بعد تجرع سقراط لكأس السم، لم يترك وراءه فلسفة مكتوبة، بل ترك تلاميذ متأثرين بجوانب مختلفة من حياته. هؤلاء هم من نطلق عليهم صغار السقراطيين الذين تفرقوا في البلاد وأسسوا مدارس متناقضة تمامًا.
فمن صغار السقراطيين وما أشهر آرائهم؟ وكيف خرجت من عباءة معلم واحد فلسفات تدعو إلى اللذة المطلقة وأخرى تدعو إلى الزهد التام؟ في هذا المقال، نغوص في أعماق المدارس الميغارية والكلبية والقورينائية لنعرف الإجابة.
صغار السقراطيين ورثة سقراط المختلفون
هم جماعة من أصحاب سقراط علَّموا الناس ما فهموه من آراء وفلسفة سقراط، وكتبوا ما وعوه في مصنفات، وسُمُّوا «صغار السقراطيين» بالمقارنة مع أفلاطون بكونه السقراطي الكبير؛ وذلك لأن باقي تلاميذ سقراط ضاعت كتبهم، أمَّا أفلاطون فقد وصلت إلينا مؤلفاته كاملة.
لماذا اختلف تلاميذ سقراط في آرائهم؟
السبب الجوهري هو أن سقراط كان شخصية متعددة الجوانب (زاهدًا، ومجادلًا بارعًا، ومحبًا للحياة والجمال في آن واحد). كل تلميذ من هؤلاء الصغار أخذ جانبًا واحدًا فقط من شخصية سقراط وبالغ فيه حتى النهاية، في حين جمع أفلاطون (الكبير) كل هذه الجوانب وطورها.
وكان أشهر هؤلاء ثلاثة، هم:
- إقليدس الميغاري مؤسس المدرسة الميغارية.
- أنتيستنيس -المذكور في بعض المصادر بـ(أنستناس)- مؤسس المدرسة الكلبية.
- أرستبوس مؤسس المدرسة القورينائية.
وظلَّت تلك المدارس الثلاث قائمة إلى منتصف القرن الثالث قبل أن تذوب في المدارس الكبرى اللاحقة، ولكن للأسف لم يصل من كتب تلك المدارس سوى شذرات قليلة.

