صانعة الرجال.. قصة قصيرة

في يوم من ذات الأيام طلب ملك من صائغه أن يصنع له إكليلاً من الذهب؛ ليتوج به صاحب أعظم عمل من رعيّته.

وهنا بالفعل شرع الصائغ في تنفيذ ما أمره الملك بعمله، وبعد عدة أيام كان الإكليل الذهبي بين يدي عالي المقام (الملك)، عندها جاب المنادون الشوارع ينادون على الرعية من خلال قرع الطبول عن جائزة الملك لأعظم عمل في المملكة وعلى الراغبين في المنافسة المثول أمام الملك، وذلك من أجل أعظم عمل في المملكة لتقديم أعمالهم في اليوم المحدد في ساحة القصر الملكي على مرأى ومسمع من الرعية أيضاً.

وفي اليوم المحدد توافد الشعراء، والعلماء، والرسامون، والحرفيون كل يدلي بدلوه ويقدم ما لديه.  

جاء رسام وعرض على الملك لوحة فنية وخطاً بديعاً ثم عاد وجلس مكانه، وقام رجل يجلس بجانبه يحمل كتباً علمية وحدث الملك عن تجاربه واختياراته، ثم عاد ليجلس مكانه.

قام رجل ثالث كان يجلس بجانبه أيضاً وألقى على مسمع الملك قصيدة رائعة، ثم عاد ليجلس مكانه.

وهنا انتبه الملك لامرأة عجوز تجلس بجانب الثلاثة فحسبها من المشتركين في المسابقة، فقال لها: ما الذي ستقدّمينه لنا أيتها العجوز الموقرة؟

فقالت له: يا عالي المقام، لا شيء لديّ لأقدمه، أنا أم لثلاثة من الأبناء، وكانت لديهم مهارات كثيرة مثل هؤلاء الشباب الذين عرضوا مواهبهم، ولكنهم توفوا جميعاً أثناء المعارك التي خاضتها المملكة، وكنت أرغب في أن أحظى باهتمام الملك كما اهتم أولادي بأمور المملكة.

 عندها خجل الملك من إهمال هذه العجوز، وعندها أمر كبير الوزراء بوضع إكليل الذهب على رأسها تقديراً لها، ومحاولة منه في تعويضها وتقديرها عن فقدها لأبنائها، وقال لها: إن أبناءها هم الأبطال الحقيقيون الذين ضحوا بأرواحهم من أجل المملكة.

وقال على مرأى ومسمع الجميع هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون.

التعليق على القصة

إن أرقى صناعة في الوجود هي صناعة الإنسان، فالأسود تلد أسوداً، والأسماك تلد أسماكاً، والطيور تلد طيوراً، ولكن البشر يلدون مادة خاماً قابلة لأن تكون إنساناً رائعاً، وأعظم فنان في الوجود هو الذي يتلقى هذه المادة الخام، ويبدع فيها ليهب هذا العالم إنساناً حقيقياَ.

الأب والأم الأثرياء بالأخلاق والعلم والمعرفة هم من يصنعون إنساناً حقيقياً، فهم من قاموا بعمل عظيم ورائع، ولكن الأعظم والأروع هم الفقراء والبسطاء الأميون أو المتعبون حين يهبون العالم بشراً حقيقيين، حين يخرج المهندس من بيت الخياط، والطبيب من بيت عامل النظافة، ويخرج إمام المسجد أو قس الكنيسة من بيت النجار، ويخرج الكاتب وأستاذ الجامعة وصاحب الشركة والوزير من بيت الإسكافي والحداد وعامل المحطة وصاحب محل البقالة، فكن على يقين أنه لا أعظم من هؤلاء إلا أولئك الذين صنعوهم ليكونوا على ما هم عليه الآن.

إن أحقر إنسان في الوجود هو ذلك الذي وصل لمرتبة عالية سواء في العلم أو في المركز الاجتماعي أو الثراء، ويشعر في قرارة نفسه بالحرج والخجل من والديه البسيطين، فبدل الخجل والحرج على هذا الفرد أن يشعر بالفخر والزهو والامتنان بوالديه، فقد استطاعا تحقيق معجزة من لا شيء.

أما أنتم يا معشر الآباء والأمهات البسطاء ارفعوا رؤوسكم عالياً متباهين بعملكم وتعبكم مع أبنائكم للوصول لما هم عليه الآن.

(كل جسر أنشأه أبنكما المهندس أنتما أنشأتماه قبله، وكل مريض عالجه ابنكما الطبيب أنتما عالجتماه قبله، وعلى كل ولد وابنةٍ صالحة أنتما ربيتماهما ربحتما، فأنتم أبطال فعلاً لكل قصة نجاح لأبنائكم، أنتم الأبطال الحقيقيون وإن لم يضعوا على رؤوسكم إكليلاً من الذهب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة