صعود المؤثرين العرب: كيف يشكلون سلوكك الاستهلاكي دون أن تشعر؟

أصبح المؤثرون العرب قوة ناعمة لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن تجاهل تأثيرها الكبير في تشكيل الوعي الاستهلاكي والاجتماعي للمجتمع العربي في الفترة الأخيرة، خاصة على مواقع مثل تيك توك وإنستغرام وسناب شات وفيسبوك. ويظهر ذلك في القرارات اليومية للجمهور، من شراء منتجات بسيطة إلى تبني نمط حياة عن طريق التسويق الخفي، وبناء الثقة والعلاقات، والمراجعات الحية، والاستهداف التخصصي.

وفي هذا المقال نشرح لك كيف يوجه المؤثرون العرب قراراتنا اليومية دون أن نشعر، وما هي الآليات النفسية التي تجعل المتابع العربي يثق في المؤثر، وكيف توجهت الشركات الكبرى في العالم العربي من الإعلان التقليدي إلى اقتصاد المؤثرين.

ما أبرز أسباب صعود المؤثرين في الوطن العربي؟

  • النمو الرقمي: يعد صعود المؤثرين أحد إرهاصات النمو الرقمي في أي مكان في العالم، وهو ما حدث في الوطن العربي بسبب زيادة نسبة استخدام الهواتف الذكية والإنترنت ووصولها إلى معدلات قياسية في السنوات الأخيرة.
  • تغيير البوصلة الإعلانية: توجه كثير من الشركات العالمية والإقليمية إلى اقتصاد صناع المحتوى بسبب تراجع الاهتمام بالإعلانات التقليدية وعدم وجود جدول الإنفاق في وسائل الإعلام القديمة.
  • البحث عن البديل العفوي: أحد أهم أسباب صعود المؤثرين في أي مكان هو المحتوى البسيط الذي يخاطب الناس دون تصنع أو تمثيل، وبعيدًا عن الدراما التقليدية المعقدة أو المصطنعة، وهو ما ظهر بكثافة في الفترة الأخيرة على يد المؤثرين العرب.
  • الفراغ والبطالة: مع ظروف الفراغ والبطالة التي يعاني منها نسبة كبيرة من السكان، قدمت صناعة المحتوى نافذة على عالم من التواصل ومصدرًا للدخل السريع والشهرة، وبالتالي انجذب إليها مئات الآلاف من الشباب العربي.
  • الهروب من الواقع الاقتصادي: تعد متابعة الناس لأنشطة المؤثرين والمحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا من الهروب من الواقع الاقتصادي لمشاهدة حياة الرفاهية والسفر والمطاعم والمساكن كنوع من الترفيه الافتراضي والهروب من الضغوط.
  • تطور أدوات الإنتاج: لا يمكننا أن نتجاهل التطور الكبير على مستوى التكنولوجيا بشكل عام، وعلى مستوى الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية بشكل خاص، والذي كان له تأثير كبير على إنتاج المحتوى الاحترافي وصعود المؤثرين.

كيف يوجه المؤثرون قرارات الجمهور اليومية؟

بالطبع يكون التوجيه والتأثير قائمًا على التراكم والتعزيز والتكرار من خلال استراتيجيات علمية ونفسية تندمج مع حياة الجمهور العادية وتتمثل في الآتي:

  • تأثير البلورة والتكرار: عندما يتم عرض المنتج يوميًا من خلال المحتوى ومقاطع الفيديو ومن خلال حديث المؤثر، فإن المستهلك يشعر بالألفة مع المنتج ويندفع لشرائه تلقائيًا عندما يراه في المتجر.
  • نقل العادات: عندما يشارك المؤثرون عاداتهم الصباحية والمسائية مع الجمهور، فإن المتابعين يتبنون العادات نفسها من مأكولات ومشروبات ومنتجات يتم استخدامها على مدار اليوم كنوع من التوحد والتقليد.
  • خلق الحاجة المزيفة: مع متابعة سلوك المؤثرين، سواء كان الأمر مقصودًا أم لا، فإن المتابع يقتنع بأن هناك تفاصيل معينة سببها في السعادة والإنتاجية والرضا عن الذات، وبالتالي تتولد لديه رغبة في استهلاكها أو تملكها مثل نوع قهوة معين أو أداة منزلية معينة.
  • الضغط الاجتماعي: في حالة المؤثرين، يكون الضغط الاجتماعي غير مباشر حيث يوحي المؤثر للمستهلكين بأن الجميع يشتري هذا المنتج، وبالتالي يشعر المتابع بضرورة شرائه وإلا سيصبح في حالة من العزلة أو التخلف عن الركب.
  • صناعة القدوة الافتراضية: غالبًا ما يربط المؤثرون المنتجات بالجمال والثراء والنجاح، وبالتالي يندفع المستهلك لشراء المنتج لكي يتقمص شخصية المؤثر على المستوى النفسي.
  • التوجيه العاطفي: أحد أساليب المؤثرين في التأثير على الناس هو استغلال اللحظات الإنسانية لبناء التعاطف لتمرير قرارات وأفكار اجتماعية أو تسويقية بكفاءة كبيرة.