إقليدس والمدرسة الميغارية
من مؤسس المدرسة الميغارية؟ أسَّس إقليدس الميغاري مدرسته في موطنه «ميغاري» باليونان، وكانت مدرسته مشهورة بالجدل، وكان ممن التحق بها أفلاطون مدة وجيزة بعد وفاة سقراط.
وقد تأسست تلك المدرسة على فلسفة سقراط وفلسفة بارمنيدس من المدرسة الإيلية؛ فالفضيلة هي المعرفة كما قال سقراط، ولكن: أيُّ علم؟
علاقة الميغاريين ببارمنيدس وفلسفته
هنا يظهر تبنِّي الميغاريين لرأي بارمنيدس في الوجود المطلق، وفي إنكار الأشياء التي تقع تحت الحس، وفي بطلان الحركة التي نتوهمها في الخارج؛ فليس ثمَّة إلا حقيقة واحدة لا تعرف الكثرة ولا الحركة، وهي الوجود نفسه.
ماذا قال إقليدس الميغاري عن الفضيلة والوجود؟
فإن كان سقراط يرى أن معرفة الفضيلة هي كل شيء، وكان بارمنيدس يرى أن معرفة الوجود هي كل شيء، إذن فالعلم بحقيقة الوجود والفضيلة شيء واحد عند الميغاريين، فالخير هو الواحد، وهو الوجود الثابت الذي لا يتغير.
وخلف إقليدس في رئاسة المدرسة أوبوليدس الملطي، وكان خصمًا عنيدًا لأرسطو، واستخدم برهان الخلف، ووضع حججًا من طراز حجج زينون مثل مغالطة الكذاب، ويبدو أنه قصد إلى معارضة المنطق الأرسطوطالي.
وجاء بعده إستبلون الميغاري الذي قدَّم نقدًا لنظرية المثل عند أفلاطون.
أنتيستنيس والمدرسة الكلبية
وُلد أنتيستنيس في أثينا، وتتلمذ لغورغياس، فنشأ على السفسطة، ثم عرف سقراط ولزمه. وبعد وفاة سقراط أخذ يعلِّم.
فلسفة أنتيستنيس (أنستناس) مؤسس المدرسة الكلبية.. ما سبب شهرة المدرسة الكلبية وتسميتها؟
وكان يجتمع مع تلاميذه في مكان يسمى «الكلب السريع» فسُمُّوا بالكلبيِّين، ويوجد رأي آخر يقول إن التسمية جاءت من نمط حياتهم الذي يشبه حياة الكلاب في التشرد وعدم الاكتراث بالعرف الاجتماعي، وكان ديوجين أشهر أعلامهم.
وكانوا في غاية الزهد؛ إذ كانوا يشترطون على من أحب الانضمام إليهم أن يعدل عن خيرات الدنيا، فيلبس لباس العوام ويرسل شعر الرأس واللحية. وأصبحوا في مبالغة ترك خيرات الدنيا كالشحَّاذين، فلا مأوى لهم سوى الأماكن الدينية والعامة، وكانوا يتطفَّلون على الموائد.
وقد أجاز الكلبيُّون الانتحار شريطة أن يكون ليقيم المنتحر دليلًا على أن الحياة ليست شيئًا يدعو للتشبث بها.
والفضيلة عندهم واحدة لا تتجزأ: فإما أن يكون الإنسان فاضلًا إلى النهاية أو لا يكون، كالخطِّ: إما أن يكون مستقيمًا أو غير مستقيم، ولا وسط بين الطرفين. فإن كان ذا فضيلة كان عالمًا كل العلم، حكيمًا كل الحكمة، سعيدًا كل السعادة، كاملًا أتم الكمال؛ لأن الفضيلة هي كل شيء وهي الاستغناء عن كل شيء خارجي.
أرستبوس والمدرسة القورينائية
نشأ أرستبوس في «قورينا»، ثم رحل إلى أثينا، وكان في أول حياته سوفسطائيًا، ثم اتصل بسقراط فكان واحدًا من تلاميذه النجباء. وبعد وفاة سقراط سافر إلى جهات مختلفة، وقضى مدة طويلة في بلاد «سرقوسة» في عهد ديونيسيوس الأول وابنه من بعده، ولقي أفلاطون هناك.
نظرية اللذة عند أرستبوس القورينائي.. ما رأي القورينائيين في اللذة؟
أما الأخلاق عند القورينائيين فمبنية على الشعور باللذة والألم مذهب المتعة، وهذا الشعور حركة: فإن كانت الحركة خفيفة كان الشعور لذيذًا، وإن كانت عنيفة كان مؤلمًا؛ فاللذة هي الخير الأعظم، وهي مقياس القيم جميعًا [والمقصود هنا اللذة الجسدية الحالية، وليست العقلية أو المؤجلة.
هل كانت المدرسة القورينائية إلحادية؟
وخلف أرستبوس ابنته، ثم ابنها أرستبوس الصغير. وكانت تلك المدرسة إلحادية أو لا أدريّة فيما يخص الآلهة؛ فكان واحد منهم يُدعى ثيودوروس الملحد يقول: «إن الآلهة في الأصل رجال ممتازون كرَّمهم الناس بعد مماتهم».
ما أسباب إغلاق المدرسة القورينائية؟
وكان هجسياس آخر رجل في تلك المدرسة، وكان يقول: إن اللذة التي تُعدُّ الخير الوحيد لا تأتي قوية ولا خالصة إلا نادرًا، وإن آلام الحياة أكثر من لذَّاتها، وإن السعادة أمر لا يمكن الوصول إليه.
وإن طلب اللذة لا فائدة منه؛ لأنها في النهاية تجلب الألم. وكان يرى أن الحكمة هي تجنُّب الألم، ولا سبيل لذلك إلا بإماتة الشهوات والامتناع عن اللذائذ. لكنه كان يعتقد أيضًا أن الطبيعة إذا قُهِرت على هذا النحو تصير خامدة لا روح فيها، وتصبح الحياة مثل الموت تمامًا.
ولهذا صار يقول: إن من أثقلته الحياة فدواؤه الموت.
ولذلك سموه «الناصح بالموت»، وقد استمع إليه كثير من الناس، وبعضهم صدَّق كلامه فانتحر. فخاف الملك بطليموس أن تنتشر عدوى الانتحار، فنفاه وأغلق المدرسة.

الفرق بين المدارس السقراطية الصغرى وأسباب زوالها
لتلخيص ما هي فلسفة صغار السقراطيين؟ إليك هذا الجدول المقارن:
| وجه المقارنة | الميغارية (إقليدس) | الكلبية (أنتيستنيس) | القورينائية (أرستبوس) |
| التركيز الأساسي | المنطق والجدل (وحدة الوجود) | الأخلاق والزهد (الفضيلة هي الاستغناء) | الحس واللذة (اللذة هي الخير) |
| الموقف من المجتمع | انشغال نظري | رفض وتهكم (حياة التشرد) | انخراط من أجل اللذة |
| التأثير اللاحق | مهدت للرواقية والشكية | مهدت للمدرسة الرواقية | مهدت للمدرسة الأبيقورية |

أسباب زوال المدارس السقراطية الصغرى
لم تستمر هذه المدارس طويلًا بشكلها المستقل لأسباب عدة:
-
التطرف: كل مدرسة بالغت في جانب واحد (لذة مفرطة أو زهد مفرط) مما جعلها غير عملية لعامة الناس.
-
الظهور الأقوى: ظهرت مدارس أكثر تنظيمًا وشمولية امتصت أفكارها؛ فذابت الكلبية في الرواقية، وذابت القورينائية في الأبيقورية.
-
هيمنة أفلاطون وأرسطو: قدم السقراطيون الكبار أنظمة فلسفية كاملة غطت على محاولات الصغار الجزئية.
وعلى الرغم من تسميتهم صغار السقراطيين، فإن تأثيرهم كان عظيمًا في تاريخ الفكر، لقد أثبتوا أن الفلسفة ليست نظريات فقط، بل هي أسلوب حياة، سواء اخترت حياة الكلب الزاهد أو حياة الباحث عن اللذة. دراسة الفرق بين المدرسة الميغارية والكلبية والقورينائية تكشف لنا ثراء التجربة السقراطية، وتعلمنا أن الحقيقة قد يكون لها أكثر من وجه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.