كيف يؤثر نظامك الغذائي والدهون المشبعة في صحة البروستاتا

مع تقدم الرجال في العمر، تصبح صحة البروستاتا مصدر قلق متزايد، فيُعد تضخم البروستاتا الحميد وسرطان البروستاتا من أكثر الحالات شيوعًا. وفي حين أن العوامل الوراثية والتقدم في السن يؤديان دورًا لا يمكن إنكاره، فإن البحوث العلمية الحديثة تسلط الضوء على عامل قوي يمكننا التحكم فيه: النظام الغذائي، لقد تغيرت عاداتنا الغذائية على نحو جذري خلال القرن الماضي، مع زيادة هائلة في استهلاك الدهون المشبعة والسكريات المكررة، وهو تغيير يتزامن على نحو مثير للقلق مع ارتفاع معدلات الإصابة بمشكلات البروستاتا.

يستعرض هذا المقال العلمي المفصل العلاقة العميقة بين ما نأكله وصحة البروستاتا، موضحًا كيف يمكن لبعض الأطعمة أن تكون ضارة، في حين تعمل أخرى درعًا واقيًّا، بناءً على دراسات تاريخية وأدلة علمية حديثة.

الدهون المشبعة والسكر أعداء صحة البروستاتا

 يستهلك الإنسان الحديث والعصري كميات هائلة من الدهون. ولسوء الحظ فإن هذه الدهون مكونة أساسًا من نوع من الدهن يُسمى الدهن المشبع، وهو مُضر للغاية بالصحة، ونوع اللحوم التي تأكلها وكمية الألبان والأجبان المستهلكة هي مسؤولة أساسًا عن استهلاك هذا النوع من الدهون. ولقد تغير الدور الذي تؤديه هذه الأصناف في غذاء الإنسان كثيرًا في القرن الماضي (تمامًا مع حصول تغير في حدوث تضخم البروستات وسرطان البروستات).

وهنالك عنصر آخر أسهم في هذا التبديل، وهو طريقة تربية الحيوانات المعدة للاستهلاك، بحيث حصل ميل إلى محتوى غني بالدهون على الرغم من حصول وعي اليوم بضرورة الابتعاد عن هذه النزعة.

وتشير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أنه يجب ألا تزيد نسبة الطاقة الإجمالية المستمدة من الدهون عن 30 %، وأن أقل من 10% فقط يجب أن تأتي من الدهون المشبعة.

ما يحتاجه الإنسان من الدهون

وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة تصل إلى 40% من الطاقة الغذائية التي يستهلكها المواطنون اليوم تأتي من الدهون وأكثرها من نوع الدهن المشبع.

والنتائج الصحية والمرضية لهذا الاستهلاك مهمة جدًا؛ لأنها متصلة بمرض الشريان التاجي في القلب والسكري ومرض المرارة حتى السرطان، فضلًا على أنها متصلة بمشكلات البروستات. وفي الأوقات البدائية من التاريخ كانت نسبة استهلاك الدهون من إجمالي الطاقة الغذائية لا تتعدى 20%؛ لأن أجسام الحيوانات الحرة في تلك الأيام -وأكثرها من الطيور والطرائد- كانت تحتوي 4% فقط من دهون، ومعظم هذه الدهون من النوع غير المشبع، مقارنة بنسبة 30% من الدهن في أجسام المواشي الحديثة ومعظمه من نوع الدهن المشبع. وهذه هي التغيرات التي أسهمت في حصول تصاعد في عدد الإصابات بالأمراض المذكورة آنفًا، فضلًا على تزايد مشكلات البروستات.

وقد أظهرت الاختبارات إمكانية معالجة تضخم البروستاتا الحميد (BPH) عند الكلاب المسنَّة مع مشكلات أخرى في البروستات بتخفيض حجمها من خلال تخفيض مستويات الكوليستيرول في دمائها. ومن المعروف أن هذه المستويات متصلة بارتفاع نسبة الدهن المشبع في الجسد، وبمحتوى عالٍ من السكر في الغذاء.

ولقد أظهر فحص البروستات بعد الوفاة عند مئة رجل مصابين بتضخم حميد في البروستات أنها كانت تحتوي ما نسبته 80% من الكولستيرول أعلى مما يجب أن يكون المستوى الطبيعي للكولستيرول في غدة البروستات الطبيعية.

وأكدت دراسات حديثة، مثل تلك التي نشرتها كلية الطب بجامعة هارفارد، أن الأنظمة الغذائية الغنية باللحوم الحمراء ومنتجات الألبان عالية الدسم قد تزيد من خطر الإصابة بمشكلات البروستاتا.

وتُظهر أعمال المراقبة في إفريقيا، وبالتحديد في الريف الإفريقي، أن الأشخاص الذين يستهلكون غذاء بمحتوى منخفض من الدهون يملكون مخاطر أقل بالإصابة بمشكلات البروستات، في حين يسبب المحتوى المرتفع من الدهون في وجبات شعوب أخرى مشكلات هرمونية متصلة بإنتاج هرمونات لها علاقة بتزايد كبير في حوادث الإصابة بمشكلات البروستات.

وتحققت هذه النتائج عند تبديل نمط الغذاء عند بعض الرجال من غذاء غني بالدهون إلى غذاء منخفض الدهون أسابيع عدة، فثبت انخفاض مخاطر الإصابة بسرطان البروستات عند هؤلاء الرجال لاحقًا؛ بسبب التبديل الهرموني الناتج عن ذلك.

نظام غذائي للحفاظ على صحة البروستاتا

وبهدف تخفيض حوادث الإصابة بتضخم البروستات وكذلك سرطان البروستات لا بد من توجيه جهد كبير لتخفيض الدهون المستهلكة وتبديل نوع الدهون المستهلكة (من مشبعة إلى غير مشبعة) وتخفيض استهلاك السكر. وكل هذه العناصر متصلة ببعضها بعضًا في إطار رفع مستويات الكولستيرول في الدم وبذلك في البروستات. وهذا يدعو إلى تخفيض الأطعمة الضارة للبروستاتا.

أطعمة يُنصح بتجنبها أو تقليلها لصحة البروستاتا

  • الدهون المشبعة: اللحوم الحمراء من حيوانات المزارع (الأبقار والأغنام)، الأطعمة المقلية، الأجبان كاملة الدسم، والزبدة.

  • السكريات المكررة: منتجات السكر الأبيض والأسمر، الجاتوه، الكعك المحلَّى، المعجنات، وسائر الحلويات المصنعة.

  • السمن النباتي المهدرج: يجب تجنب أي سمن نباتي مهدرج أو صلب (Trans Fats) لأنه ضار بالصحة عمومًا.

أطعمة يُنصح بالتركيز عليها لصحة البروستاتا

  • مصادر البروتين الخالية من الدهون: لحم السمك خاصة الأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين لغناها بأوميغا-3، لحم الدجاج (دون جلد)، لحم الطيور والطرائد.

  • منتجات الألبان قليلة الدسم: الألبان والأجبان الخالية من الدسم.

  • الدهون الصحية غير المشبعة: السمن النباتي الغني بالدهن غير المتعدد الإشباع، زيت بذور الكتان، المكسرات (الجوز واللوز)، والأفوكادو.

  • الألياف: الخضار والفواكه والحبوب الكاملة والقرنيات (حمص، فول، عدس).

أطعمة مفيدة للبروستاتا

مصادر الأحماض الدهنية الأساسية والجرعات الموصى بها

  • مصادر طبيعية: أفضلها زيت بذور الكتان (Flaxseed Oil)، بذور اليقطين، بذور دوار الشمس، الجوز، واللوز.

  • المكملات الغذائية: يمكن الحصول عليها عبر أقراص مصنعة. يجب استشارة الطبيب لتحديد الجرعة المناسبة لك. وننصح بتناول هذه الأقراص مع أقراص فيتامين E ومع الوجبات الغذائية.

إضافة إلى ذلك يجب أن تتحقق من حصول استهلاك كافٍ لتلك الدهون المفيدة ونقصد بها الحوامض الدهنية الأساسية الضرورية؛ لأن لها تأثيرًا مفيدًا للبروستات وللصحة عمومًا.

