الصعلكة والهمبتة: حياة التمرد بين بوادي الجزيرة والسودان

الخروج عن الجماعة ومألوفها ظاهرة معروفة في المجتمعات كافة، لكن مجتمع الجزيرة العربية تميز بظاهرة الصعاليك المتمردين على نمط حياة قبائلهم، وكانوا ينشدون بعض العدل الاجتماعي المفتقد بأخذهم من الغني لمساعدة الفقير، وكان منهم الموهوبون في صياغة الشعر الجيد الذي خلدهم في التاريخ. والهمبتة ظاهرة سودانية تشبه الصعلكة في تمردها وخصائصها وحبها للشعر.

التمرد على الجماعة: نشأة ظاهرة الهمبتة

الهمباتة هم جماعة من البدو كانت تمارس السلب والنهب في بوادي السودان، وعلى وجه الخصوص في باديتي كردفان بأواسط غرب السودان، والبطانة التي تمتد من أواسط السودان حتى نهر العطبرة شمالًا، وشرقًا حتى الأصقاع المتاخمة لحدود السودان مع إثيوبيا.

وكردفان والبطانة منطقتان مرعتان واسعتان، تقطنهما قبائل عربية مختلفة، تتخذ من الرعي وتربية الماشية أسلوبًا لحياتها، ولا تقيم وزنًا كبيرًا للزراعة؛ فإنها تحصل على ما تحتاج إليه من حاصلات زراعية عن طريق الشراء.

وإذا ما أجبرت الظروف بعضهم على امتهان الزراعة، فإنهم سرعان ما يملُّونها ويتركونها غير آسفين؛ ذلك أنهم يرون أن العمل في الحرث والبذر أمر غير مجدٍ، في حين أنَّ الماشية ترعى الكلأ في السهول المنبسطة، وتعطي عائدها من أوبار وألبان ودهون، فضلًا عن نموها وتكاثرها. وبالجملة، فإن الماشية هي أساس الثروة البدوية، ولهذا يستهجنون الزراعة وامتهانها. وفي هذا المعنى قال أحد شعراء الهمباتة:

عِـدْنَا الثَّـورَه صِـدِيـرِ القُـوز فَـصَـاد القَـاعَـة

البُـكْـرَه العَلَـيْـهَـا الطَّـقَّـة والـطَّـبَّـاعَـة

بَـسْ عِـيـشْـتَـنَـا فِـيهَا وسِـيـبَـك مِـن هُـمُـوم ورُزَّاعَـة

أي إننا تشاورنا بجوار القاعة (مكان بعينه)، وقررنا على «البكار» الإبل الموسومة «بالطَّقَّة والطَّبَّاعَـة» (أوسام قبائل معروفة)، فهي أسلوب معيشتنا، فما لنا والزراعة وهمومها؟

أصل تسمية «الهمبتة» وتعدد مسمياتها في أقاليم السودان

كلمة «همباتة» يعرِّفها «قاموس اللهجة العامية في السودان» لمؤلفه د. عون الشريف قاسم بقوله: «الهمبتة طريقة في الحياة تقوم على سلب أموال الأغنياء، كما كان يفعل صعاليك العرب. ومفردها همباتي، والجماعة همباتة، وهي تطلق على من يتخذ هذه الحرفة، وخاصة سرقة الجمال. وتوجد قبائل في وسط السودان وفي غربه مشهورة في وصف الهمبتة. ولعل اللفظة من نهب قُلبت من نهباته إلى همباته، أو لعلها من كلمة الهنبتة العربية الفصحى، وهي الأمر الشديد والداهية».

قاموس اللهجة العامية في السودان

وإلى جانب كلمة همبتة وهمباتي، فثمَّة مسميات أخرى للجماعة نفسها تختلف من إقليم إلى آخر؛ فأصل كلمة همباتة مثلًا من غرب السودان، وفي البطانة، علاوة على استعمالهم للفظة همباتي، فإنهم يستعملون أيضًا كلمة «المهاجرة». وفي القاموس نفسه المشار إليه آنفًا يجيء تعريفها: المهاجرة أو المهاجراوي، والمهاجراوي هو الذي يهاجر طلبًا للسلب والنهب.

