صلاح عبد الصبور شاعر عاش بالكلمة... ومات بالكلمة


"ينْبئُني شتاءُ هذا العامْ

أنَّني أموتُ وَحدي

ذاتَ شتاءٍ مثلَهُ

ذاتَ شتاءْ

يُنْبئُني هذا المساءُ

أنَّني أموتُ وحدي

ذاتَ مساءِ مثلهُ

ذاتَ مساءْ

وأنَّ أعوامِي التي مضَت كانَت هباءْ

وأنَّني أقيمُ في العراءْ

ينبئُني شتاءُ هذا العامَ أنَّ داخلِي مرتجفٌ بردا

وأن قلبي ميتٌ منذُ الخريفْ

قد ذوَى حينَ ذوَتْ أوَّلُ أوراقِ الشجرْ

ثمَّ هوَى حينَ هوتْ أوَّلُ قطرةٍ منَ المطرْ

وأنَّ كلَّ ليلةٍ باردةٍ تزيدُه بُعدا في باطنِ الحَجرْ

وأنَّ دفءَ الصَّيفِ إنْ أتَى ليوقظَهْ

فلَن يمدَّ من خلالِ الثلجِ أذرعَهْ حاملةً وردا"

صلاح عبد الصبور....  شاعر عاش بالكلمة... ومات بالكلمة، جاء موته في 13 أغسطس 1981م موقفا دراميا تراجيدياً مكثفا، إذ قتلته كلمة صديق إثر تعرضه إلى نوبة قلبية حادة خلال مشاجرة كلامية ساخنة مع الفنان التشكيلي بهجت عثمان، في ضيافة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، العائد من باريس ليستقر في القاهرة. 

أعماله الشعرية:

1. الناس في بلادي 1957م 

2. أقول لكم 1961م

3. تأملات في زمن جريح 1970م

4. أحلام الفارس القديم 1964م

5. شجر الليل 1973م

6. الإبحار في الذاكرة 1977م

مسرحياته:

1. الأميرة تنتظر 1969م

2. مأساة الحلاج 1964م

3. بعد أن يموت الملك 1975م

4. مسافر ليل 1968م

5. ليلى والمجنون 1971 م

مؤلفاته الأدبية والفكرية:

1. على مشارف الخمسين

2. وتبقى الكلمة

3. حياتي في الشعر

4. أصوات العصر

5. ماذا يبقى منهم للتاريخ

6. رحلة الضمير المصري

7. حتى نقهر الموت

8. قراءة جديدة لشعرنا القديم

9. رحلة على الورق

صلاح عبد الصبور.... أحد أهم رواد حركة الشعر الحر العربي  وواحد من رموز الحداثة العربية المتأثرة بالفكر الغربي، وهو واحد من الشعراء العرب القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي، وفي التنظير للشعر الحر، حيث جمع ما بين حسه الشعري المرهف وعمق فكره التأملي، ورهافته المستمعة لنبض ذاته. 

عرفته الحياة الثقافية والفكرية يسلك طريقا جديدا للقصيدة العربية يحمل بصمته الخاصة متحديا الموروث التقليدي في بناء القصيدة فكانت قصيدته "شنق زهران" ثم ديوانه الشعري الأول "الناس في بلادي" مخلفا وراءه زلزالا يهز الحياة الأدبية ويلفت أنظار القراء والنقاد، حيث جمع بين صور مختلفة مستخدما المفردات اليومية الشائعة، ويمزج بين السخرية والمأساة، ويمتزج فيه الحس السياسي والفلسفي بالموقف الاجتماعي. 

وفي الوقت ذاته... استطاع توظيف نمطه الشعري الجديد في الانطلاق محلقا في مشروعه المسرحي بنبرة سياسية ناقدة، ويذهب النقاد أن المسرح الشعري العربي بمعناه الحقيقي ولد بالفعل على يد صلاح عبد الصبور بقدرته الفذة على إحكام الحكاية الشعرية ورسم الشخصية، ومتجاوزا كل من سبقوه  والتي سيطرت على تجاربهم المسرحية "الغنائية" و "الطنين اللفظي" ليبدع مسرحا محكم البنيان يعنى بالبناء الفني ورسم الشخصيات ولكن صياغته شعراً لا نثراً. 

تنوعت مصادر التأثير في إبداع صلاح عبدالصبور، حيث تنوعت قراءاته من شعر الصعاليك إلى شعر الحكمة، إلى إعلام الصوفية مثل الحلاج وبشر الحافي "وهما اللذان استخدمهما في كتاباته لإظهار أفكاره وتصوراته في بعض القصائد والمسرحيات". 

بدا متأثرا كذلك بالشعر الرمزي في أوروبا، وبخاصة عند بودلير وريلكه وبالشعر الفلسفي الإنجليزي عند جون دون، ييتس، كيتسو، أظهر النقاد ربطا بين رائعة ت. س. إليوت "جريمة قتل في الكاتدرائية" ومسرحية صلاح عبدالصبور "مأساة الحلاج"، كذلك ظهر تأثره بالكاتب الإيطالي ل بيرانديللو، في مسرحيتي "ليلي والمجنون" و "الأميرة تنتظر"، في استخدام فكرة "المسرح داخل المسرح".

كما اقترن بالشاعر الإسباني لوركا ومسرحيته "يرما"، والتي صاغ صلاح عبد الصبور الكثير منها شعرًا، كما ظهر تأثره بلوركا في مسرحيات "الأميرة تنتظر"، "بعد أن يموت الملك"، "ليلي والمجنون"، إلى جانب تأثره بأوجين يونسكو ومسرح العبث، وهو ما بدا في "مسافر ليل". 

