هل الشعر إلهام أم صناعة؟ مواجهة فكرية بين أفلاطون وأرسطو ونقاد العرب

لطالما ظل سؤال الإبداع لغزًا حير الفلاسفة والنقاد عبر العصور: من أين يأتي الشعراء بهذا السحر؟ هل هو فيض من الإلهام يتدفق على ألسنتهم دون عناء، أم هو نتاج صنعة دقيقة وقوانين صارمة تُحاك بعناية فائقة؟

بدأت هذه الرحلة مع سقراط الذي وقف مبهوتًا أمام عجز الشعراء عن تفسير مكنونات أشعارهم، ليتلقف الفلاسفة من بعده الخيط، وتنشأ مدارس فكرية تتأرجح بين مثالية أفلاطون ومنطقية أرسطو.

في هذا المقال، نستعرض تطور نظرة الإنسان للعملية الإبداعية، وكيف تقاطعت رؤى الغرب مع حكمة العرب لترسم لوحة متكاملة تجمع بين روح الإلهام ودقة الصنعة.

صدمة سقراط.. الفجوة بين نظم الشعر ونقده

كان سقراط يشرح لقضاته ما جعله غير محبوب بين الناس، وعندما جاء ذكر الشعراء والحوار الذي دار بينهم وبينه قال: إني يا سادتي أراني مضطرًا إلى أن أقص عليكم الحقيقة ..، لقد تناولت الأشعار التي ألفها أصحابها بعناية فائقة وسألت كلًا منهم عما عناه بشعره فلم يكن منهم من استطاع الإجابة عن سؤالي هذا.

ولقد جمعني وإياهم مجلس ضم كثيرًا من المعجبين بهم وبأشعارهم فلم يكن بين الحاضرين رجل إلا وهو أقدر على التحدث عن تلك الأشعار من الشعراء أنفسهم.

وفي هذا الحديث نرى أن سقراط قد كشف عن أمر ذي أهمية كبرى لأنه كان فيما نعلم أول من فرق بين نقد الأدب وبين تأليفه ثم قال: لقد أدركت حينئذ أن الشعراء لا يكتبون الشعر لأنهم حكماء بل لأن لديهم طبيعة أو همة قادرة على أن تبعث فيهم حماسة أو كما نقول نحن اليوم إلهامًا.

ومعنى كلام سقراط أن الشعراء يلهمون ما يقولون، وقد اعتنق هذا المذهب بعد سقراط الفيلسوف أفلاطون فهو يقرر في مواضع كثيرة أن هذا الكلام وإنما هو إلهام يلهمونه، فلما جاء أرسطو أعلن أن هذا الشعر الجيد إنما هو جديد لأسباب يمكن الوصول إليها ومعرفة قوانينها ، ووضع هذه القوانين لكي يهتدى بها الشعراء في إنتاجهم.

صراع المذاهب.. بين إلهام أفلاطون وقوانين أرسطو

ولما كانت الملحمة والشعر المسرحي أرقى أنواع الشعر عند أرسطو كانت القوانين التي وصل إليها أرسطو تتعلق بهذين اللونين من الشعر.

أفلاطون وأرسطو إذن يمثلان نظريتين مختلفتين في الإنتاج الشعري فبينما يرى أفلاطون الشعر إلهامًا يرى أرسطو الشعر صناعة لها قواعدها وقوانينها، وقد كان أحد هذين المذهبين يسود دراسة النقد عند الغرب، فحينا يسود مذهب أفلاطون ويرى النقاد الشعراء ملهمين، حتى ساد المذهب الكلاسيكي، رأينا مبادئ أرسطو تسود ويعتنق الناس مذهبه في صناعة الشعر وسيادة شعر المسرح.

بين إلهام أفلاطون وقوانين أرسطو

ثم كان المذهب الرومانتيكي الذي رأى أن الشعر الغنائي أرفع ألوان الشعر رأينا مذهب أفلاطون يعود مرة أخرى إلى الظهور وينظر النقاد إلى الشعر على أنه إلهام وإلى الشاعر على أنه ملهم قد وهب ما لم يوهب غيره من الناس.

