الشعر الصناعي ليس شعراً متكلفاً، بل هو شعر يتم صناعته بخطوات كما بقية الصناعات، فكل صناعة تحتاج إلى معدات، وتجهيز، وورشة، وآلات.... إلخ، كذلك الشعر الصناعي له خطوات ومعدات.
صناعة الشعر
فالذي يكتب الشعر الصناعي يبدأ بتجهيز فكرة ما، ثم تحويلها إلى كلمات مقفاة، وإلى هنا الأمر طبيعي، فكل شاعر يبدأ بانتقاء فكرة ويتكلم عنها بقوافٍ، لكن ما لا يعرفه عامة الناس أن الشاعر الصناعي ليس بشاعر فحسب، وإنما هو شخص عليم باللغة وقواعدها وألفاظها ومن خلال ذلك يتقن الشعر.
وشعره صناعي؛ لأنه ليس نبوغاً أو نابعاً من وجدان شاعر فطري، نبوغي، فالشعر الصناعي أشبه برواية ما في حين أن الشعر العادي هو قصة مقفاة.
ونعرف الشعر الصناعي من خلال عدم الخطأ لا في موسيقى الأبيات، ولا في الكلمات، فكلماته فصيحة بعكس الشعر العادي الذي قد يكون فيه خطأ في تقسيمه، وحتى كلامه عادي، فالشعر الذي من الشاعر يكون سهلاً وبسيطاً مقفًى بعكس الشعر الصناعي والشعر المتكلف؛ فالشعر المتكلف قد يكون من شاعر حقيقي فطري ارتجز بيتاً ثم أتمه قصيدة فتكون بقية الأبيات متكلفة تحمل كلمات رنانة ومطاطية.
وقد يخرج به الشاعر من محتوى الفكرة وكذلك موسيقى البيت، فمثلاً البيت الأول انتهى بإطلاق حركة الروي بألف الإطلاق في حين تجد البيت الثاني أخذ قافية أخرى، وهنا مكمن كشفنا للشعر الصناعي، فالذي يكتب الشعر الصناعي يلتزم بقافية محددة وصعبة، وبكلمات فصيحة وعصية على فهم العامة، وكذلك تجده مكتمل البيان من حيث التشبيه البليغ والضمني، والكناية والاستعارة سواء المكنية أم التصريحية، وفي الغالب الأعم يعتمد على المكنية، لأن التصريحية اختصاص الشاعر الحقيقي النابغ بالشعر كمثال قول امرئ القيس يصف فرسه السريع:
مِكرٍّ مِفرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معاً كجلمود صخر حطّه السيل من عل.
فهنا التشبيه واضح وهو أن فرسه سريع كالصخرة التي تدحرجت بسبب السيل المندفع، فهي سريعة وفرسه مثلها في سرعته، وكذلك شبهه بسرعة الاستجابة فهو يدبر ويقبل ويكر ويفر في آن واحد من شدة سرعته.
ستجد أيضاً على منصة جوك بدوي الجبل بين الشعر والسياسة
الشعر الجاهلي والشعر الآن
ومثل هذه الفكرة إن تناولها أحد الشعراء الصناعيين تكون معقدة على فهم العامة،
وأي كلام مقفًى لن يكون شعراً إذا لم يكن سهلاً وبسيطاً.
ففي الجاهلية عرف الناس الشعر من خلال الكلام البسيط المقفى، فالشعر الجاهلي لا يبتعد عن البيئة المحيطة ويصفها بكلمات عامية يفهمها الكل.
فشعر عنترة مفهوم لدى الجاهليين؛ لأنه جاء من لغة محكية، لكن مشكلة الشعر الآن أنه معقد حيث كلماته عصية على العامة.
فأنا مثلاً تعلمت اللغة العربية، وأتقنت النحو إتقاناً متقدماً، لذلك أصبحت أقول الشعر صناعة، لكني لست بشاعر، فأنا لم أنبغ بالشعر، وإنما تعلمته بعد معرفتي قواعد الكلم العربي، كمثال قولي:
إذا جاء البشير وألقى قميصاً فلا تظنن أن الأمر محمود.
فأنا بدأت بـ (إذا)، وأعرف أن إذا لا يتبعها اسم مبتدأ، لذلك أتبعتها بفعل، وبعد الفعل لا بد من فاعل لذلك قلت إذا جاء البشير... إلخ.
وبعد رص الكلمات أوضحت الفكرة وهي أن ليس كل بشارة محمودة، ولمعرفتي أن إذا لا تتبعها إلا جملة فعلية لذلك جئت بعدها بجملة فعلية.
ولو كتب البيت شاعر حقيقيّ لربما قال إذا البشير جاء وألقى قميصه، فلا تظن أن الأمر حميد.
تلاحظ أن الفعل (تظن) خالٍ من نون التوكيد، وأن محموداً أوكد من حميد، وهنا جاءت حميد بدلاً من محمود لأن الشاعر الحقيقي ليس همه التوكيد أو انتقاء الكلمات.
ستجد أيضاً على منصة جوك فيلسوف الأغنية السودانية الزول السمح جناب السفير الفنان والشاعر والموسيقار
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.