الحوامض الدهنية الأساسية حليف البروستاتا القوي

في سنة 1940م لاحظ طبيبان أمريكيان أن بعض المرضى الذين كانوا يتلقون جرعات كبيرة من فيتامين F (الذي هو اسم آخر للحوامض الدهنية الأساسية EFA) أظهروا تحسنًا ملحوظًا في حالة تضخم البروستات عندهم. ولقد تابع هذان الطبيبان بحوثهما بتجارب عيادية على بعض المرضى باستعمال هذه المقاربة، أي بإعطائهم جرعات مرتفعة من فيتامين F. وإليكم بالتفصيل ما فعله هذان الطبيبان:

فوائد الحوامض الدهنية الأساسية للبروستاتا

أولًا: عملا على جسِّ حجم البروستات المتضخمة عند كل مصاب مشترك في التجربة (الجس هو الفحص باللمس)، وبعدها أخذ الطبيبان عينة من بول المصاب، وعملا سجلًا مفصلًا بعوارض كل مصاب، خاصة مشكلاته البولية بما فيها ضعف تدفق البول والبول الرذاذي المتقطع وسلس البول أو الاضطرار للتبول خلال الليل والتهاب المثانة Cystitis.

ثم عمل الطبيبان على التحقيق مع المرضى بعمق لاستثناء إمكانية وجود عناصر أخرى مثل المشكلات الهرمونية أو الخلل في التوازن الغذائي. وتم أخذ عينات من الدم لملاحظة المستويات المختلفة للدهون ومواد أخرى، وتمت مراقبة مستويات الهرمونات. وأخيرًا تم تنفيذ برنامج إعطاء المرضى أقراص فيتامين F أو الحوامض الدهنية الأساسية.

بعد ذلك تمت إعادة الفحص شهريًّا بحيث كُررت الإجراءات المذكورة كلها كل شهر على مدى أشهر عدة، وبحيث كان على المرضى الإبلاغ أسبوعيًا عن أي تغيرات لاحظوها خلال تلك الفترات.

وكانت النتائج مثيرة للإعجاب حقًا، فلقد أظهرت كل الحالات التي خضعت للتجربة انخفاضًا في كمية البول الراكد (المترسب) في المثانة بعد التبول. وهذا البول يجعل المثانة قابلة للالتهاب لأن البول غير المتحرك والجامد يُعد مكانًا مثاليًا لنمو البكتيريا والجراثيم. وبين 12 شخصًا من نحو 19 شخصًا أكملوا التجربة المذكورة حصل غياب كامل لأي ترسب بولي في نهاية الفترة العلاجية، وبذلك غياب أي إشارة إلى التهاب في المثانة لوحظ قبل التجربة.

وحصل عند 13 شخصًا بين المرضى كلهم توقف وإزالة الحاجة إلى التبول خلال الليل، في حين حصل عند كل المرضى انخفاض في نسبة الإرهاق وآلام الساقين، فضلًا على زيادة الرغبة الجنسية أو الاهتمام الجنسي.

كذلك توقف البول الرذاذي المتقطع عند 18 مريضًا بين 19 مريضًا شملتهم التجربة، مع تزايد سرعة تدفق البول. وفي كل الحالات حصل انخفاض سريع في حجم البروستات، وهذا تحقق بفحص الجسِّ أو اللمس بالإصبع Palpation.

وأظهر كل المرضى حماسًا لتحسن صحتهم العامة وأولئك الذين كان التحسن عندهم أقل من غيرهم كانوا يملكون تاريخًا بالإصابة بالتهابات الأمراض الزهرية (خاصة التعقيبة أو السيلان) في الجهاز البولي التناسلي.