كيف توجهت الشركات الكبرى في العالم العربي من الإعلام التقليدي إلى اقتصاد المؤثرين؟

مع تراجع الثقة في الشاشات الرسمية وانخفاض العائد من الاستثمار في الإعلام التقليدي، توجهت الشركات الكبرى في العالم العربي للاعتماد على صناع المحتوى عبر مراحل وآليات مدروسة كالتالي:

  • مقارنة الكفاءة المالية: وجدت الشركات أن التكلفة الدقيقة في التلفزيون، على سبيل المثال، باهظة مقابل البيع من خلال العمولة أو روابط الخصم الحصرية، وبالتالي دفع الأموال مقابل مبيعات فعلية وليس مشاهدات عابرة.
  • تطوير العلاقة شبه الشخصية: استغلت الشركات تلك العلاقة بين المؤثر والمستهلك لتمرير الرسائل التسويقية وتحويلها إلى نصائح حية وعفوية تؤثر على سلوك المستهلك وتدفعه للشراء.
  • الاستهداف الدقيق: غيرت الشركات استراتيجيتها من الانتشار الضخم والإعلان الذي يراه الجميع في التلفزيون إلى التركيز على قاعدة متابعين دقيقة تتناسب مع المنتج من خلال المؤثر المناسب.
  • التسويق عبر البيانات: من خلال المحتوى الذي يقدمه المؤثر، تستطيع الشركات أن تصل إلى أرقام دقيقة حول المتفاعلين والمنطقة الجغرافية والنوع الاجتماعي للمشترين، وهو ما لا يتوفر في الإعلانات التقليدية.
  • مواكبة الهجرة الرقمية: يعد تحول الشركات إلى اقتصاد المؤثرين جزءاً من التحول الاجتماعي، حيث طرأ استخدام الهواتف الذكية وتطبيقات الفيديوهات القصيرة لتنتقل المنافسة من التلفزيون والمجلات إلى المنصات والمؤثرين.

ما هو الأثر الثقافي والاقتصادي لارتباط المستهلك العربي بالمؤثرين؟

لا يتوقف الأمر عند عملية الشراء العابرة وإنما يصل التأثير إلى حد تشكيل الهوية الثقافية والبنية الاقتصادية للمجتمعات العربية بسبب الثقة الكبيرة من المستهلكين في المؤثرين وتوصياتهم، وهو ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

  • توحيد النمط السلوكي: يتجه الناس دون قصد إلى نمط حياة موحد في ديكورات المنازل وطريقة اللباس وحتى في الأطعمة والمشروبات.
  • ثقافة المظاهر والجاهزية: الارتباط بالمؤثرين يكرس لدى الناس صورة ذهنية تربط بين المكانة الاجتماعية والامتلاك المادي وبين السعادة، وهو ما يمكن أن يولد إحباطًا ومشاكل نفسية لدى الفئات محدودة الدخل.
  • إعادة تعريف القدوة: بهذه الطريقة ومع الوقت لن يكون هناك دور كبير للنخب التقليدية من المثقفين والعلماء والمفكرين والكتاب لصالح المؤثرين الرقميين الذين يحظون بالحب والثقة والمتابعة.
  • فخ الديون الشخصية: مع شيوع ثقافة الاستهلاك وتزايد معدلات الاقتراض والاستخدام المفرط، يقع كثير من الناس في فخ الديون الشخصية غير الضرورية.
  • تغير الهيكل الوظيفي للشباب: مع تلك الأرباح الكبيرة التي يحصدها المؤثرون، فإن صناعة المحتوى تتحول من مجرد هواية إلى خيار مهني لدى كثير من الشباب العربي، بعيدًا عن الوظائف التقليدية ورغبة في العوائد المالية السريعة.

كيف يفصل المتابع العربي بين المحتوى العفوي والإعلان الموجه؟

مع هذا الزحام من أدوات التكنولوجيا والتطور الكبير في التواصل، يجب أن يتطور الوعي النقدي الرقمي لدى المتابع العربي لرصد المؤشرات السلوكية والتقنية الواضحة في المحتوى من خلال النقاط التالية:

  • تتبع روابط البيع والأكواد: في حالة وجود أكواد أو روابط بيع داخل المحتوى، والتي غالبًا ما تحمل اسم المؤثر، فالأمر يبدو واضحًا بأنه محتوى تسويقي مدفوع الأجر.
  • رصد النبرة الحماسية: في المحتوى المدفوع غالبًا ما تكون نبرة الحماس لدى المؤثر عالية ومفرطة وغير مبررة، حيث المديح المبالغ فيه وإبراز المزايا دون كشف العيوب.
  • وضوح العلامة التجارية: يحاول المؤثر دائمًا إبراز العلامة التجارية وشعار المنتج في المحتوى الموجه والمدفوع، وكذلك تكرار اسم الماركة لعدة مرات، وهو ما يؤكد وجود اتفاق مع الشركة.
  • توقيت النشر والتزامن الإعلاني: غالبًا ما تستخدم الشركات عدة مؤثرين في حملتها الإعلانية، وبالتالي ستجد عدة مؤثرين يتحدثون عن نفس المنتج أو الخدمة في نفس الأسبوع أو اليوم.
  • تغيير نمط الحياة المعتاد: أحيانًا ما يقوم المؤثر بتغيير نمط حياته وتفاصيله اليومية في المحتوى، مما يكشف عدم مصداقيته عندما يوصي بمنتج معين لا يتناسب مع ما يقدمه، وهو ما يوضح أنه إعلان موجه.

في الختام، لا يمكننا إنكار أن المؤثرين العرب أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من نسيج حياتنا اليومية واختياراتنا الاستهلاكية. وبينما يحمل هذا التحول فرصًا إبداعية واقتصادية لكثير من الشباب، فإنه يضعنا أمام تحدي الحفاظ على وعينا النقدي.

أخبرنا في التعليقات: هل شعرت يومًا أنك وقعت تحت تأثير الحاجة المزيفة لمنتج معين بسبب إعلان لمؤثر؟ وكيف تقيم تجربتك مع المحتوى الموجه؟ شاركنا رأيك، ولا تنسَ مشاركة هذا المقال لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.