مع الصعود المتزايد لما يسمى خبراء التغذية الذين يقدمون نصائح غذائية وحميات متنوعة للمتابعين على مواقع السوشيال ميديا، بدأت حالة من الجدل والصراع بينهم وبين الأطباء التقليديين، وهو صراع يجمع ما بين الاختلاف العلمي في المنهجية والتسويق الشرس، ويمكن وصفه بأنه صراع على السلطة المعرفية وجذب الجمهور.
في هذا المقال نشرح لك أسباب ظاهرة خبراء التغذية على السوشيال ميديا، ولماذا يكره بلوجرز التغذية الأطباء التقليديين؟ ونوضح الفرق الجوهري بين خبير التغذية المعتمد وبلوجر التغذية، ولماذا يصدق الناس الخرافات أسرع من الحقائق الطبية؟
يعتمد كثير من بلوجرز التغذية على الوعود السريعة والتجارب الشخصية والتسويق البصري، بينما يستند اختصاصيو التغذية والأطباء إلى الأدلة العلمية والتحاليل والتقييم الطبي الفردي.
ما أسباب صعود خبراء التغذية على مواقع التواصل مؤخرًا؟
قد يكون للأمر أبعاد نفسية دفعت الناس للانتباه والاهتمام بخبراء التغذية على مواقع التواصل، بالإضافة إلى الذكاء التسويقي والتطور التكنولوجي الذي يُستخدم ببراعة. ومن أبرز هذه الأسباب ما يلي:
- الارتباط العاطفي: لا يقدم خبير التغذية النصائح مباشرة، وإنما يقدمها من خلال نمط حياة، ويشارك ما يفعله في حياته وفي مطبخه، ويتحدث إلى الناس بطريقة عاطفية تخلق رابطًا من الثقة يسمح له بتقديم النصائح بعيدًا عن الإطار الرسمي الجاف.
- تبسيط العلوم: أكثر ما يجذب المستخدمين هو اللغة التي يتحدث بها المؤثرون، الذين يستطيعون تحويل العلوم والمعلومات المعقدة إلى ترفيه وفيديوهات قصيرة ومنشورات جذابة بصريًا، وهو ما لا يفعله الأطباء التقليديون.
- الفردية مقابل التعميم: رغم أن التعميم يُعد من الأمور الخطيرة في الطب، فإن المؤثرين يعتمدون عليه في بيع أفكارهم، فهم يتحدثون عن (النظام السحري) أو (الحمية المدهشة) ويقدمون إجابات قاطعة وحلولًا سريعة، وهو ما يبحث عنه كثير من الناس.
- الفراغ المعرفي: من ناحية أخرى، فإن الأطباء التقليديين أصحاب العلم الحقيقي لا يظهرون بكثافة على المنصات الرقمية، ومعظمهم لا يمتلك المهارة لإنتاج محتوى تفاعلي كما يفعل المؤثرون؛ وهو ما يؤدي إلى فراغ معرفي لدى المستخدمين.
- التطور التكنولوجي: استطاع كثير من خبراء التغذية الجدد على مواقع التواصل استخدام التطور التكنولوجي الكبير، خاصة الذكاء الاصطناعي، في إقناع المتابعين بأنهم يحدِّثون معلوماتهم أولًا بأول، وأنهم وصلوا إلى ما لم يصل إليه الطب التقليدي الذي ما زال يعتمد على الكشف والتشخيص.

ما سبب الصراع بين خبراء التغذية والأطباء التقليديين؟
ربما يكون الصراع بين خبراء التغذية والمؤثرين من ناحية والأطباء التقليديين من ناحية أخرى صراعًا معقدًا له أكثر من جانب، وهو ما يمكن تبسيطه كالتالي:
- الصراع على السلطة المعرفية: بالطبع لا بد أن يوجد صراع على السلطة المعرفية، فالأطباء يستندون إلى الأدلة، والمؤثرون يعتمدون على الدليل التجريبي، وهو ما يُعد في لغة الطب تضليلًا علميًا وقد يضر بكثير من الناس.
- التناقض في لغة الخطاب: الصورة النمطية للطبيب التقليدي تلتزم بالمنطق وتحري المعلومة وإجراء الفحوصات، أما صورة المؤثر أو خبير التغذية فتعتمد على الحلول السحرية والأمل السريع، وهو ما يجعل كلًا منهما متناقضًا مع الآخر.
- الصراع المادي: لا يمكن إغفال أحد أهم جوانب الصراع وهو الحصة السوقية، فكثير من خبراء التغذية والمؤثرين يبيعون الكورسات والمنتجات والمكملات الغذائية، في حين يرى الأطباء أن هذا الأمر استغلال تجاري، ويرى المؤثرون وخبراء التغذية أن الأطباء يعملون لصالح شركات الأدوية.
- ثقافة التريند مقابل الاستمرارية: جانب آخر يتعلق بالمؤثرين، فهم يلاحقون ترندات التغذية والحميات الجديدة حرصًا على المشاهدة والتفاعل، أما الأطباء فيهاجمون هذه الموجات لأنهم من يستقبلون المرضى وضحايا الأوهام في عياداتهم.