الشعر واللاشعور.. التفسير الفرويدي للأحلام المكبوتة

وفي العصور الحدية اتصل بفكرة  الإلهام مذهب فرويد، الذي رأى أن الشعر كالأحلام وسيلة من الوسائل التي تعبر عن الرغبات المكبوته في اللاشعور، وهذه المنطقة اللاشعورية تحاول تحقيق هذه الرغبات بإحدى وسيلتين:

1. الوسيلة الأولى: الأحلام: التي يتخيل فيها المرء في منامه أنه وصل إلى تحقيق هذه الرغبات بطريقة أو بأخرى.

2. الوسيلة الثانية: ويرى أن الشاعر يحقق بشعره كثيرًا من هذه الرغبات المكبوتة في اللاشعور ذلك بأن الإنسان في الشعر وفي الإنتاج الأدبي قد ينفس عن هذه الرغبات بأن ينتج إنتاجًا شعريًا يرمز فيه إلى رغباته، وأن هذه الرغبات قد تحققت، وعندئذ يرضى نفسه ويطمئن قلبه، ولتضرب لذلك مثلًا لشاب أخفق في حبه، فإن هذا الإخفاق في الحب ورغبة الشاب في أن لو كان قد تحققت أحلامه في الحب لا تموت، وإنما تسكن عالم اللاشعور ويكون لها أثرها في إنتاجه.

فقد يخرج مسرحية يحقق فيها أمله بصورة من الصور كأن يصور بطل الرواية بطلًا ناجحًا في حياته، وأنه ما كان ينبغي لوالد حبيبته أن يحول بينه وبينها، أو ينتقم في المسرحية ممن كان سبب إخفاقه في حبه، أو يرمز في مسرحيته إلى أعدائه برموز ينتقم منها.

أو يحقق أمله فيها كأن يرمز لزوج حبيبته بوحش قضى عليه ولحبيبته بغزال يأوى إلى كنفه، وهو بذلك يحقق بطريقة غير شعورية أملًا كمن في اللاشعور وهو الانتقام من زوج حبيبته ما دام هوفي حقيقة الأمر لم يستطع الانتقام منه.

وكثيرًا ما يكون الشعر متنفسًا عما يملأ النفس من الإحساسات والانفعالات ويكون هذا التنفيس مخففا لما يشعر به الإنسان من ثقل عواطفه وشعوره.

فالشاعر الذي أصيب بفقد ولده يلجأ إلى الشعر واجدًا فيه ما يخفف من هذه الآلام، كما يشعر الإنسان بالراحة عندما يحدث صديقه بما يؤلمه.

الفرق الجوهري بين الحلم والتعبير الشعري

هذا وينبغي أن نفرق بين الأحلام وبين التعبير الشعري فإننا عندما نعبر بالشعر نتسامى بعواطفنا وإحساساتنا ونسلط عليها الشعور فنهذبها ونركبها كما نحب، أما الأحلام فخالصة للاشعور، ومن أجل ذلك لا تكون مهذبة ولا متسامية كالشعر.

وفي عصرنا الحاضر يرى النقاد أن الإنتاج الشعري مزيج من الإلهام والصنعة، فهم يرون الإلهام في التجربة الشعرية التي تملأ النفس ونستولى على القلب  إلى درجة أنها تدفع الإنسان إلى القول والإنتاج.

يرون الإلهام في هذا الشعور القوي الذي يستولى على المرء ليدفعه إلى التعبير عنه.

يرون الإلهام في هذا الخاطر الذي ينبثق في النفس ويستولى عليها، ثم يرون ذلك أن الشاعر يسلط على هذا الخاطر والإحساس تفكيره ليتبين هذا الخاطر في وضوح، وليدرك عناصره ويرى زواياه ويتبين الخطوات التي ينبغي أن تتبع في عرضه عرضًا سليمًا مؤثرًا.

