العقل والنفس في الحوار.. صراع الفضيلة والهوى

ما اجتمع اثنان يتحادثان في أمورٍ مهما كانت أهميتها، إلا ظهر بين الحضور تنافُسٌ لإثبات الوجود بالرأي والعقل، وصراعٌ في النفوس. فإذا كان الحديث في علمٍ، تتصارع العقول ويبقى ذو العلم، لكن تأتي النفوس؛ فهل يكون الغالب بعد ذلك ذا زهوٍ وتكبُّرٍ فيتنفَّس الصعداء، أم يتواضع؟ فإن كان من أهل النَّقَم، وألقى بما جاد به عقله فخرًا وتعاليًا، فإن تحصيله ونَهَمَه للعلم يقلَّان مع الوقت.

أمَّا إذا كان متواضعًا، سعى إلى المزيد في بحثه عن الحقِّ والفضيلة ونُصرةٍ لهما. وأمَّا من هُزم أو أُبهت -لو ظنَّ ذلك- فتأتي نفسه إمَّا بحكمةٍ ممَّا عَلِم واستبان له من أمور، أو يستكبر وتلتفُّ عليه أسوأ الظنون؛ لعلَّه كذبًا أو فصاحةَ لسانٍ. وفي الحالين، يَمْضي للبحث عمَّا هو صواب.

أما إذا اجتمع الشخصان في حديث مودة وصحبة مقبلة، فيجتمع العقل والنفس معًا بين ميزان الصراحة والكرامة، فيكون اللسان يتلو بينهما حتى لا يقع أحد في سهوٍ يهينه، أو يُبتلى بعيب يظهر بين الكلمات العابرة.

هذا ليس بعيب، ولا من الخيانة أن تكون واعيًا بما يُقال؛ لو استسلمت النفس، فاضت بما لا يُحمد عقباه، فيكون سرًا معيبًا أو سهوًا يجعلك فريسة لما هو آت. وكما قال السلف: «لو عَلِم الناس ما في نفوس بعضهم، لتصافحوا بالسيوف».

إن استحكمت بالعقل، صرت جامدًا بلا صديق أو خليل.

فالخير في الوفاق بينهما: إعطاء لكلٍّ منهما؛ فالعقل بالقراءة وحُسن الاطلاع، والنفس بقلة الحقد والحسد وضبط الشهوات. في القراءة والاطلاع ومجالسة أهل العلم، تتفتح الآفاق، ويعلو الذهن ويصفو، فيزداد الإدراك. أما النفس، فبتجنبها الشهوات والحقد والحسد، التي هي نتيجة فتح باب الشهوات، يُفتح باب الكراهية بالحقد والحسد، ويضيع التواضع بينهما، وهو أهم محرك للتعلم وكسب المودة والاحترام.

وكأن الاجتماع بين الناس ما إلا صراع بين ما أكون، وبين ما أريد أن أكون؛ فالغلبة لمن هو أكثرهم عقلًا وفضيلة، والكل يرضى بقدره.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.