كذلك يطلقون عليهم لفظة «السُّرَّاجَة»، وهم لصوص الإبل؛ لأنهم يركبون السرج دائمًا، ويقولون عنهم «السروجية»، واللفظ مشتق من السرج، وهو الرحل. قالت المغنية الحمرية (من قبائل حمر):

نِـبَـارِي الـسُّـرَّاجَـة

كَـانْ مُـتَّ مِـش حَـاجَـة

وأخيرًا يطلقون عليهم لفظة «النهَّاض»، ومصدرها «النهيض»، أي القيام لسفر أو لغارة.

وجملة القول إن ثَمَّةَ أسماء شتى لجماعة واحدة ولفعل واحد هو سلب الإبل ونهبها؛ فتارة يطلقون عليهم الهمباتة، وتارة المهاجرة، وأخرى السراجة أو النهَّاض. على أن أشهر تلك الألفاظ دون شك هو لفظ الهمباتة، ولعل لأجهزة الإعلام الضلع الأكبر في ذلك؛ لأنها درجت على استعمال هذا اللفظ دون غيره.

بين الصعلوك والهمباتي

إن تاريخنا العربي يغص ويمتلئ بحكايات الصعاليك والشطَّار والزعران والدعار، على أن حديثنا هنا سوف يكون مقصورًا بوجه خاص على طائفة الصعاليك التي ظهرت في المجتمع العربي الجاهلي؛ لما نراه من أواصر ووشائج تجمع بينهم وبين جماعة الهمباتة، وذلك لتشابه الظروف الموضوعية والبواعث التي أدت إلى نشوء تلك الجماعات، سواء كانت تلك الظروف والبواعث قبلية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها.

وصحيح أن الدوافع قد تكون مختلفة ومتباينة في كثير من الحالات بين جماعة وأخرى، غير أنَّه في النهاية تبقى ثمة آصرة قوية تربط بين الجماعتين، وهي أنهما تتخذان من السلب والنهب دون غيره وسيلة لحياتهما.

والصعلكة في مفهومها اللغوي، كما يرى د. يوسف خليف، هي «الفقر الذي يجرد الإنسان من ماله، ويظهره ضامرًا هزيلًا بين الأغنياء المترفين الذين أتخمهم المال وسمنهم». كما يرى أيضًا أن الصعاليك هم «أولئك المغيرون، أبناء الليل الذين يسهرون لياليهم في النهب والسلب والإغارة، في حين ينعم الخليون المترفون المسالمون بالنوم والهدوء».

ونخلص إلى أن الجماعتين تعتمدان على السلب والنهب والإغارة على الآخرين وسلب أموالهم، وتلك وسيلتهما الوحيدة لكسب العيش.

التطابق المناخي والجغرافي بين الجزيرة العربية والسودان

إن البيئة البدوية في الجزيرة العربية عُرفت بتقلب مناخها وبالتناقض الضدي الذي يكتنفها من حرٍّ وقرٍّ، وجفافٍ وخضرة. فبادية شبه الجزيرة العربية شديدة الحرارة، شديدة البرودة، شديدة الجفاف، كثيرة الخضرة؛ والماء فيها كثير جدًا وقليل جدًا، كما أن عيشها رغد جدًا وشظف جدًا. وهذه صفات بوادي السودان المختلفة، سواء كانت في سهل البطانة أو بادية كردفان.

البيئة البدوية

ولهذا وجد العرب النازحون إلى الديار السودانية هذا التطابق في البيئتين، فطاب لهم المكان. وعليه يبدو أن ثمة تطابقًا في الظروف المناخية بين بادية السودان، حيث نشوء الهمبتة، وبين بادية شبه الجزيرة العربية، مكان نشوء ظاهرة الصعلكة والصعاليك؛ أي إنَّ مسرح الأحداث في الحالتين هو البادية بظروفها الرعوية، وبعدها عن الحضر، ووعورة دروبها ومسالكها، وترامي أطرافها وسهولها الشاسعة، ولِمَا توفِّره من فرص الابتعاد والتوغل والتنائي عن موقع الحدث ومكان الخطر، حتى يتم تأمين المسلوب والمنهوب بعيدًا عن طلبة الفزع الساعين وراءه.

