ذلك الصراع بين الماضي والحاضر والمستقبل او بمسمي آخر هو رحلة الحياة التي يكون محورها وقائدها والمتحكم فيها هو الإنسان ، وعلي الإنسان ان ينظر إلي ماضيه ليتعلم منه سواء ان كانت أخطاء أو إنجازات فكلتاهما لن يضره ، ان كانت أخطاء فليتعلم منها و يتجاوزها ويحاول الا يقع بها مجددا ، وإن كانت إنجازات يعيد النظر إليها كثيرا و يجذبها لحاضره ويكررها مجددا ويفتخر بها . واذا اخذ العبرة من الماضي حتما بأن ذلك سوف ينفعه في حاضره وسوف يترتب علي ذلك الحاضر هذا المستقبل الذي ينتظره. وفي كل مرحلة خبراتها وتجاربها، مميزاتها و مساوئها التي تؤثر في الإنسان ويتأثر بها ويخرج بها من المرحلة السابقة إلي المرحلة التي تليها، وفي كل مرحلة لابد ان يلقي الإنسان ذلك الصراع انه شئ محتم لا متناهي، ويقول الله تعالي في كتابه الكريم " ولقد خلقنا الإنسان في كبد " وهذه دنيا وليست بجنة ولا بد ان يواجه الانسان ذلك الصراع ، فأما ان ينتصر عليه او يكون ضحيته.. هيا بنا لنذهب في جولة بين الماضي والحاضر والمستقبل ونري ونتعلم من آليات التعامل مع ذلك الصراع في كل مرحلة منهما.
صراع الماضي ..
الماضي يأتي من مضي اي ذهب، اشياء اشخاص اماكن ذكريات ذهبت وتلاشت ومضت عن الحياة التي نعيشها الآن ولكن هل اختفت من عقولنا ووجداننا؟ هل ما زالت حاضرة في أذهاننا؟ هل محفورة بداخلنا وعالقة في أذهاننا تطاردنا وتتبع أثارنا؟ وأين نحن من هذه الأسئلة الثلاث؟ وما ينبغي علينا أن نكون او نفعل؟ في حقيقة الأمر أن الماضي يختفي من حاضر الحياة التي نعيشها ولكنه لا يختفي ويمضي بصورة مطلقة عن وجداننا وعقولنا ولكننا يجب علينا أن نسترجع ونحتفظ منه ببعض العبر والدروس والتجارب التي تجعلنا نستطيع أن نحيا الحاضر ونتطلع إلي المستقبل، لذلك فأن الماضي لا يختفي تماما من الحاضر، ولكن الأمثل والاوسط والاعتدال لنا ان يحضر في أذهاننا لا هو بمختفي ولا بعالق، لأننا لا يجب علينا أن نتجاهل الماضي تماما ولا نجعله يطاردنا ويؤثر علينا بالسلب. وفي هذه المرحلة التي يحضر الماضي فيا إلي عقولنا نتذكر أشياء جميلة وأشخاص وأماكن والذكريات المرتبطة بهما او عن طريق بعض الصور المقترنة بهؤلاء الأشخاص والأماكن والمواقف المعينة التي تستحضرها امام أعيننا من جديد.. هذا يسمى بحالة " نوستالجا ".. مصطلح باللغة الإنجليزية يعني الحنين إلي الماضي، وهنا يبدأ الصراع بداخلنا بين الحنين لتلك الذكريات وبين العجز علي عدم استرجاعها، ولكنها في نهاية الأمر تترك بداخلنا أثر جميل و ذكري لا تنسي ثم نرجع إلي الحاضر وننغمس فيه وتشغلنا أفكار المستقبل التي تأخذنا إليها. عندما يكون الماضي محفور وعالق في أذهاننا وجداننا للدرجة التي تجعله يطاردنا يتتبع أثارنا مما يترتب عليه القيد والعجز عن عيش الحاضر والتطلع إلي المستقبل ، فإنه بذلك هو المتحكم بنا وليس نحن، وهنا نجد حياتنا قد توقفت عند تلك الفترة ونجد أنفسنا محاصرين وغارقين في دوامة الماضي ، ولكن القرار مازال في ايدينا وفي هذه الحالة المعقدة يستوجب بل ويتحتم علينا قتل الماضي وكل شئ متعلق به، والا سوف نتوه في زحام الحاضر ويفوتنا قطار المستقبل وتتوقف الحياة ، لذلك تخلص من صراع الماضي وابدأ من جديد واغتنم فرص الحاضر.
صراع الحاضر..
لماذا سمي بالحاضر؟ لأنه يحضر أمامنا ونلمسه بأيدينا وهذه المرحلة هي الأكثر تعقيدا وصعوبة علي الإنسان، لأنها تكون الأكثر واقعية ويكون فيها محاصرا بين ماضي مفقود ومستقبل مجهول، فإما أن يطارده الماضي ليأخذه إلي سراب لا متناهي فيعجز ان يعيش ذلك الحاضر، و إما أن تهلكه أفكار المستقبل بالتخطيط المفرط فيها ويعجز أيضا أن يعيش الحاضر الذي سوف يقوده إلي المستقبل . يأتي صراع الحاضر عندما نتساءل: هل الحاضر الذي يعيش فيه كل منا يرضينا، ام اننا نرفضه ونتنفر منه؟ و هل الحاضر يكون بوابة سهلة الفتح لنعبر من خلالها إلي المستقبل؟.. في حقيقة الأمر لابد ان تكون راضيا و متقبلا الحاضر مهما كانت مساوئه وعقباته وحواجزه التي تلقي في طريقك، فكلما زاد فهمك له وكلما استحضرت قواك و طاقاتك لاستثماره ومواجهته كلما زادت درجة تعايشك معه، فعليك ان ترضي به أولا وتتقبله مهما كانت حالته حتي تستطيع أن تحيا به. لا عليك ابدا ان ترفض الحاضر وتتنفر منه او تفر منه إلي الماضي، فكلما فعلت ذلك كلما زادت الفجوة وبنيت الحواجز فتغيب عن الحاضر وترسم علي عيناك وفي قلبك الغشاوة وتعمي عن رؤية المستقبل بل وتفقد الرغبة في الحياة فعليك ان تقتل صراعك الداخلي وتتلخص منه لا صراع الحياة . هل الحاضر بوابة سهلة الفتح لنعبر من خلالها إلي المستقبل؟.. اذ اعتقدنا ذلك فهذا اعتقاد خاطئ، ولكنه ليس شئ مستحيل ولكن هناك دائما ثمن يدفع مثل المعافرة والشتات والخوف القلق وفقدان الطاقة لاستكمال الطريق وتلك الفترة التي نبذلها حتي نتمكن من استعادتها وتلك المحاولات التي تنجح مرة وتخفق مرات والظروف التي تقيدنا وتشل حركتنا في بعض الأحيان، وبالرغم من كل ذلك لا تقلق هناك دائما امل وهناك الف فرصة مع كل نفس يخرج منك حيث يمكنك ان تستغل كل ذلك بالسعي والمحاولات المتجددة مهما باءت بالفشل وتذكر دائما الهدف الذي تسعي لأجله وتوكل علي الله في كل شئ وفي كل وقت فهو بيده كل شيء، حين تفعل ذلك سوف تتوافر لديك المفاتيح التي تجعل العبور سهلا من بوابة الحاضر إلي المستقبل.
صراع المستقبل..
