تعد حرفة تصنيع منتجات جريد النخيل واحدة من أقدم الحرف التراثية التي ميزت الريف المصري على مر العصور، وقد كانت ولا تزال وسيلة لكسب العيش، وفن تشكيلي شعبي يطوع خامات الطبيعة لتلبية احتياجات الحياة اليومية. ورغم زحف المنتجات البلاستيكية والمعدنية، لا يزال «القفاص» المصري صامدًا أمام ورشته، متمسكًا بأدواته التقليدية ليقدم لنا منتجات تجمع بين المتانة وعبق الماضي، مؤكدًا أن يد الصانع المصري قادرة على تحويل عود الجريد البسيط إلى تحفة نفعية لا غنى عنها.
تعتمد صناعة منتجات جريد النخيل على خطوات ثابتة تبدأ بتقطيع الجريد حسب المقاس ثم العلام والتخريم باستخدام «اللقط» و«الرقيق» قبل تشبيك الأعواد لإنتاج منتجات متينة كالقفص والعداية والكرسي.
تاريخ صناعة جريد النخيل في مصر
تضرب صناعة جريد النخيل بجذورها في عمق التاريخ المصري، فهي حرفة فرعونية بامتياز؛ حيث تشير النقوش والرسوم على جدران المعابد والمقابر القديمة إلى استخدام المصريين القدماء لجريد النخل في صناعة السلال، والحصير، والأسرة، وحتى الأسقف للمنازل البسيطة، وقد ارتبطت هذه الحرفة بقدسية النخلة في العقيدة المصرية القديمة، حيث كانت تُعد رمزًا للنماء والبقاء.
ومع تعاقب العصور، من القبطية إلى الإسلامية، تطورت الحرفة لتلائم احتياجات المجتمع، فظهر «القفاصون» كطائفة حرفية متخصصة في العصور الوسطى، وازدهرت ورشهم في القرى والمدن التاريخية، وظلت طرق التصنيع اليدوية والأدوات البدائية البسيطة متوارثة من جيل إلى جيل دون تغيير جوهري، مما جعلها واحدة من أقدم الصناعات البيئية المستمرة التي حافظت على هويتها الأصلية في مواجهة التطور التكنولوجي.

من هو القفاص؟
القفاصون هم الحرفيون الذين يستخدمون مهاراتهم اليدوية في تشكيل أعواد الجريد لتصنيع منتجات يحتاجها أفراد الجماعة الشعبية مثل: بنية الحمام (قفص الحمام)، وقفص الطيور، وقفص العيش، والسرير، والكرسي والترابيزة للبيوت وللمقاهي أيضًا، وعدَّايات الفاكهة والطماطم، وعدَّايات العنب وهي أصغر حجمًا من عدَّايات الفاكهة والطماطم.
وأيضًا يصنّع القفاص فانوس رمضان، وبرنيكة يضع بها التجار العيش المدعم لبيعه في الأماكن النائية، ويصنعون أيضًا «المكب» الذي يوضع على الطيور الهندية كبيرة الحجم، وأشياء أخرى يستخدمها عامة الناس في ممارساتهم اليومية.
أهم منتجات الجريد التي يتم تصنيعها
تتنوع منتجات جريد النخيل لتشكل حلولًا بيئية ذكية تجمع بين الخفة والمتانة، حيث يحولها الحرفي إلى أدوات نفعية تغطي احتياجات البيت والسوق والزراعة؛ فمنها ما يُستخدم للأثاث، ومنها ما يخدم حفظ وتداول الأطعمة والطيور، وفي ما يلي أبرز هذه المنتجات وطرق تصنيعها:
1. كرسي من جريد النخل
تعد «جريدة المقاس» هي الأساس الأول في حرفة تصنيع منتجات جريد النخيل، ويتم عمل الكراسي المصنعة من جريد النخل بالطلب وفق الخطوات التالية:
- يتم تقطيع الجريد حسب مقاس كل جزء في الكرسي، حيث يتم تقطيع جريد رجول الكرسي، والتكَّايات (وهي الجزء الذي نضع عليه الكوعين)، ويتم تقطيع جريد أجناب الكرسي.