نظرة القبيلة: بين التبرؤ والإعجاب

ينقسم المجتمع العربي الجاهلي إلى وحدات قبلية مختلفة، وقد وفد العرب إلى السودان وهم يحتفظون بنفس تلك الوحدة القبلية العشائرية التي تربط بين الفرد وبين القبيلة. ولكي يظل ذلك الشخص يتمتع بدفء العشيرة وينعم ببسط حمايتها عليه، فإنه ينبغي كذلك ألا يخرج عن أعرافها وتقاليدها.

وبما أن الهمبتة، كما جاء في تعريفها، هي «طريقة في الحياة تقوم على السلب والنهب»، فما موقف القبيلة من تلك العملية، وما نظرتها إلى الهمباتي؟

الواقع أن الهمبتة عُدَّت في المجتمع البدوي السوداني ضربًا من ضروب الشجاعة والفروسية، وقوة الشكيمة والجسارة، وأن من لا يمارس الهمبتة لا يُعد فارسًا. وفي بعض المجتمعات القبلية في البادية كانت الهمبتة هي السلوك الذي يبرهن به الفرد على بلوغه قدر الرجال.

ولهذا تنظر القبيلة العربية في السودان إلى الهمباتي نظرة إعجاب وتقدير، وترى فيه بطلها المغوار وفارسها الذي لا يُشق له غبار.

وهذا على نقيض نظرة القبيلة العربية في العصر الجاهلي إلى الصعلوك، الذي هو في الأصل ليس في حالة تصالح مع الهيئة الاجتماعية والسياسية، بل من المتمردين عليها والخارجين على أعرافها؛ ولهذا خلعتهم قبائلهم وتخلت عنهم.

وبما أن الصعلكة هي الفقر وضيق ذات اليد، فقد ظل الدافع المادي والاقتصادي أحد الدوافع المحركة للسلب والنهب، سواء كان بالنسبة إلى الصعاليك أو الهمباتة. كما أن ثَمَّةَ عوامل أخرى، منها البطولة وحب المغامرة، والخروج على رتابة الحياة الرعوية الساكنة، والسعي لإرضاء المرأة والفوز بودِّها، وذلك بالإتيان بالمال وبالأعمال الخارقة.

إن باعث الفقر كان عند صعاليك الجاهلية أشد أثرًا وأقوى حضورًا، لكنه في حالة الهمباتة ليس بتلك الحدة أو القوة؛ بل إن أحد أشهر الهمباتة وأشعرهم، وهو الطيب ود ضحوية من الجعليين، كان من أسرة ثرية عريقة، وكان والده يتميز بالثراء الفاحش. وعندما انخرط ود ضحوية مع جماعة الهمباتة، انزعج والده لما في حياة الهمبتة من مخاطر.

القواعد المرعية وأخلاقيات السلب

للهمباتة قواعدهم المرعية وأعرافهم وتكافلهم الاجتماعي، سواء كان فيما بينهم أو بينهم وبين المجتمع الذي يعيشون فيه. فهم يتميزون بالكرم والأريحية والمروءة، ولكل تلك الصفات يُصرف عائد كسبهم وسلبهم في مناحٍ شتى؛ فيعطون الضعيف والبائس واليتيم، كما يرعون أسرة زميلهم المقبوض عليه أو المسجون. كما أنهم يصرفون المال ويبعثرونه في شرب الخمر ومع النساء، ويرون أنه من العيب أن يكنزوا المال ويدخروه وهناك من هو بحاجة إليه.

وهذا شاعرهم يقول:

مَـانِي التَّـنْبَـل القَـاعِـد يَقُـول سَـوَّيْت

ويِـشْـهَـد خَـالِـقِـي كَـانْ يُـوم الـسُّـؤال قَـرَّيْت

إن بَـرَّدَّن نُـقُـود مَـانِي الـبُـخُـل ضَـرَّيْت

وإن حَـرَن بِـكَـار مَـاهِـن صَـفَـايِـح زِيـت

أي إنني لست بذلك المتفاخر الذي يقول صنعت وفعلت وأعطيت، كما أنني — ويشهد خالقي بذلك — لست بالجبان الذي يُقِرُّ ويعترف عند القبض عليه وسؤاله. حتى إذا استخلصت ما نهبت (بردن)، لست كالبخيل الذي يكنز (ضريت)، بل معطاءٌ متلاف؛ حتى وإن قُبض عليَّ وسُجنت (حرن)، فما يهمني؛ فلست بسارق يسرق صفائح زيت، وإنما أنا قاطع طريق وناهب إبل.