فوائد تتجاوز البروستاتا

لا تتوقف المؤثرات المفيدة للحوامض الدهنية الأساسية عند هذا الحد، أي مع البروستات، بل هي تساعد على منع ترسبات الكوليسترول في الشرايين، وتعزز صحة الجلد والبشرة والشعر، وتمنح وقاية ضد المؤثرات السيئة لأشعة إكس؛ وهي تحسِّن وتدعم وظائف الغدد في الجسد وتساعد على توافر الكالسيوم للخلايا، وتحارب أمراض القلب والشرايين، وتساعد على إحراق (تأيض) الدهون المشبهة ما يخفض إمكاناتها المؤذية ويساعد على تخفيض وزن الجسد.

وتوجد مصادر عدة آمنة للحوامض الدهنية الأساسية، وأفضلها زيت بذور الكتان (Flax Seed) وبذور اليقطين وبذور دوار الشمس. وكذلك تتوافر الحوامض الدهنية الأساسية بكثرة في الجوز واللوز وثمر الأفوكادو (ولا يحتوي جوز الكاجو، أي كاجو، على مستوى مرتفع من هذه الحوامض).

مصادر الحوامض الدهنية الأساسية

وهكذا يوافر تناول السلطة الطازجة كل يوم مزينة ببذور دوار الشمس والمكسرات الطازجة وزيت بذور الكتان مع إضافة هذا الأخير إلى طبق حبوب الكمية الكافية من الحوامض الدهنية الأساسية في الغذاء.

ويمكن للجسد إنتاج حوامض دهنية ضرورية أخرى في حال تضمنها كميات كافية من حامض اللينولييك (حامض زيت الكتان) الموجود في مجموعة واسعة من الأطعمة بما فيها الخضار والحبوب.

وإلى جانب إضافة الأطعمة الغنية بهذه الزيوت والحوامض إلى الغذاء، يمكن الحصول على هذه الأخيرة أيضًا بتناول أقراص أدوية مصنعة خصيصًا لتوفير الكميات والأشكال الصحيحة للحوامض الدهنية الأساسية.

وننصح بتناول هذه الأقراص مع أقراص فيتامين E وتناولها مع الوجبات الغذائية وفي أوقاتها. كذلك من المهم إدراك أن الحوامض الدهنية الأساسية التي يطلبها الجسد تزيد بفعل الاستهلاك المتزايد للكربوهيدرات (مثل السكر والمواد النشوية) CARBOHYDRATES.

أما الجرعة الموصى بها من أقراص زيت بذور الكتان (مع التحقق من الحصول على الأقراص المخصصة للاستهلاك البشري) فهي بمعدل ملعقة إلى ملعقتي طعام من هذا الزيت يوميًا. كذلك يتوافر زيت زهر الربيع primrose في مخازن متخصصة -والذي يسمى أيضًا (آذان الدب)- وهو ممتاز على الرغم من كونه وسيلة مكلفة للحصول على الحوامض الدهنية الأساسية.

والجرعة الموصى بها منه هي بين 500 و1000 ملليغرام يوميًا (كبسولة واحدة أو كبسولتان). من ناحية أخرى هنالك وسيلة أخرى غير مكلفة للحصول على كمية كافية من هذه الحوامض وهي تناول كمية من بذور اليقطين مع/ أو بذور دوار الشمس مرتين يوميًّا.

وهكذا يحقق تجنب الزيادة في استهلاك الدهون المشبعة (مثل اللحوم ومنتجات الألبان والأجبان) والمواد السكرية والتحقق من تناول كميات كافية من الحوامض الدهنية الأساسية للحفاظ على الصحة العامة وصحة البروستات.

في الختام، يتضح أن صحة البروستاتا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما نضعه في أطباقنا. إنها ليست مسألة حظ فقط، بل هي نتيجة تراكمية لخياراتنا اليومية. الرسالة واضحة وبسيطة: تقليل الدهون المشبعة والسكريات المكررة، وزيادة تناول الدهون الصحية الغنية بالأحماض الدهنية الأساسية والألياف، يمثل استثمارًا مباشرًا في صحتك على المدى الطويل. إن اتخاذ خطوات استباقية للتحكم في نظامك الغذائي اليوم هو أقوى وسيلة للدفاع عن صحة البروستاتا في المستقبل، ولكن تذكر دائمًا أن تبدأ هذه الرحلة بالتشاور مع طبيبك لوضع الخطة الأنسب لك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.