صداقة منذ الصغر.. بين خذلان ووفاء

في أحد أحياء المدينة القديمة، نشأ ثلاثة أصدقاء: عمر، وإياد، وسهيل. كانوا كالجسد الواحد، يقال عنهم: «ثلاثي لا يفترق»، تجمعهم المدرسة، وساحات الحي، لكنهم على الرغم من قربهم الشديد وعلاقتهم القوية كانوا مختلفين.

عمر هادئ الطباع، مستقيم الخلق، طيب القلب، يعمل موظفًا بسيطًا في إحدى الشركات.

إياد جريء وطموح، سلك طريق التجارة، والاستثمار، وتوسع في تجارته واستثماره.

سهيل متأمل، متوازن، يعمل مترجمًا، صحيح ليس له نصيبٌ واسعٌ من المال، لكن قلبه كان غنيًّا وعامرًا بالحكمة والوفاء.

كبر الثلاثة، وكبرت معهم صداقتهم وكانت عنوانًا جميلًا أنيقًا في الحي.

وذات يوم، ابتُلي عمر بمرض أبيه، وتكالبت عليه الديون والمصاريف والأحزان. ولم يكن لديه خيار سوى أن يلجأ إلى أقرب الناس إليه. فتوجه إلى إياد، الذي كان في أوج ثرائه، لكنه فوجئ بردٍّ باهتٍ بارد من صديقه، فقال له: «تعرف أني أحبك، إلا أن الظروف ليست على ما يرام، والعمل يشهد ركودًا، والدائنون كُثُر، قد لا أستطيع أن أقدم لك شيئًا».

خرج عمر بقلب مكسور، لا من المال، بل من الخذلان من شخص كان لا يتوقع منه إلا الوفاء، لكنها الحياة، والأزمات دائمًا تميط لك اللثام عمَّن هم حولك، فتسقط الأقنعة وتظهر العلاقات على حقيقتها.

ذهب بعدها إلى سهيل، لا يطلب مالًا -يعلم حاله- بل ليشكو إليه وجعه. استمع سهيل، وعيونه تمتلئ أسًى.

أحيانًا الواحد فينا يحتاج إلى من يخفف عنه ويدعمه معنويًّا، والدعم المعنوي كثيرًا ما يكون له أثره العميق.

قال سهيل: «لم أكن أملك أن أمنحك المال، لكن أستطيع أن أمنحك قلبي، وسعيي، وجهدي، وعلاقاتي. سأتصل بمن أعرف، وسأكون معك خطوة خطوة، حتى يفرج الله».

ورغم أن سهيل لم يملك إلا القليل، لكنه فعل مع عمر الواجب وكأن المصيبة مصيبته. اتصل بأقارب ومعارف، وسهر بجانب صديقه في المستشفى، وطرق الأبواب التي ظنها عمر موصدة. وبفضل الله، ثم هذا السعي المخلص، تجاوز عمر محنته وأزمته.

فَرْق ما بين إياد وسهيل، وهكذا العلاقات تتباين في صدقها وعمقها.

مرت الأيام ثقيلة على عمر، وأخيرًا تعافت الأحوال، لكن النفوس لم تعد كما كانت. عمر بات حذرًا مع إياد، يشعر أن العلاقة بينهما فقدت براءتها وسيرتها الأولى. أما إياد، فكان يشعر بثقل وبرود صامت، لكنه لم يفهمه.

وهنا جاء سهيل، الذي جمع بين عمر وإياد ذات مساء في بيته، وقال لهما: «نحن لا نُختبر في صداقاتنا عندما نضحك ونفرح، بل عندما يبكي ويحزن أحدنا. إياد، قد تكون قصّرت، وعمر تألم... لكن لا تنسوا أن الرحمة هي الجسر الأخير قبل أن تنهار صداقة العمر.

يا عمر، تصرف إياد لا يعني أنه لم يحبك، لكنه كان ضعيفًا أمام الموقف، وليس كل من عجز خان».

صمتا... ثم ذاب الجليد شيئًا فشيئًا. لم تعد العلاقة كما كانت تمامًا، لكنها استقرت على ضفاف التسامح والرحمة والنضج.

كبر الثلاثة، وتفرقت بهم الحياة، لكن بقي سهيل -بزهده ووفائه- مركز الدائرة، كلما اشتدَّت الحياة على أحدهم، عاد إليه يستلهم منه الحكمة.

في كل علاقة، نجد عمر الذي يُظلم، وإياد الذي يُقصِّر، وسهيل الذي يُصلح.

فاحرص أن تكون سُهيلًا حين يشتد الخصام، عُمرًا حين تُبتلى، ولا تكن إيادًا إن خانك الظرف.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.