ومن ناحية العطاء هذه يلتقي الهمباتي والصعلوك؛ فثَمَّةَ فريق من الصعاليك كان يسعى إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية المفقودة من منظور رؤيته لها، إذ يرى التفاوت الطبقي المريع: فهناك من يملك كل شيء، ومن لا يملك أي شيء. كما أن للصعلوك فهمه الذي يرى من خلاله أن صاحب المال هو في الأصل ليس بصاحبه إلا مجازًا، إذ إنه ليس إلا وكيلًا على ذلك المال؛ فالمال مال الله، وعلى الوكيل أن يتصرف في ذلك المال بالإنفاق العادل، لا أن يكنزه.

وقد قال أحد شعراء الصعاليك:

وإني لأستحيي من الله أن أرى

أُجَـرْجِـرُ حَـبْـلًا لـيـس فـيـه بـعـيـرُ

وأن أسـأل الـخـبَّ الـلـئـيـم بـعـيـرَهُ

وبـعـرانُ ربـي فـي الـبـلاد كـثـيـرُ

ومن ثم فقد كان الصعاليك ينفقون على الفقراء في إغداق، وليس بخافٍ في هذا المقام ما ورد عن زعيمهم عروة بن الورد وجمعه للفقراء والقعداء والمعدمين وقيامه على حاجتهم.

ومن القواعد المرعية لدى الهمباتة أنهم لا يسطون إلا على الإبل، ولا يلتفتون إلى سواها من أنواع الماشية أو المال. كما أنهم لا يسلبون «الزاملة» أو «الهاملة»، أي الجمل الوحيد لدى صاحبه، أو الجمال السارحة بعيدًا عن صاحبها (هاملة).

قواعد الهمباتة

ولاِقتصارهم على نهب الإبل وحدها أسبابه الموضوعية؛ لأنَّ الإبل هي الأغلى ثمنًا، والأشد قوةً وتحملًا، والأقدر على قطع المسافات الطويلة دون كلل، وهي الوسيلة الوحيدة للابتعاد بالمسلوب والمنهوب عن «الفزع» في طلبهفيما لا يجعل صعاليك الجاهلية نهبهم مقصورًا على الإبل، بل كانوا يسلبون كل ما تصل إليه أيديهم من مال، وينهبون كل من تقوده ظروفه إلى مواقع ترصدهم.

لماذا يرفض الصعاليك والهمباتة سرقة الليل؟

مما ورد عن الصعاليك أنهم يسلبون وينهبون عنوةً واقتدارًا، ويفخرون بقوتهم وشجاعتهم. وقد سُئل قديمًا أحدهم: أتسرق بالنهار؟ فرد بقوله: «معاذ الله أن أسرق بليل، ولكني أجاهر بالنهار». ولعله يرى أن سرقة الليل لصوصية وجبن؛ فهو إذن ينهب في وضح النهار، وعلى رؤوس الأشهاد، معتمدًا على قوة زنده وشجاعة قلبه.

وكذلك الهمباتي، الذي قلنا عنه إنه لا ينهب إلا الإبل التي يحرص عليها أصحابها، ويضربون عليها سياجًا قويًا، ويبنون لها حظائر من أغصان الشوك التي يصعب اختراقها إلا بمشقة. والحظائر عادةً محروسة بأصحابها وأعوانهم.

والحظيرة، أو «الزريبة» كما يطلقون عليها، تُبنى بصورة دائرية، ويكون لها مدخل واحد يُسدُّ بشجرة كبيرة تسمى «الكبيرة».

قال الطيب ود ضحوية:

وازْمَنْ هَـجْـرِي يـا أم شُـلَّاخْ بَلُـوك في العَـبْـره

لَمَّـا انْـظُـر الـسَّـادِرَات غَـرَّب لـي جَـبْـره

ولا الـسَّـيـدَهَـا في الـدِّيـنَـدر مـقـوَّى الكُـبْـره

خصائص الشعر عند الصعاليك والهمباتة

لعل مما يُلاحظ بالنسبة إلى الصعاليك أو الهمباتة أنهم إما أن يكونوا شعراء، وإما أن يكونوا من الحفَظة الرواة لأشعار غيرهم. فكأن الشعر كان جزءًا أصيلًا من تكوينهم، لا يقل حضورًا عن السيف أو الرحلة أو المغامرة.

