صناعة الأذى (نحتاج إلى علم نفس النمو)

لكل مجتمع لغة، فالفن لغته الموسيقى والشعر والرسم والغناء، وهكذا.

والمجتمع لغته التخاطب بين أفراده، واللغة التي تتسم بطابع الأدب والأسلوب الراقي توصف بالإيجاب وتلقى القبول، واللغة التي عكسها وتتسم باللؤم والأسلوب القاسي تقابل بالرفض وتجد النفور، وللأسف فإن تلك اللغة تمثل حاضرنا وتمثل نواة وبؤرة لصناعة الأذى، ونجدها متوافرة في الواقع وفي الواقع الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث هناك اتجاه للتعرض للأعراض والإساءة للآخرين، وتبادل الشتائم وإساءة العرق والمعتقدات والدعوة للقومية التعصبية والإقبال على العنصرية كحل لمحاربة الهجرة واللاجئين وحتى المغتربين.

كل ذلك يمثل صناعة أذى، وذلك الذي يحدث يدل على التحضر(التمدن) لم يجعل المجتمعات حضارية بعد، وفي اعتقادي أن التمدن هو أحد أسباب مشكلة صناعة أو ثقافة الأذى؛ لأن الفرد في المدينة لا يفهم ذاته كما في دراسة نشرتها مجلة فورباس بأن 15٪ من الناس يفهمون حقًا أنفسهم وأغلبهم في المدن، كذلك أن الفرد يتعلم الأنانية وينسى الإيثار وحب الخير للغير وينسى المشاركة فالفرد في المدن يكون في عزلة أو شبهها فهو في أغلب الأحيان مشغول سواء بالدراسة أم العمل، وتلك العزلة تخلق في الفرد روح التنافس غير الودي في بيئة المدينة متسارعة وتنافسية، ولكي يحيا الفرد فيها لا بد أن يواكب فيسارع وينافس، ومع مرور الوقت تصبح المنافسة غير الشريفة ضرورة ليحيا، ويصبح الوقت غير كاف، ويكون الوقع غير مرضي، وكل ذلك يجعل الفرد غير راغب في المشاركة، ويجعله متضايقًا لأنه يتصرف وفقًا لشروط الحياة الدنيا، بدلًا من التصرف وفقًا لشروط ومبادئ الإنسانية، والتي هي الجبلة التي خلقنا الله بها.

إننا بحاجة لعلم نفس النمو لنعرف ماهيتنا وحقيقتنا، وبحاجة لعلم النفس السلوكي حتى تحول الأخلاق لتطبيقات بدلًا عن النظريات، فحتى اليوم نرمي الأخلاق سواء العامة أم الإسلامية جانبًا لأننا لا نحولها إلى تطبيق ومثال في أفعالنا.

دع طفلين يلعبان معًا أولا لن يرفضا بعضهما لأنهما لم يتعلما العنصرية بعد، وهذا يدل على أن مفهوم العنصرية يتولد فينا في مرحلة متقدمة من حياتنا، وهو نوع من أنواع الأنانية وليس أصلًا فينا، ثانيًا مع مرور مدة وهما معًا يتعلمان المشاركة، وهذا يدل على أن المعرفة فينا تراكمية؛ فهما يتعلمان المشاركة آنيًا، ويدل أيضًا على اجتماعية وحميمية جنس البشر، وكذلك يدل على أن الفرد يتعلم ما هو أقرب لفطرتنا والمشاركة أقرب لفطرة الإيثار، وعلى ما مر أقول بأننا نحتاج إلى التحضر نفسيًا؛ ففهم النفس هو التحضر، وأما المباني الجميلة والسيارات الفارهة وجمع الأموال ما هو إلا نمط من أنماط العيش وهو ليس تحضرًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.