المستقبل يأتي من الاستقبال او شئ مقبل أي آتي، عندما يقف الإنسان علي حافات الحاضر ليستقبل ويجني ثمار سعيه وجهده ومحاولاته. يأتي المستقبل بالطموح والأمل والأحلام والأماني التي يجب أن يحيا عليها الإنسان ومادام يصدقها ويؤمن بها فإنها حتما سوف تتحقق، وما دمت لا تحارب لأجل تلك الأحلام والأماني حتي النهاية فلا عليك ان تندم بعد ذلك وتتحسر على ضياعها يوما ما. يبدأ صراع المستقبل عندما يسأل الإنسان نفسه وهو على ارض الحاضر.. كيف يخطط لمستقبله؟ وهل يمكنه ان يتنبأ بالمستقبل وهو يقف على ارض الحاضر؟ هل الحاضر يهيئ لمستقبل مشرق؟ يتطلب التخطيط الجيد للمستقبل ان تتوافر من الأساس لديك العزيمة والإرادة لبدء الرحلة وسلك الطريق وعليك أيضا أن تدرك جيدا حجم العوامل التي تتوافر لديك ان كانت محدودة او كافية ، فإن كانت محدودة بالسعي والمحاولة تصل إلي حد الكفاية وان كانت كافية فهذا أمر جيد ولا تلقي اللوم ابدا وتعلق أخطائك وفشلك عليها لأنك تستطيع.. نعم تستطيع ما دمت قويا وصامدا لان سلم النجاح لا يصعده الضعفاء والخاملون. هل يمكنك أن تتنبأ بمستقبلك؟ نعم.. عندما تنظر إلي نفسك وبداخلك وعندما تري انك تفعل كل ما بوسعك لتحقيق أهدافك وتستغل كل الفرص من حولك وعندما تجد نفسك مع الوقت قادرا علي تجاوز التعليقات السلبية التي تزعجك وعدم التفاتك الي محاولاتهم التي تحبط عزيمتك ومحاولاتك المستمرة في تطوير ذاتك وتهذيبها وتوسع آفاق معرفتك وفهمك الجيد للواقع، اذا فعلت كل ذلك فأنت تسلك الطريق الصحيح الذي سوف يقودك إلي مستقبل مشرق وبذلك تستطيع أن تتنبأ بمستقبلك. هل الحاضر يهيئ لمستقبل مشرق؟ بالطبع.. في كل الحالات يهيء وان لم يكن يمكنك انت ان تجعله، هذا لا يعني أن الحاضر وردي او بلا حواجز ولكن الأمر يتوقف عليك، بمعني .. عندما تتعرض لمصيبة ما او واجهتك ظروف صعبة او تعرضت لموقف يقلل من عزيمتك او تعرضت الغدر والخيانة من اقرب الأشخاص إليك و.. و... الخ.. انه من الطبيعي أن تأخذ فترة من الإحباط والاكتئاب وتشعر بأن طريقك قد انتهي ، ولكن لا تأخذ وقتا كبيرا في ذلك واسأل نفسك هل مت مثلا؟ لا.. لأنك ما زلت تتنفس، الأمر يتوقف على رد فعلك تجاه ذلك ومحاولاتك العديدة للخروج من هذه الدوامة المميتة أنهض في كل مرة تقع فيها وسوف تجد نفسك في كل مرة تتعلم درسا يوسع آفاق تفكيرك ويزيد من صلابتك وثباتك،انهض فهناك مستقبل ينتظرك وتوقع كل خير فكل متوقع آت ولا تتمسك بماضي مات ولا تعلق في حاضر مؤقت ممتلئ بالشتات وتمسك بحلمك وقاتل من أجله وادعوا الله ان يلهمك القوة والصبر والثبات.
في صراع الأزمنة نجد أن الماضي بوابة يعبر من خلالها الانسان الي الحاضر والحاضر بوابة اخري يعبر منها الي المستقبل ومع كل عبور وانتقال من زمن الي اخر يكتسب الانسان خبرات جديدة ويتلقى صفعات عديدة ويحظى بفرص وفيرة ويرحم من سقطات مميتة وكل ذلك يساهم بشكل كبير في تكوين شخصيته وبناء ذاته، الفرص والخبرات توسع آفاق عقله وتمده بالطاقة لمواجهة الحياة وكذلك الصفعات والسقطات تزيد من قوته وصموده وثبات اقدامه و تعطيه بعض الجرأة وسعة الصدر وقوة التحمل لمواجهة مصاعب الدنيا. ذلك الصراع بين الماضي والحاضر والمستقبل الذي يسمي برحلة الحياة الذي يكون الإنسان فيها هو المتحكم في زمامها فأما ان يحارب ذلك الصراع بكل مراحله ويقاومه وينتصر عليه ويصبح قائد جيد، وأما ان يقع في أسره ويفقد سيطرته عليه ويجعله يتحكم فيه ويجعل تياراته تتقاذف فيه وتغرقه في دوامة الحياة لك انت القرار والاختيار، اختر الرحلة التي تريدها والطريقة التي سوف تسلكها بها، ولكن احذر أن تخرق قوانين الرحلة لأنك حتما سوف تدفع الثمن، فيركض خلفك الماضي ويلاحقك وتعجز عن عيشة الحاضر ويقيدك ويترتب علي ذلك ضياع مستقبلك وتضيع في صراع الأزمنة ويهزمك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.