- يتم وضع جريدة المقاس على كل جريدة تم تقطيعها، ثم يقوم الحرفي بالعلام بمسمار العلام؛ فيتم عمل علامات على الجريد الموجود أسفل جريدة المقاس.
- يقوم الحرفي بعد ذلك بالتخريم مكان هذه العلامات باستخدام أداة «اللقط» والدق عليه «بالتقيلة» لمكان الخروم الواسعة، وباستخدام أداة «الرقيق» لمكان الخروم الأصغر.
- يتم «تشييش ظهرية الكرسي» باستخدام جريد رفيع تم تجهيزه مسبقًا من الجريد الجاف.
- يقوم الحرفي بعد ذلك بتشبيك أو تقفيل الكرسي.

2. قفص العيش
لقفص العيش العديد من المقاسات؛ فهناك مقاس 80 سم، 100 سم، 120 سم، ويستطيع الحرفي تصنيع أقفاص أصغر أو أكبر من هذه المقاسات وتسمى «أقفاص عمولة»، ويتم تصنيع قفص العيش كالتالي:
- يتم تقطيع الجريد حسب مقاس القفص الذي يريده المشتري أو صاحب الفرن.
- يتم وضع جريد المقاس على الجريد الذي تم تقطيعه، ثم يتم العلام بمسمار العلام على الجريدة الموجودة أسفل «جريدة المقاس».
- يتم تخريم الجريد مكان العلام باستخدام «اللقط» في الناحية الواسعة، وباستخدام «الرقيق» في الناحية ذات الخروم الأصغر، وذلك بالدق عليهما بالتقيلة وبالخفيفة.
- يتم وضع «3 جريدات صغيرة طولها حوالي 15 سم إلى 20 سم في منتصف القفص» تسمى «الرصة»؛ تجعل القفص متماسكًا، وأيضًا للمساعدة في حمله فوق الكتف أو الرأس بسهولة، أثناء تشبيك الجريد الرفيع بالعرض في الجريد الطولي الأعرض.
3. تصنيع عداية الطماطم والفاكهة
العداية لها عدة مقاسات؛ منها مقاس 46، ومقاس 47، ومقاس 48، أي أن هناك عداية صغيرة ثم أكبر قليلًا ثم الأكبر، ولكن عداية العنب أصغر من الأحجام السابقة. وتعد عداية الطماطم والفاكهة مع قفص العيش الأكثر طلبًا، وخطوات تصنيعها هي:
- يتم تقطيع الجريد على الأورمة حسب مقاس العداية المطلوب.
- وضع جريدة المقاس على الجريد الذي تم تقطيعه سابقًا فوق الأورمة.
- يقوم الحرفي بالعلام على الجريد بمسمار العلام.
- يقوم الحرفي بتخريم الجريد مكان العلام بالدق بالتقيلة على اللقط.
- يتم تشبيك ما يسمى بـ «داير العداية» وهو عبارة عن أعواد جريد نخل أعرض قليلًا استعدادًا لعمل «السقفية للعداية» (أي قاعدة العداية). والجريد الأخضر يتم تقطيعه لعمل «أطواق ورفايد» لعمل مربع العداية؛ تسمى الجريدة الأعلى في المربع بـ«الطوق»، والجريدة الأسفل بـ«الطوق» أيضًا، وبينهما جريدة تسمى بـ «الرفايد». كما يضع الحرفي في منتصف جانب العداية 3 جريدات صغيرة تسمى بـ«الرصة».
- يتم تشبيك أعواد الجريد الجافة بالمربع من أعلى ومن أسفل لعمل «سقف العداية»، وهو في الحقيقة «قاعدة العداية».
- يتم وضع ما يسمى بـ«القيود» في جوانب العداية الأربعة.
4. طريقة تصنيع «المكب»
«المكب» نموذج رائع للمنتجات التي يصنعها الحرفيون، وهو خاص للطيور الهندية كبيرة الحجم. أبعاده 70 سم أو 75 سم (طول وعرض وارتفاع)، وله يد من أعلى، ولا تختلف طريقة تصنيعه عن العداية؛ إذ يتم تقطيع الجريد حسب المقاس، ثم استخدام جريدة المقاس والعلام، ثم التخريم وتشبيك الأعواد العرضية الرفيعة، وفي النهاية عمل يد للمكب.
5. برنيكة العيش المدعم
يتم تقطيع الجريد حسب مقاس البرنيكة (الطول بين 75 سم إلى 100 سم، والعرض عادة 50 سم). يتم العلام والتشبيك بأعواد الجريد الرفيعة العريضة قليلًا لتعطي المتانة. للبرنيكة قاعدة ثابتة، وقاعدة أو اثنتان متحركتان؛ إذ تتسع لما يقرب من 900 رغيف، حيث توضع القواعد المتحركة لحماية العيش من «التعجين».
6. فانوس من جريد النخل
- يقوم الحرفي بتقطيع وتسوية الجريد حسب المقاس المطلوب، ويستخدم «المسيف» في التسوية حتى لا يتعرض لـ «سلخة» في يده. تتم هذه الخطوات على «الأورمة» المصنوعة من خشب التوت.
- يتم العلام بمسمار العلام وجريدة المقاس.
- يتم تقطيع 4 قوائم مربعة (عريضة) كجوانب للفانوس.
- تقطيع 4 عوارض للجزء العلوي تشبك في يد الفانوس.
- تجهيز وتشبيك أعواد الجريد الناشف لتقفيل الجوانب واليد ليكتمل الفانوس.
7. قفص الحمام
- تقطيع 4 جريدات عريضة تحدد القفص.
- العلام بمسمار العلام وجريدة المقاس.
- تخريم الجريد، مع ملاحظة أن الجريدة الأعلى لها اتجاهان (واسع وضيق) لإحكام الأعواد.
- تقطيع وتشبيك أعواد رفيعة بالعرض في «دواير القفص». وهناك عود يسمى «عود التركيب» يمتد من الأعلى للقاعدة.
- تشبيك أعواد الجريد بالعوارض ليكتمل القفص.
أدوات تصنيع جريد النخل
- الأورمة: جزء من جذع شجر التوت بارتفاع 15 سم إلى 20 سم، تثبت في الأرض ويجلس أمامها الحرفي.
- السلاح: جزء مستطيل من الحديد طوله 60-70 سم، له زاوية من أعلاه على شكل رقم 6.
- البلطة: جزء أمامي عريض من الحديد بيده خشبية طولها 50 سم.
- مسمار العلام: جزء حديدي أسطواني مدبب من الأمام طوله 20 سم.
- اللقط: جزء طويل من الصاج (20-25 سم) مشطوف من أعلى لتخريم الفتحات الواسعة.
- الرقيق: ماسورة من الصاج أرفع من اللقط لتخريم الفتحات الضيقة.
- التقيلة: جزء خشبي عريض نسبيًا للدق على اللقط.
- الخفيفة: جزء خشبي مثل التقيلة، ولكنه أخف نسبيًا منها للدق على الرقيق.

في الختام، تظل حرفة صناعة جريد النخيل شاهدًا حيًا على عبقرية الحرفي المصري وقدرته على الاستدامة منذ آلاف السنين، ولا بد من الإشارة إلى أن دعم هذه الصناعة وحمايتها من الاندثار ليس مجرد حفظ لمهنة يدوية، بل هو صون لجزء أصيل من الهوية المصرية، فكل قطعة تخرج من تحت يد القفاص تحمل حكاية صبر وفن، وتذكرنا دومًا بأن الجمال الحقيقي يكمن في البساطة وفي المواد التي تجود بها أرضنا الطيبة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.