ما الفرق بين خبير التغذية المعتمد وبلوجر التغذية؟
الفرق الأكبر في المؤهلات العلمية والتراخيص القانونية ونطاق المسؤولية، وهي الأمور التي يجب أن تتوفر في خبير التغذية، أما البلوجر فيعتمد على التجارب الشخصية والجاذبية البصرية، وهو ما يمكن توضيحه في المقارنة التالية:
المؤهلات والاعتماد
- غالبًا ما يكون خبير التغذية المعتمد حاصلًا على درجة بكالوريوس في علوم التغذية أو التغذية العلاجية من إحدى الجامعات المعترف بها.
- بالنسبة لبلوجر التغذية، غالبًا ما يكون أحد المؤثرين في مواقع التواصل، وربما يكون له هواية في الطبخ، أو يكون مدربًا رياضيًا، ومع الوقت يبدأ في تقديم نصائح غذائية دون تخصص طبي.
نطاق العمل والقدرة العلاجية
- خبراء التغذية المعتمدون مؤهلون لتقديم التغذية العلاجية والتعامل مع الأمراض عبر الغذاء، مع قدرتهم على إجراء تقييمات شاملة، ووضع خطط مبنية على التحاليل الطبية.
- بلوجر التغذية يقدم بعض النصائح والتوعية العامة، وقد يشارك بعض الوصفات، إلا إنه لا يجوز له تقديم أي علاج أو وصف أي دواء لحالة مرضية، وحتى النصائح لا بد أن تكون عامة وغير مخصصة لأفراد أو حالات معينة.
المصداقية ومصدر المعلومات
- بالنسبة لخبير التغذية المعتمد، فهو يلتزم بالمعلومات الطبية المبنية على الأدلة والأبحاث والدراسات الموثوقة، ويركز على التوازن والاستمرارية.
- أما بلوجر التغذية، فغالبًا ما يعتمد على القصص الفردية، ويهتم كثيرًا بالترندات الجذابة بصريًا بهدف زيادة المتابعين والتفاعل، وقد يروج لمنتجات معينة مقابل عمولة أو عقد رعاية.
المسؤولية القانونية
- خبير التغذية المعتمد يخضع للرقابة من قبل هيئات متخصصة مثل نقابات الأطباء، وبالتالي فإن أي خطأ قد يتسبب له في المساءلة أو سحب الترخيص.
- بالنسبة لبلوجر التغذية، فإن الأمر يبدو مفتوحًا، حيث يصعب ملاحقته قانونيًا في حال تسببت نصائحه في أضرار صحية لشخص أو أكثر؛ وهو ما يجعل كثيرًا منهم يضع لافتة إخلاء المسؤولية في حساباته.

لماذا تنجح الخرافة أسرع من الحقيقة الطبية على السوشيال ميديا؟
- ما يبحث عنه الناس هو النتائج السريعة والسحرية؛ وهو ما يجعلهم ينجذبون للإعلانات والمحتوى الذي يعدهم بما عجز عنه الطبيب.
- تركز الخرافات دائمًا على جانب واحد من القصة، وبالتالي يكون من السهل تصديقها؛ فهناك شرير واحد قد يكون السكر أو النشويات أو الجلوتين، وبالتالي ستقضي عليه الوصفة السحرية، وتظهر النتائج المدهشة.
- ترتبط الخرافة والوصفة الوهمية بشخصية المؤثر الذي يؤكد أنه جرَّب الوصفة، وأن مئات الناس جرَّبوها حول العالم؛ ما يجعل كثيرين يصدقونه بعيدًا عن الأدلة العلمية.
- قد يكون أهم عوامل انتشار الخرافة هو أنها غير مكلفة، حيث لا تتطلب زيارة الطبيب أو إجراء التحاليل أو عمل الأشعة، وإنما تتطلب فقط شراء المنتج وهو خيار سهل وسريع.
كيف يبني المستخدم فلترًا شخصيًا لفرز المعلومات الغذائية؟
قد يكون الوعي هو الفلتر الشخصي الأهم والأقوى لفرز المعلومات الغذائية، والذي يمكن تحقيقه من خلال القواعد التالية:
- قاعدة الوعود الوردية: عدم تصديق أي معلومة تمنح حلًا سهلًا وأملًا سريعًا ووعودًا وردية، وتتحدث عن طعام خارق أو حبوب مذهلة أو وصفة معجزة.
- قاعدة من المستفيد: عليك دائمًا أن تبحث عن المستفيد من هذا المنتج الذي يتم الترويج له أو المعلومة التي يسعى أحدهم لتأكيدها، فإذا كانت تصب في صالح شركة أو منتج أو كورس مدفوع، فغالبًا ما تكون معلومات منحازة وليست طبية بحتة.
- قاعدة المؤهلات: ابحث دائمًا عن مؤهل الشخص الذي يتحدث وينقل المعلومة لتعرف هل هو اختصاصي تغذية، أم طبيب، أم مجرد شخص لديه بعض الخبرات.
- قاعدة الشمولية: احذر دائمًا من أي معلومة أو نصيحة أو نظام يطلب منك حذف مجموعات كاملة من الغذاء دون سبب طبي؛ فالنصائح الغذائية السليمة تدعو للتنوع وتقليل المصنعات.
- قاعدة خطورة التعميم: أهم القواعد الخاصة بالمعلومات الطبية ومعلومات التغذية تتعلق بحقيقة أن أي نظام غذائي لا يناسب الجميع، وأن أي تجربة نجحت مع شخص قد تفشل مع شخص آخر، وبالتالي يجب استشارة الطبيب أولًا.
وفي نهاية مقالنا عن ظاهرة خبراء التغذية والصراع مع الأطباء التقليديين، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.