ومن خصائص شعر الصعاليك أنه جاء ترجمانًا لحياتهم، وما أحاط بتلك الحياة من قلق وعدم استقرار. فجاء نفثةً لما في صدورهم من معاناة وضيق من حياة العوز والمسغبة، كما جاء معبرًا عن التمرد والخروج على الأعراف. ومن خواصه كذلك أنه جاء قصيرًا مبتورًا، خاليًا من التطويل والمقدمات الطللية والتشبيب وسائر صنوف الاستهلال التي كانت سائدة في الشعر الجاهلي.

وقد علل بعض الدارسين ذلك بطبيعة الحياة التي يعيشها الصعاليك؛ تلك الحياة التي تنحو نحو السرعة والاختلاس، وتفتقر إلى التأني والانتظار. ومن الطبيعي أن تنميقَ الشعر وتزويقَه بحاجة إلى وقت، وبحاجة إلى نظر وتمهل، وهو ما لا تتيحه حياة المطاردة والترحال. ويمكن القول أيضًا إنهم كتبوا بتلك الطريقة بوعي وتصميم، إمعانًا في الخروج والتمرد على كل ما هو سائد، وبالمستوى نفسه الذي خرجوا به على القبيلة ونظامها.

وكل ما ذكرناه لا يتعارض مع قول د. يوسف خليف، الذي يرى فيهم أنهم «رواة القصة الشعرية في الأدب العربي»، إذ إن قصائدهم كثيرًا ما حملت سردًا حيًا لتجاربهم ومغامراتهم، فجاءت أشبه بصفحات من سيرة ذاتية مشحونة بالفعل والحركة.

أما شعر الهمباتة، فيُلاحظ خلوه من النمط السائد آنذاك في بوادي السودان، مثل «المسادير» الطويلة. والمسدار هو القصيدة المطولة التي يصف فيها الشاعر رحلته في الزمان والمكان إلى ديار المحبوبة، ويجنح فيها إلى الإطالة، ووصف كل معاناته وما يلاقيه في سبيل الوصول إليها، كما في قصائد الشاعر البدوي الفحل الحاردلو.

لقد اقتصر شعر الهمباتة غالبًا على الدوبيت والرباعيات، وهي صيغ أقصر وأكثف، ومع ذلك عبَّر عن حياتهم تعبيرًا صادقًا أمينًا. كانوا يتحدثون فيه بجرأة عن نجاحاتهم وإخفاقاتهم، عن سطواتهم وهزائمهم، عن كرمهم وسجنهم، دون مداراة أو خوف. فالشعر عندهم لم يكن ترفًا فنيًا، بل كان شهادة على أسلوب حياة، وتثبيتًا لذكرٍ يخشون أن يضيع في صمت البادية.

أثر الصعلكة والهمبتة في الذاكرة الجمعية المعاصرة

وإجمالًا، ذلك ما عنَّ لنا الوقوف عنده من ملامح الشبه والاختلاف بين الصعلكة والهمبتة. فكلاهما ظاهرة نشأت في بيئة بدوية قاسية، واتخذت من السلب والنهب وسيلةً للعيش، لكنها في الوقت ذاته صاغت لنفسها منظومة قيم خاصة، ورؤيةً للعدالة والكرم والشجاعة، انعكست بوضوح في شعرها وسيرتها.

وغنيٌّ عن القول إن المجموعتين لم يعد لهما وجود في حياتنا المعاصرة بصورتهما القديمة، وإن كانت سيرتاهما ستظل باقيةً بما خلَّفتاه في الذاكرة الجمعية من أثرٍ وقيمٍ وأدبٍ جديرٍ بالدراسة والبحث، لا بوصفهما مجرد حكايات عن اللصوصية والتمرد، بل باعتبارهما ظاهرتين اجتماعيتين تكشفان عن علاقة معقدة بين الفقر والقبيلة والعدالة والبطولة في المجتمعات التقليدية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.