خصائص شعر صلاح عبد الصبور

1. تضمين شعرِه مشاعرَ اليأس والحزن والألم. 

2. الابتعاد عن التَّكرار والصّنعة والنمط التقليديّ. 

3. الاستلهام من التراث الأدبي العربي. 

4. المبالغة في الاستفادة من الموروث الصوفي. 

5. استخدام العديد من الشخصيّات التاريخية في تصوير رموز القصيدة والتعبير عن بعض الأفكار. 

6. التأثّر بالشعر الإنجليزيّ الفلسفي خاصّةً عند ت.س.إليوت وجون دون. 

7. التأثّر بالشعر الرمزيّ الألماني والفرنسيّ خاصّةً عند ريلكه وبودلير. 

8. التأثّر بالشعر الاسباني خاصّةً عند لوركا وكافكا.

9. اتِّخاذ القصائد بُعدًا قصصيًا. 

10. التأثّر بالحركة الرومانسية وخصائص. 

قراءة سريعة لأهم أعماله:

1. ديوان "أقول لكم" 

يضم ثلاثة أبواب "الحب، الحياة، الفن" 

ففي باب "عن الحب" ظهر صلاح عبد الصبور مدافعا عن الأعراف في مواجهة ثورات الشباب وضد ما سماه التقليد الغربي يسرد من المواقف ما يُعزز نظرته التي تؤكد مسؤولية المرأة عن قسم كبير مما لحق بالمجتمع من أوبئة، بل يُصرح أن أغلب النساء العاملات "ما نزلن من بيوتهن إلا لاصطياد رجل، وأن الحب إن لم يكن في إطار اجتماعي مقبول فهو لهو".

وفي باب "عن الحياة" سجّل كل ما يقع تحت يده من قضايا اجتماعية، سواء في مصر أو خارجها، متحدثا عن الحرية من وجهة نظره، حرية الاعتقاد، حرية المواطنة، وبدا ناقمًا على التمييز العنصري، مدافعا عن حقوق السود في أمريكا، مهاجما فساد الإعلام في العالم أجمع. 

و"في الحب والفن" يلفت النظر إلى علاقة الفن بالمجتمع، مُنددًا باللجان الفنية التي تُبيح غناء كلمات مثل "يا جارحني، يا مسهرني"، رغم أنه كشاعر ينادي بحرية الكلمة، بل ووقف بالفعل في وجه قالب الشعر المحافظ لصالح قصيدة التفعيلة، كما كتب عن فساد الإدارات الثقافية الحكومية في الإذاعة وغيرها، وكان يُغرق بنقده كل كبيرة وصغيرة بلسان الصحفي الجاد المحافظ لا بلسان الشاعر الثائر.

2. مسرحية  "مأساة الحلاج" 

وهي باكورة أعماله المسرحية ومأساة الحلاج "أو المجاهد الروحي العظيم كما يصفه" هي مأساة الإنسان فى كل مكان؛ الحاكم والعالِم والظالم لا يحكمه شرع أو دين أومبدأ، والجاهل والمغلوب على أمره يحكمه الخوف.

ورغم التاريخية البادية في موضوع المسرحية فإن عبد الصبور تمكن ببراعة من أن يسقط التاريخ على الواقع، فناقش فيها قضايا العدالة الاجتماعية وحق الإنسان "الفرد والمجتمع" في حياة حرة كريمة.. وأزمة المثقف في مجتمع تحكمه القوة الباطشة لا الحرية المحكومة بالضمير الحي وروح المسؤولية وأداء الأمانة "وهو ما فعله الحلاج حينما قرر خلع الخرقة والالتحام بالناس فى الشارع لينشر الوعي بينهم ويعرفهم بحقوقهم، فاجتمع حوله الفقراء وأصحاب الحرف؛ ما أسخط عليه الولاة وأصحاب السلطان".

وكانت الجملة القصد في المسرحية: "هذا رجل يلغو في أمر الحكام" ، وهو الأساس الذي جعل عبد الصبور يرجح أن"الدولة" لم تقف ضده على نحو ما فعلت إلا عقابا له على هذا الفكر" التقدمي"، وقد نكص الشبلي عنه، وكذلك النخبة" من الجماعة الصوفية" العارفة بحقيقة موقفه الإيماني، فأسلموه للموت.

بدأ عبد الصبور المسرحية بالمشهد الأخير؛ مشهد صلب الحلاج، ليمضى مفسرا  باستخدام خاصية" الارتداد" ...  وكأنه أراد أن يعكس حالة الشغف والفضول في تبين رد الفعل على حادث الصلب التصادم. 

3. مسرحية "مسافر ليل"

فانتازيا رمزية تعالج مأساة الظلم والقهر والخوف والمهادنة.. حيث أن القطار رمز للحياة والراكب الذي جعله بلا ملامح رمز للمواطن البسيط المطحون فى دنياه، المستعبد والذي جعله الراوي بطل الحدث ومهرجه، إيماءً منه إلى القوة الكامنة فيه والغائبة عن وعيه وسخرية من حالة ضعفه في الوقت نفسه وعامل التذاكر الذي يرمز لصاحب السلطة ويغلب عليه الشعور بالحق في التسلط بموجب القوة، أما الراوي فهو رمز المثقف المقهور الذي لا يستطيع المواجهة ف يكتفي بدور المراقب الحكاء، يأكله الشعور بالضعف والخوف والحسرة نجده بعد أن طعن عامل التذاكر الراكب بالخنجر يقول "لا أملك أن أتكلم..... وأنا أنصحكم أن تلتزموا مثلي... بالصمت المحكم.....". 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب