صراع الانتقام والحب .... دعاء الكروان

دعاء الكروان من الأفلام التى شكلت أحداثها وجدان المصريين ولاتزال بعض الجمل التى وردت على لسان شخصيات القصة تتردد إلى يومنا هذا فمن منا لايذكر الشقيقتين آمنة وهنادى والعلاقة التى جمعت بينهما وكيف كانت كل منهما سر الأخرى وبعد مقتل هنادى تظل آمنة وفية لها وتحاول الانتقام ممن تسبب فى مقتلها حتى عندما يعرف الحب طريقه إلي قلبها فإنها تظل ممزقة بين نداء الحب ونداء الانتقام حيث تقع فى حب من كان سبباً فى مقتل شقيقتها وتقرر أن ترحل وتتركه ولكنها تعود عندما تلمح خالها الذى قتل هنادى قادماً لقتلها والتخلص من عارها ولكنه يقتل المهندس الذى يحاول إنقاذها من الموت ليتردد فى أسماع المشاهدين صوت الكروان يعقبه صوت عميد الأدب العربى وكاتب قصة الفيلم بجملة يذكرها الكثيرون ممن شاهدوا الفيلم مرات عديدة حتى حفظوها بل وصار بعضهم يرددها كلما عرض الفيلم على شاشة التليفزيون.                    

يعد دعاء الكروان من بين أفضل الأفلام التي قدمتها السينما المصرية فقد حصل على المركز الرابع عشر ضمن أفضل مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية كما حصل على الترتيب السادس في قائمة أفضل عشرة أفلام في الاستفتاء الذي أجرته مجلة فنون عام 1984 وقد تم عرض الفيلم لأول مرة عام 1959 عن قصة عميد الأدب العربى د. طه حسين و كتب لها السيناريو بركات و يوسف جوهر وقام بكتابة الحوار يوسف جوهر وقامت فاتن حمامة بأداء شخصية آمنة بينما أدت الفنانة زهرة العلا دور هنادى وقامت أمينة رزق بتجسيد شخصية الأم التى لاتملك من أمرها شيئاً أمام زوجها الذى لايقيم للأعراض وزناً حتى يقتل جزاء أفعاله المشينة كذلك أما شقيقها الذى يقرر طردها مع بناتها تخلصاً من معايرة أهل القرية له بأفعال نسيبه ولا تستطيع ان تحمى ابنتها هنادى منه حين يقرر قتلها تخلصاً من فضيحتها بعد أن قام بطردهم من منزلهم وحياتهم التى كانت مستقرة نوعا ما من منطلق أن أبوهما لم يخش عليهما من الزمن ولم يراعى حرمة البيوت التى انتهكها فلم سيرأف هو بها وببناتها وتنتقل بهما الأم من مكان إلى آخر حتى يصلوا إلى إحدى قرى الصعيد ومن المعروف أن الفيلم تم تصويره فى القرية التى كان يوجد بها منزل عميد الأدب العربى بالمنيا وهى قرية تونة الجبل وقد بنى هذا البيت عالم الآثار دكتور سامى جبرة وأهداه لعملاق الأدب دكتور طه حسين .                                                                                                

وتضطر الفتاتان إالى العمل كخادمات فتعمل آمنة خادمة عند المأمور بينما تعمل أختها هنادي عند مهندس الري وتقع في حبه ولكنه يعتدي عليها ويحطم حياتها ويقوم الخال جابر بقتلها أمام أمها وشقيقتها آمنة التى تقرر بعد أن عاهدت نفسها مع دعاء الكروان في القرية الانتقام لأختها من المهندس وتعود لمنزل المامور لتعيش معهم مجدداً حتى يتقدم المهندس لخطبة ابنة المأمور ولكن آمنة تصارح زوجة المأمور بحقيقة المهندس فيرفض المأمور خطبته لابنته وتعمل بعد ذلك لدى مهندس الرى وتحاول أن تنفذ العهد بالانتقام ولكنها لاتقوى فقد تحرك قلبها نحوه إلا أنها ترفض البقاء معه وتقرر الرحيل عنه حيث أنها تعرف بأن طيف أختها سيبقى حاجزاً بينها وبينه ولكن خالها يصل إلى منزل المهندس محاولاً قتلها لكنه يقتل المهندس بدلاً منها فى واحد من أكثر المشاهد رومانسية فى تاريخ السينما المصرية وبينما يلفظ المهندس أنفاسه الأخيرة يعلن انه سعيد لموته بين يديها وقد أثار هذا المشهد دموع الكثيرين عند عرض الفيلم.                                                          

وقد وفق السيناريو والحوار بشكل كبير في نقل الرواية إلى الشاشة خاصةً أن السيناريو أضيفت إليه بعض الأحداث  والشخصيات ويعتبر الجهد الذي قام به يوسف جوهر وبركات ليس مجرد نقل نص أدبى إلى شاشة السينما وإنما جهد يرقى إلى مرتبة التأليف ولايمكن إغفال دور الحوار وقيمته الفنية الكبيرة إذا عرفنا أن الرواية الأصلية تكاد تكون خالية من الحوار واعتمدت على السرد الدرامي من وجهة نظر البطلة وهو ما صاغه كاتب الحوار فى شكل رواية للحدث أو تعليق عليه لربط المشاهد بما يدور من أحداث وكان الحوار معبراً بأسلوب وجمال عباراته عن البيئة بدقة متناهية ومتناسب مع ظروف الحياة والفترة التاريخية التي جرت فيها الأحداث إضافة إلى إجادته من قِبل الممثلين وقد نجح السيناريو في رسم الشخصيات وخلق الأجواء النفسية والاجتماعية بما يعبر عن ذلك الواقع، بالإضافة الي وجود تفاصيل صغيرة فكاهية خلقت ما يمكن تسميته فترات استرخاء لاستقبال الحدث المأساوي التالي مما أعطى للمأساة دوراً مؤثرا على المتفرج.                                    

 قام بإخراج الفيلم أحد كبار مخرجي السينما المصرية الذى اشتهر بأفلامه العاطفية والغنائية ذات الطابع الرومانسي وهو المخرج هنرى بركات الذى قدم فيلمه الأول (ورد الغرام ـ 1951) بطولة ليلى مراد ومحمد فوزي بعد عدة محاولات بدأها سنة 1935 ثم سافر الى فرنسا ودرس السينما هناك وعاد ليعمل مساعداً للإخراج وبعد نجاح فيلمه الأول قدم فى موسم واحد  أربعة أفلام إلى أن قدم فيلمه دعاء الكروان والذي استحق عدة جوائز قدمتها الدولة له وهي جائزة أفضل ممثلة لفاتن حمامة وجائزة أفضل ممثل لأحمد مظهر كما فازت زهرة العلا بجائزة أفضل ممثلة مساعدة إضافة إلى جوائز الإخراج والسيناريو والإنتاج كما أختير (دعاء الكروان) لتمثيل السينما المصرية في مهرجان برلين الدولي في نفس العام بعد هذا الفيلم قدم أفلاماً هامة مثل : الباب المفتوح ـ 1964، الحرام ـ 1965، الخيط الرفيع ـ 1971، أفواه وأرانب ـ 1977، ولا عزاء للسيدات ـ 1979، ليلة القبض على فاطمة ـ 1984 وهذه الأفلام جميعها بطولة فاتن حمامة وهذا يدل على كونهما ثنائى سينمائى ناجح والمخرج بركات يجيد تكوين الصورة السينمائية ببراعة تحسب له بصورة تتناسب مع الايقاع الهادء للمونتاج وقد قام بركات بإنتاج هذا الفيلم الذى يناقش قضية هامة وهى قضية الجرائم المخلة بالشرف من خلال تسليط الضوء على الظلم الواقع على المرأة وبصفة خاصة المرأة الريفية كذلك يناقش الفيلم السلطة الاجتماعية التي منحها المجتمع العربي للرجال والتي تتيح لهم استغلال النساء أو ممارسة العنف ضدهن وافلاتهم من العقاب.                                                         

أيضا ناقش الفيلم عدة أفكار تبدو خاطئة مجتمعياً ولكنها سائدة مثل رفضه لفكرة الزنا رغم أنه أحياناً ينظر للرجل متعدد العلاقات على أنه شىء طبيعى أيضاً  فكرة الاستمرار في علاقة خطبة خوفًا من أن تصبح الفتاة فى نظر المجتمع بها عيب ما فالرجل في مجتمعنا هو الذي يترك الفتاة وليس العكس اذا اكتشفت انه لا يصلح زوجاً اوغير قادر على تحمل المسئولية كما يعكس وجهة نظر تقليدية للرجل في المرأة التي تستجيب لمغازلته بأنها لا تصلح للزواج بعكس الأخرى التي لا تستجيب له وتصده فهي من تستحق الزواج به مما يكرس لفكرة ضرورة كبت النساء لمشاعرهن وعدم التعبير عنها حتى لا يوصمن وشخصية البواب تمثل المجتمع الذى يكتفى بنقد المرأة فقط دون أن يتعرض للرجل كذلك تناول السيناريو فكرة العقاب الالهي من خلال قتل الأب وهنادي والمهندس كما شكلت الموسيقى التصويرية التى وضعها واحد من أشهر مؤلفى الموسيقى التصويرية فى السينما المصرية وهو أندريا رايدرعنصراً هاماً من عناصر الفيلم فقد ارتبطت الجملة الاساسية بوجدان المشاهد كذلك صوت الكروان الذى يشكل موروثاً ثقافياً لدى الكثيرين من أبناء الشعب المصرى سواء فى المدينة أو الريف وتبقى الجملة الخالدة بصوت عميد الأدب العربى والتى جاءت فى نهاية الفيلم من العلامات المميزة لفيلم دعاء الكروان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.