تغيير النقاشات الرقمية للرأي العام بات حقيقة مؤكدة تجيب عن التساؤل الدائم: كيف تؤثر وسائل الإعلام على الرأي العام؟ بواسطة الفضاء الرقمي واستخدام ترندات لتوجيه الرأي، يتم تشكيل الوعي المجتمعي بقوة. يبرز هنا دور الإعلام الرقمي وتأثيره في الرأي العام في ظل سيطرة المؤثرين الرقميين وتنامي ظاهرة غرف الصدى، ما يظهر بوضوح حجم ومخاطر تأثير الإعلام الرقمي على المجتمع.
في هذا المقال نوضح لك كيف تغير النقاشات الرقمية الرأي العام، وهل تستخدم الترندات لتغيير الثقافات أو ما يُعرف بتغيير الثقافات الموجه؟ وما أدوات الخطاب الرقمي؟ وهل يمكن أن تتحول النقاشات الرقمية إلى نقاشات رقمية وتغيير حقيقي على الأرض؟
الحقيقة الواضحة أن النقاشات الرقمية أصبحت هي المحرك الأساس الذي يستطيع تكوين وتغيير الرأي العام في ظل التطور التكنولوجي الكبير وظهور مواقع التواصل الاجتماعي؛ وبذلك انتقلت قوة التأثير والتشكيل من المؤسسات التقليدية، وعلى رأسها الإعلام التقليدي، إلى الفضاء الرقمي، وفيه ظهر القادة الجدد للرأي بعيدًا عن السلطة أو التخصص، واعتمادًا على التواصل الفعال وصناعة المحتوى.
كيف تنجح النقاشات الرقمية في تغيير الرأي العام؟
حين دراسة دور السوشيال ميديا في توجيه الرأي العام، نلاحظ التالي:
توجد تغييرات كبيرة فرضها الواقع الرقمي على الأفراد والجماعات والمؤسسات الكبرى، وبها أصبح للنقاشات الرقمية دور كبير في تكوين الرأي العام. ومن هذه التغيرات ما يلي:
- كسر احتكار المعلومات: أصبحت المعلومات متاحة للجميع؛ وبذلك لم يعد العامة ينتظرون توجهات المؤسسات الرسمية أو النخب التقليدية أو يستمعون إلى آرائهم، وإنما بدأ الناس في تحديد الموضوعات التي تلائمهم وتستحق الانتشار بالتفاعل والمشاركة.
- صناعة الترند: بدأت فكرة الاتجاهات الرائجة، أو كما يُطلق عليها «الترند»، تظهر كونها حملات مدروسة من أجل توجيه الرأي العام وتحديد اهتماماته وتغيير ثقافته بالنقاشات الكثيفة في وقت قصير حول موضوع معين، وهو ما يجعل من ذلك الموضوع بطل المرحلة؛ فتضطر الوسائل التقليدية حتى صناع القرار، إلى الاهتمام به والالتفات إليه.
- القادة الرقميون: مع الوقت حدث تحول كبير في الفضاء الرقمي، وهو الانتقال من ثقافة النص إلى ما يُعرف بثقافة الصورة؛ فقد برز جيل جديد من القادة الرقميين، ومعظمهم من الشباب الذين يفهمون وعي المرحلة ويمتلكون أدوات الخطاب الرقمي، ويستطيعون تشكيل الوعي الجماعي بعيدًا عن السلطة التقليدية.
- التفاعل المباشر: أكثر ما أتاحه الواقع الرقمي للشخص العادي هو قدرته على التفاعل المباشر والفوري مع القضية أو الحدث أو الرأي أو الفكرة، وهو ما لم يكن متاحًا في الفترات السابقة؛ وعلى هذا أصبح الشخص يشارك في تشكيل اتجاه الوعي العام بدلًا من الانسياق وراء اتجاهات المؤسسات التقليدية والنخب التي كانت تسيطر سابقًا.
-
الخوارزميات والحسابات الآلية: لا يجب أن ننسى الدور الكبير الذي تؤديه الخوارزميات والحسابات الآلية، التي تعمل على توجيه الرأي العام بتكرار الرسائل وتحديد ما يظهر للمستخدمين بناءً على اهتماماتهم، وهو ما يؤدي في الأخير إلى تعزيز آراء أو أفكار معينة على حساب أفكار أخرى، وتأكيد وجود إجماع شعبي على قضية ما عن قصد.

