفكارٌ تلح، ونفسٌ ترغب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

أغسطس 27, 2023, 10:44 ص

مقال أكثر من رائع شكرا لك

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
ديسمبر 3, 2023, 12:10 م - ندى عمر
نوفمبر 29, 2023, 2:45 م - ايه احمد عبدالله
نوفمبر 23, 2023, 10:54 ص - تسنيم محمد خير البيطار
نوفمبر 21, 2023, 1:23 م - سمسم مختار ليشع سعد
نوفمبر 20, 2023, 6:51 م - سمسم مختار ليشع سعد
نوفمبر 19, 2023, 10:03 ص - فاطمة محمد على
نوفمبر 16, 2023, 1:42 م - سمسم مختار ليشع سعد
نوفمبر 16, 2023, 7:09 ص - عبدالخالق كلاليب
نوفمبر 15, 2023, 7:11 م - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
نوفمبر 15, 2023, 6:40 م - ناجي عبد العظيم محمد علي
نوفمبر 15, 2023, 11:18 ص - أيمن صبحي الاصفر
نوفمبر 14, 2023, 8:00 م - سمسم مختار ليشع سعد
نوفمبر 14, 2023, 10:11 ص - جوَّك لايف ستايل
نوفمبر 12, 2023, 5:42 ص - سمسم مختار ليشع سعد
نوفمبر 11, 2023, 1:41 م - جوَّك لايف ستايل
نوفمبر 7, 2023, 2:20 م - جوَّك لايف ستايل
نوفمبر 7, 2023, 8:07 ص - جوَّك لايف ستايل
نوفمبر 2, 2023, 2:03 م - سمسم مختار ليشع سعد
نوفمبر 2, 2023, 12:07 م - اسامه غندور جريس منصور
أكتوبر 28, 2023, 6:23 ص - ميدو ابن القاهرة
أكتوبر 25, 2023, 2:11 م - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
أكتوبر 22, 2023, 9:31 م - جوَّك لايف ستايل
أكتوبر 22, 2023, 7:35 م - مصطفى محفوظ محمد رشوان
أكتوبر 22, 2023, 5:52 م - بدره هويمل الزبن
أكتوبر 22, 2023, 12:49 م - اسامه غندور جريس منصور
أكتوبر 21, 2023, 7:19 م - محمد هاني جابر
أكتوبر 21, 2023, 12:31 م - طه عبدالله عثمان احمد
أكتوبر 17, 2023, 11:22 ص - أساور علي محمد
أكتوبر 16, 2023, 9:17 ص - لؤي نور الدين الرباط
أكتوبر 15, 2023, 4:55 م - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
أكتوبر 14, 2023, 5:03 م - إيمان يحيى
أكتوبر 12, 2023, 5:40 م - مصطفى محفوظ محمد رشوان
أكتوبر 11, 2023, 5:39 م - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
أكتوبر 11, 2023, 11:25 ص - زينب علي محمد
أكتوبر 9, 2023, 5:47 م - مصطفى عادل مصطفى
أكتوبر 9, 2023, 1:28 م - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
أكتوبر 8, 2023, 9:12 ص - إياد عبدالله علي احمد
أكتوبر 2, 2023, 3:39 م - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
أكتوبر 2, 2023, 12:41 م - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
أكتوبر 2, 2023, 10:40 ص - عبدالحليم ماهاما دادولا عيدالرحمن
أكتوبر 2, 2023, 10:01 ص - كاتبة
أكتوبر 2, 2023, 8:23 ص - إياد عبدالله علي احمد
أكتوبر 1, 2023, 3:51 م - لمى السلمي
أكتوبر 1, 2023, 11:39 ص - د . وليد عبد الغني السيد عبد اللطيف الغازي
أكتوبر 1, 2023, 11:08 ص - أساور علي محمد
سبتمبر 28, 2023, 7:22 م - مصطفى محفوظ محمد رشوان
سبتمبر 28, 2023, 3:49 م - شيماء دربالي
سبتمبر 27, 2023, 7:47 ص - اسامه غندور جريس منصور
سبتمبر 26, 2023, 6:22 م - جمال عبدالرحمن قائد فرحان
سبتمبر 26, 2023, 10:06 ص - محمد إسماعيل الحلواني
نبذة عن الكاتب

أديبٌ ينضج، أفكارٌ تلح، ونفسٌ ترغب.