يغفل الإنسان في زحمة الحياة عن تسارع الأيام وانقضاء العمر، فتمر السنون كأنها لحظات خاطفة تأخذ معها فرص التدارك والعمل. وتأتي النفحات الروحانية والتأملات الصادقة لتوقظ القلوب من رقدتها، وتذكِّر العبد بضرورة العودة إلى مولاه قبل أفول الشمس وانقضاء الأجل.
إن التوبة والإنابة ليست أمنية، بل هي خطوة واعية يغتنم فيها المؤمن ما بقي من أيامه ليغسل أوزاره وينعم بقرب الله، وفي هذا السياق، تطل علينا معانٍ وعظية تحث على الاستغفار والرجوع إلى الله بقلب خاشع ونفس ضارعة.
صحوة المتغافل
عامٌ تفلّتَ كالسهام يهرولُ *** قد فاتَ دهرُك أيها المتغافلُ
قد كان بين يديك يومُك حاضرًا *** أمسى سرابًا مسرعًا لا يُمهِلُ
أفنيتَ عمرَك في الذنوب تلاهيًا *** وعليك يُحصَى ما تخطُّ وتفعلُ
فاغنمْ من الأيامِ قبلَ أفولِها *** إن الحياةَ رعونةٌ ومشاغلُ
وتثاقلتْ فوقَ القلوبِ مآثمٌ *** أنَّتْ فلا تسعِ الحمولَ كواهلُ
ودعِ النعيمَ فلن يدومَ بريقُهُ *** إن الحياةَ بعزها تتبدَّلُ
واهجرْ ذنوبًا لن يطولَ نعيمُها *** أوزارُها تُحصَى لنا وتُسجَّلُ
تعدو رياحُ الخيرِ عنك بسرعةٍ *** إن اغتنامَ الريحِ عنك مُحوَّلُ
لا يلهينَّك ما قد تراهُ مباهجًا *** واعددْ جوابًا عنه يومًا تُسأَلُ
بادرْ إلى ربِّ العبادِ بتوبةٍ *** فالله يمهلُ عبدَه لا يهملُ
رباهُ أسألكَ الحياةَ بطاعةٍ *** ولترضَ عني إنني متسوِّلُ
ورجوتُك اللهمَّ عبدًا ضارعًا *** متذللًا آتي إليك وأمْثُلُ
رباهُ لا تطردْ ضعيفًا مذنبًا *** فلبابِ عفوِك قد طرقتُ أهرولُ
كثرتْ ذنوبي وانقطعتُ بلا رجا *** وعلى الرحيمِ فقد أتيتُ أعوِّلُ
لمسات حانية
ولقد زعمتِ بأنَّ حبَّكِ قاتلي *** بشعابِ قلبِكِ قد أنختُ قوافلي
فتدفقتْ برحابِ بابِكِ أدمعي *** وتوقدتْ بين الضلوعِ مراجلي
ولقد أدمتُ الطرقَ كيما تأذني *** لولوجِ قلبي في هواكِ لتبتلي
أفلا أذنتِ إلى الأسيرِ بدلجةٍ *** لرحابِ عينِكِ خاضعًا فتمهلي
أأموتُ في أمواجِ بحرِكِ غارقًا *** ولقد رجوتُ بكِ النجا يا موئلي
من نورِ عينِكِ قد أفاضَ شعاعُها *** فهي النجاةُ لقلبيَ المتململِ
وتغيبُ شمسُكِ في الحياةِ فأظلمتْ *** وتدافعتْ خفقاتُ قلبي الثاملِ
أسدلتِ في قلبِ الأسيرِ ستائرًا *** كتبتْ نهايةَ فرحتي وتفاؤلي
وتجوبُ في أنحاءِ كوني ظلمةٌ *** فتُنيرُها مني دماءُ مشاعلي
فتمايلتْ هذي الطيورُ بلوعةٍ *** وتنوحُ في تلك الرياضِ بلابلي
أفلا علمتِ بأن حبَّكِ مؤنسي *** أوما علمتِ بأن هجرَكِ قاتلي
أرخصتِ حبًا قد جلتهُ مدامعٌ *** أفشاهُ مني ما تخطُّ أناملي
زعمتِ بأن الفؤادَ يرومُني *** ما كنتُ إلا لعبةً بتواصلي
قد كان صدقًا ما عنيتُ من الجوى *** لا تدّعي أن الهوى سيدومُ لي
تلهو بقلبٍ مخلصٍ لودادِها *** كثرتْ قلوبٌ في هواها الباطلِ
أطغاكِ ما قد تنكئينَ جراحَهم *** وبما ملكتِ بقلبِكِ المتهازلِ
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.