كيف تؤثر النقاشات الرقمية على رأي الفرد وقناعاته؟
بلا شك، تُغيِّر النقاشات الرقمية آراء الأفراد وقناعاتهم بواسطة عملية نفسية وعصبية تتلاعب بإدراكهم للواقع بسبب إبحارهم في السوشيال ميديا وخوضهم للنقاشات الرقمية عبر الخطوات التالية:
- تأثير الدليل الاجتماعي: الذي يُعرف علمياً بـ Social Proof في علم النفس الاجتماعي؛ لأن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، فإنه يميل إلى تبني الأفكار التي تحظى بإجماع الناس، وهو ما يحدث عندما يرى منشورًا أو فيديو نال إعجاب الآلاف من المشاهدين، ما يجعل عقله يتشكك في رأيه الخاص وقناعاته القديمة حتى لا يخالف رأي الأغلبية.
- غرف الصدى أو Echo Chambers وفقًا لدراسات الإعلام الرقمي: أصبح مصطلحًا متداولًا بكثرة نتيجة عمل الخوارزميات التي تعطي المستخدم ما يرغب فيه وتوافقه على آرائه وقناعاته؛ وبذلك تعزله عن الآراء الأخرى والأصوات التي لا تشبهه، وهو ما يجعله أكثر تطرفًا ويرى الآخرين باعتبارهم شواذًا عن القاعدة.
- التكرار المستمر: في الفضاء الرقمي يمكن تحويل أي كذبة إلى حقيقة بواسطة تكرارها في عشرات التعليقات والمنشورات، وهو ما يجعل العقل ينظر إليها كـ«حقيقة» بديهية نتيجة الألفة التي تحدث مع المعلومة، وليس نتيجة البراهين والأدلة.
- الارتباط العاطفي: لا نستطيع أن ننكر تأثرنا جميعًا بالأشخاص المؤثرين على الإنترنت؛ حتى أصبح لكل منا شخص أو أكثر يحبه ويتابعه، وعلى هذا نتأثر بآرائه وأفكاره في القضايا المختلفة، ومن الممكن أن نتبنى تلك الأفكار ليس لأنها الأصح، ولكن بسبب التأثير العاطفي.
- الخوف من العزلة: في الكثير من الأحيان يقوم الفرد بتغيير رأيه ليس عن قناعة، وإنما نتيجة الخوف من الهجوم الرقمي أو الخوف من التعرض للتنمر من القطيع، وربما يتحول هذا التظاهر إلى قناعة داخلية مع الوقت.

ما ضريبة الاعتماد على المؤثرين الرقميين في قيادة الرأي العام؟
هنا تتجلى بوضوح ضريبة المؤثرين الرقميين على الرأي العام:
بعد أن كان الرأي العام يعتمد في الأساس على المثقفين والمختصين، أصبح الاعتماد الأكبر على المؤثرين الرقميين، وهو ما يمكن اعتباره سلاحًا ذا حدين، وقد يكون له ضريبة باهظة على جودة الوعي المجتمعي، وهو ما يتمثل في النقاط التالية:
قلة جودة وموثوقية المعلومات
بالنظر إلى الاعتماد على المؤثرين الرقميين، فإن القوالب الترفيهية تميل إلى تبسيط القضايا المعقدة، وتفتقر كثيرًا إلى العمق الأكاديمي والتخصصي.
في كثير من الأحيان، يكون المؤثر الرقمي مدفوعًا بمصالح سياسية أو تجارية، على الرغم من أنه يحاول إبداء الآراء بطريقة عفوية وعدم الإعلان عن أهدافه التسويقية أو الإيديولوجية.
التضليل الرقمي
ثم إن الانتشار السريع للأخبار قد يخدم الرأي العام أحيانًا، لكنه أيضًا يسهل انتشار الأخبار المضللة والكاذبة مع غياب الرقابة التحريرية كما في المؤسسات التقليدية.
أسوأ ما في الأمر أن غالب الجمهور أصبح يثق في المؤثرين ثقة كبيرة، وهو ما يجعلهم لا يمارسون التفكير النقدي تجاه الآراء والأفكار التي يقدمها هؤلاء المؤثرون.
إضعاف النخب التقليدية
لا شك أن توجه الرأي العام نحو وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين، إضافة إلى آلية عمل الخوارزميات، قد أضعف كثيرًا من أهمية المفكرين والعلماء وقادة الرأي الذين يهتمون أكثر بالحقائق والأدلة.
يوجد أيضًا التأثير الكبير والنفوذ الهائل الذي أصبح في يد المؤثرين للتأثير في المعايير الاجتماعية والقيم الاستهلاكية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تبني الرأي العام لقيم وسلوكيات سطحية وضارة.
بصفتي باحثًا في مجال الإعلام الجديد، أؤكد أن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم هو التضليل الرقمي الممنهج. الخوارزميات لا تهتم بالحقيقة، بل تهتم بالتفاعل. عندما تُحبس الجماهير داخل غرف الصدى، يصبح من السهل تمرير أي أجندة تحت غطاء الترند. الحل الوحيد هو تعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد لعدم الانسياق الأعمى خلف المؤثرين الرقميين.
كيف نميز بين النقاشات الرقمية العفوية والحملات الموجهة؟
وهنا يبرز التساؤل العملي الأهم: كيف نميز بين الحملات الموجهة والنقاشات العفوية؟
قد يكون من الصعب على كثير من الناس التمييز بين النقاشات الرقمية العفوية وبين الحملات الموجهة لتغيير الرأي العام؛ فقد يحتاج الأمر إلى بعض المهارات لرؤية العلامات الفنية والسلوكية، ومن أبرزها ما يلي:
- البصمة الزمنية: يجب أن تعرف أن النقاشات الرقمية العفوية تنمو بطريقة تدريجية وعشوائية، وتحتاج إلى ساعات وأيام، وليس إلى الانفجار المفاجئ لعدد المنشورات في وقت قصير.
- اللغة والقوالب: من الطبيعي أن يستخدم الناس كلمات مختلفة وطرائق متباينة للتعبير عن آرائهم، وهو ما يظهر على مستوى اللغة حتى على مستوى طرائق التعبير، إضافة إلى وجهات النظر التي لا تشبه بعضها، حتى ولو وُجد اتفاق في المبدأ العام.
- بيانات الحسابات: من العلامات الواضحة التي تفرق بين النقاشات الرقمية العفوية والموجهة طبيعةُ الحسابات المشاركة؛ إذ تعتمد الحملات الموجهة على حسابات حديثة أُنشئت خصيصًا لهذه الحملات، وغالبًا لا يستخدم معظمها صورًا شخصية حقيقية، ولا تنشر إلا مواضيع معينة.
- الظهور على المنصات: ما يوضح لك أن ذلك النقاش الرقمي هو حملة موجهة هو أنه يظهر بسرعة على كل منصات السوشيال ميديا بالصورة نفسها والرسائل نفسها والتعليقات نفسها؛ لأن الاهتمامات العفوية لا تصنع هذا الظهور المنظم في كل المنصات.
- المنطق التفاعلي: في الغالب، إذا بادرتَ إلى التعليق على المنشور أو المشاركة في النقاش الرقمي، فإن صاحب المنشور أو صاحب الرأي سيرد عليك بحجته أو دليله، أو في الأقل ينتقد رأيك المخالف له؛ أما الحملات الموجهة فإنها تكتفي بتكرار الرسالة الأصلية أو تنتقل إلى الهجوم على الشخص لإسكاته.
- جودة المحتوى المرئي: من العلامات الواضحة أيضًا في الحملات الموجهة أنها تستخدم صورًا ومقاطع فيديو ذات جودة عالية، ويمكن ملاحظة أنه قد أُنتجت باحترافية كبيرة، وهو ما يوضح أنها مجهزة مسبقًا وليست نتيجة ردود فعل الجمهور في النقاش الرقمي.

وفي نهاية مقالنا عن تأثير النقاشات الرقمية في تغيير الرأي العام، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، كما يسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.