صمتي يسكُن ذاتي

جعلت من صمتي جدرانًا وسياجًا أحجز خلفه أحزاني وآلامي وكبواتي الكثيرة، وأزهو وأتباهى بأفراحي ومسراتي القليلة...

ومهما تماديتُ في إظهار فرحي ومسراتي، ورسمت ابتساماتي، فلا بد آخر الأمر أن أعود إلى سيرتي الأولى وطبيعتي...

السَّعادة والطُّمأنينة ورضا النَّفس هي أرزاقٌ من مقسِّمِ الأرزاق، يهديها إلى النَّاس أكثر ممّا يهتدون إليها بأنفسهم، فإنَّ من عرف السَّعادة في الحياة صاحب حظٍّ كبيرٍ، ونعمةٍ غامرةٍ حُرِم منها كثيرون غيره، وهو بذلك أدرك كلَّ شيءٍ وإن كان ينقصه الكثير، وأمَّا من افتقد هذه النِّعمة فقد افتقد كلَّ شيءٍ وإن اكتملت أسباب الرَّفاه في حياته، وهذا سرُّ الحياة الذي لا يحتكم إلى قواعد واحدة ولا إلى شروط ثابتة يتحقَّق معها الهناء أو ينقطع دونها.

فالإنسان لو أنه لم يهتدِ إلى السعادة ويميل للفرح اختيارًا فسوف تجده ينحاز للحزن والبكاء في أحيانٍ كثيرة، وأيضًا إلى الصراخ في أحيانٍ أخرى، فتشعر أنها طبيعة بشرية محضة.

للسَّعادة مسالك عديدةٌ، فلا يشترك النَّاس جميعًا في كيفيَّة سعيهم إليها، ولا يتَّخذون طريقًا واحدةً لوصولها، فمن النَّاس من يرى هناءه في الأمور الماديَّة وفي رفاهيَّات الحياة الملموسة، فيسعى إلى امتلاك دارٍ فسيحةٍ وسيارةٍ حديثة ويبتاع الثِّياب والمجوهرات، ويجد في ذلك ما يسعده ويرضيه، ومن النَّاس من لا يعرف راحةً إلَّا بالعمل، فبقدر ما يتعب بدنه ترتاح روحه، وبقدر ما ينجز من أعمالٍ يشعر بقيمته وبوجوده، وغيره من يسعد بالعلم، فيتزوّد منه ما استطاع ويكدِّره انقطاع أسباب وصوله، فمتى اقتدر على تحصيله كان مسرورًا وإن أتعبه، ومتى امتنع عنه تكدَّر وعاش في حزن، وغم، وألم عظيم.

من النَّاس مَن ينشد الهناء الأوَّل والأخير في داره، ويرى في الزَّواج السَّعيد غايته الأولى فيجعل تكوين الأسرة هدفًا، والنَّاس يشتركون في أكثر هذه الأمور، ولا شكَّ أنَّ السَّعادة تكاملٌ يتحصَّل من اجتماع كلِّ تلك العناصر معًا، إلَّا أنَّ لكلِّ امرئٍ أسبابه الملحَّة ونظرته الخاصَّة وتطرُّفه إلى أمرٍ يلتمس فيه السُّرور أكثر من سواه، ومن النَّاس من لا يعنيه كلُّ ذلك ولا ينساق إليه طوعا ولا يجد سعادته الحاقه بهذا، فقد تختلف نظرة الإنسان إلى السَّعادة وفهمه لها من عمرٍ إلى آخر، ومن مرحلةٍ إلى أخرى، فما يسعدنا في السَّنوات الأولى من حياتنا يختلف عمَّا يسعدنا حين نبلغ العاشرة على سبيل المثال، وهو ما يختلف أيضًا عمَّا يسعدنا حين نصبح بالغين راشدين، ويستمرُّ هذا التَّغيير إلى أن يوارى واحدنا التُّراب، فالتَّجارب بدورها تغيِّر نظرتنا إلى الأمور، فمن طرأت له علَّةٌ أو أمسك به مرضٌ ثمَّ شفي منه ليرى السَّعادة كلّها في العافية، فقد عرف بالسّقم قيمة العافية، وأدرك بالألم نعمة الصِّحة فتنبَّه إلى ما غفل عنه غيره ممَّن لم يطرأ عليهم مرض، فإنَّ الحياة بجملتها لا تكتمل أسبابها لأحد، كما لا تنغلق جميعها عن أحد.

الفطنُ من عرف ما يسعده، والتمس ما حوله من نعم مهما صغرت فإنَّ غيره في عوزٍ إليها، وإنَّ من النَّاس من إذا حانت ساعته تمنَّى لو ازداد عمره ساعة، فطالما أنَّ النَّفَسَ لم ينقطع فإنَّ في الحياة ما يستحقُّ أن نشعر بالامتنان لأنَّنا موجودون، فإنَّ وجودنا معجزة الله الَّتي تستحقُّ أن نحتفي بها ونشكرها بالعمل والسَّعي، ونحاول طمث وإنهاء ملامح ومشاعر الحزن واليأس، وإبدالها بأحلى وأروع أحاسيس وهي الفرحة، والسعادة، والامتنان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال جميل وتحليلي صديقي الكريم .. شكرا لك ..

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب