تعج المقالات والروايات بمفردة الصمت، ويغلب استخدام المفردة للتلميح لخيار النضج أو الترفع، وبتتبُع المفردة في أم الكتاب، وجدت الصمت ووجدت السكوت، وكلاهما يشتركان في معنى ترك الكلام، لكن يختلفان في استخدام الله لهما حيث يستعمل الله مفردة السكوت بمعنى السكون وهدوء الغضب، كأنه ناطقا فسكت (ولما سكت عن موسى الغضب).
بينما يستعمل الله مفردة الصمت بمعنى عدم الحديث مطلقًا ولم ترد في القرآن إلا مرة واحدة حين قال تعالى: (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ)! إذن لم يستخدم الله الصمت كثيرًا، بل في مواضع محددة مختارة ومنتقاة! ولنقترب من هذه المفردة نجد أن الصمت يفسر على أنه حالة نفسية تأخذ الإنسان لأسباب عدة منها (الزهد – المرض النفسي – التفكير) فالصمت توليفة لغوية باطنية تعتري نفسية الإنسان، والجانب العلمي للصمت يميل لمعنى عميق هو عدم خروج الصوت وتكتّم القول في الدواخل.
في المقابل نجد أن كثرة الكلام اعتبرت عند البعض ثرثرة تذهب بلحاظ العقل، وتثير الكثير من الضجة الَّتي تستهلك الإنسان، وتهدر قواه، وتضيع من هيبته، وقد نُقل عن علي بن أبي طالب قوله: (بكثرة الصمت تكون الهيبة).
لم يكرر الله علينا الصمت، وكرر علينا مفردات كالحديث والكلام إلا أنه ضبطها بمعايير وميزان! ليكون الصمت عبرة والحديث عبرة!
إذن ما العبرة من الصمت؟ العبرة يا صديقي أن الصمت يقاس بوقعه لا بمدته، وأن معرفة متى يعتنق ويُكسر الصمت يحتاج إلى إتقان كإتقان الجوهرجي في انتقاء جواهره.
علمًا أن الصوم عن الكلام ليس بدواء ناجح في كل موقف وكل حدث، بل تنتقي مواضع الصمت، فالصمت العام لا يعول عليه، والإفراط في الصمت مضر بالحكمة، والسقوط في وحل الصمت عقم لحيوية الحياة، والسبيل القويم يبدأ وينتهي باختيار مواطن الصمت واختيار مواطن الكلام، باختيار صمت يعدل وتجنب حديث يظلم، باختيار حديث ينصر وتجنب صمت يهزم، باختيار حديث يرفع، تجنب صمت يخفض، باختيار صمت يغذي، وتجنب ثرثرة تستهلك!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.