عبقرية العرب.. شياطين الشعر وحوليات زهير بن أبي سلمى

هذه نظرة الغرب إلى الإنتاج الشعري، أما نظرة العرب فإننا نجد لهم نظرتين متجاورتين تعيشان جنبًا إلى جنب، تلك هي نظرتهم في الجاهلية إلى أن للشعراء شياطين يلقون القول على ألسنتهم ومعنى ذلك أنهم ينظرون إلى الشعر على أنه إلهام.

والنظرة الثانية التي تجاور تلك النظرة هي أنهم كانوا يرون أن في الشاعر قدرة على تجويد شعره وإتقانه وتهذيبه، ويرون أن في استطاعتهم العودة إلى شعرهم بالتهذيب والتثقيف حتى يصل إلى مستوى رفيع.

نرى ذلك مثلًا في أخبار زهير بن أبي سلمى، فإنه كان ينظم القصيدة كما يقولون في بضعة أشهر ولكنه لا يعرضها على الجمهور بل يحتفظ بها ليهذبها ويقومها ويحذف منها ويثبت، ثم يعرضها على طائفة من أًصحابه الذين يثق بهم ويحسن فهمهم، ويستمر في هذا العرض حينًا من الزمن، حتى إذا اطمأن إلى أن إنتاجه قد بلغ ما يستطيع من الجودة عرضه على الناس، وكان كثير من الشعراء يعملون كما يعمل زهير مما يدل على إيمانهم بالجانب الذاتي والمجهود الفردي إلى جانب إيمانهم بالإلهام.

زهير بن أبي سلمى

مذهب الجرجاني.. كيف يصنع الطبع والذكاء نصًا خالدًا؟

وعلى هذا نجد جمهور الناقدين إذا استثنينا قلة ترى أن الشعر الجيد هو الذي يصدر عن الإلهام وحده، كما رأى ذلك ابن قتيبة، فقد كان يرى أن الشعر المرتجل هو الشعر المطبوع الذي لا يعود إليه صاحبه بتهذيب ولا تقويم.

ولكن جمهرة نقاد العرب على أن الشعر عمل يشترك فيه الإلهام والصنعة معًا.

وقد عبر عن ذلك القاضي الجرجاني في كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه» إذ قال: الشعر علم يشترك فيه الطبع والذكاء والرواية والتجربة[ ومعنى أنه طبع أنه إلهام يوهب، ولكن هذا الإلهام لا يقف وحده بل لا بد له من ذكاء يسلط على هذا الإلهام لإدراك هذا الذي ألهمه الشاعر ومعرفة جوانبه المتعددة، وعناصره المختلفة لترتيب هذه العناصر ترتيبا جيدا والفحص عن كل ما يتصل بالخاطر من قرب أو بعد، وهذا الذكاء لا بد أن تمده ثقافة واسعة عبر عنها الجرجاني بالرواية، لأن هذه الثقافة هي التي توضح جنبات الخاطر وتشرح نواحي ما يحس به الأديب وتلقى عليه قسطًا كبيرًا من النور.

وهذه الهيبة التي عبر عنها بالطبع لا يمكن أن تعيش إلا في ظلال تدريب على الإنتاج وبدون هذا التدريب يذبل الطبع، ويموت.

ومن أجل ذلك نرى أن الإنتاج الأدبي كان النقاد ينظرون إليه على أنه إلهام وصنعة معًا، وهو ما يتفق مع نظرة النقاد في عصرنا الحاضر، إذ نرى أن الإنتاج الأدبي يحتاج إلى الهبة والإلهام في أصله، وأن انبثاق الفكرة الأولى إلهام، ثم يسلط الفكر على هذا الإلهام ليبلغ في الإنتاج غاية الكمال.

وهذه القوانين التي وصل إليها النقاد كالمشعل يضيء للمنتج الطريق إلى الإنتاج الجيد ما دامت عنده الهبة الأصيلة والطبع الصحيح.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة