شيفرة الصحراء وتقارير يوسف السرية: الهروب الكبير

في عتمة الممرات الضيقة وصمت الصحراء المتربص، تجد ليلى نفسها في سباقٍ مرعبٍ مع الزمن، حيث لا صوت يعلو فوق دقات قلبها المتسارعة وصوت تحطم الأبواب خلفها، حيث تبدأ رحلة فرارٍ محفوفةً بالمخاطر، لتكتشف أن النجاة ليست في الهروب من الرجال ذوي البزات السوداء فحسب، بل في فك لغز الأشخاص الذين ظنت أنهم رحلوا للأبد، والذين ينتظرونها الآن في زوايا سوق نايف المظلمة.

أبجدية الأرقام: فك رموز الحروف السبعة

الظلام كان ثقيلًا كالكفن.

ليلى زحفت إلى أقصى زاوية في غرفة الاختباء الضيقة، أصابعها لا تزال تلمس الورقة المطوية بنقوش البرايل. سبعة أحرف. ت – ذ – ك – ر – ي – م – ج. سبعة أبواب مغلقة في وجهها.

خارج الباب الخفي، سمعت صوت معدن يحتك بمعدن. كانوا يقصون المفصلات.

- الجدار خلف الرفوف! أحدهم صرخ. هناك فراغ!

الوقت ينفد.

أشعلت شاشة الهاتف النظيف الذي أعطاه إياها سالم، ذلك السائق العجوز الذي ظنته مات قبل ساعة. الضوء الأزرق ارتطم بوجهها الشاحب. فتحت تطبيق الملاحظات وكتبت:

ت ذ ك ر ي م ج

أبجدية الأرقام. تذكرت دروس يوسف السخيفة، ليالي الأحد التي كان يشرح فيها شيفرات قديمة وكأنها قصص قبل النوم.

- الحرف الأول في الأبجدية هو «أ»، رقمه 1. الحرف الثاني «ب»، رقمه 2. هكذا حتى «ي» رقم 28.

يداها ترتجفان، لكنها بدأت:

ت = 22
ذ = 9
ك = 22
ر = 10
ي = 28
م = 24
ج = 5

22, 9, 22, 10, 28, 24, 5

- ماذا الآن؟ همست لنفسها.

ثم تذكرت الإحداثيات. خط الطول وخط العرض. درجات ودقائق وثوانٍ.

22° 9' 22" N, 10° 28' 24" E

هذا لا يمكن. هذه الإحداثيات تقع في وسط الصحراء الكبرى، في ليبيا. لا علاقة ليوسف بليبيا. خطأ. خطأ في الترجمة.

أعادت الحساب. ربما الأرقام ليست درجات، بل دقائق وثوانٍ فقط. ربما خط العرض هو 22° N، وخط الطول 10° E؟

أقرب. هذا في صحراء العين، الإمارات. على الحدود مع عُمان.

هناك، في ذلك الفراغ الأصفر، كان أول مكان قال فيه يوسف «أحبك».

 مطاردة الأنفاس الأخيرة في ممرات التهوية

الرجل الثالث صرخ من الخارج:

- الباب سيسقط! ابتعدي عن المدخل!

لم يكن الباب الخفي بابًا حقيقيًا. كان غطاء تهوية. الرجال لم يكتشفوا آلية الفتح، فقرروا تحطيمه.

التفتت ليلى إلى الخلف. الرف المعدني الثقيل. خلفه فتحة تهوية ضيقة، لا يتجاوز عرضها خمسين سنتيمترًا.

خمسون سنتيمترًا. جسدها سيعبرها بصعوبة، لكنه سيعبرها.

جرَّت الرف إلى زاوية الغرفة، صرير معدني يصمُّ أذنيها. صعدت فوقه، دفعت غطاء التهوية بكتفيها، انفتح على ممر مظلم، ضيق، رطوبته تقطر على وجهها.

زحفت.

جرَّت الرف إلى زاوية الغرفة، صرير معدني يصمُّ أذنيها. صعدت فوقه

في الخلف، سمعت صوت الباب الخفي يتحطم.

- في فتحة التهوية! وراءها!

زحفت أسرع. المعدن يجرح ركبتيها، كعب حذائها انكسر وعلق في فجوة، تركته وراءها. لا وقت.

الممر تفرع. يمين أم يسار؟

تذكَّرت برج خليفة. كانت تنظر إليه من شرفتها كل ليلة. اتجاهه من المرآب؟

يسار.

زحفت يسارًا.

سطح المرآب

فتحة التهوية انتهت عند جدار خرساني. لا مخرج.

لكن تحت يديها، شعرت بحافة معدنية. مقبض. باب صيانة.

دفعته.

انهمر هواء الليل على وجهها، بارد، مالح برائحة البحر. كانت على سطح المرآب، تحت سماء دبي المضيئة، برج خليفة يشق الغيوم على بعد أميال.

مواجهة السطح: حقيقة تقارير يوسف الصادمة

ركضت نحو حافة السطح.

ثم سمعت الصوت:

- ليلى.

توقفت. تجمد جسدها.

الرجل الذي سحق إناء الورد كان يقف على بعد خمسة أمتار منها، مسدسه موجه نحو الأرض، لا نحوها. ليس بعد.

- يوسف يعتقد أنك تستطيعين الهرب مني. أنت تعرفين لماذا؟

لم تستطع النطق.

- لأنك كنتِ دائمًا الأذكى بينكما. هو يعترف بذلك في تقاريره.

تقاريره؟

أي تقارير؟

صوتها خرج مبحوحًا، مكسورًا.

ابتسم. تلك الابتسامة الباردة.

- عن زوجته الجميلة. عن قدرتها على البقاء. عن حبه لكِ. تقارير مطوَّلة، مفصَّلة. نقرأها جميعًا.

رحلة الجنون في شارع الشيخ زايد

لم تفكر. جسدها تحرك قبل أن يقرر عقلها.

ركضت نحو حافة السطح، قفزت فوق الحاجز الإسمنتي، هبطت على سطح سيارة توصيل كانت تغادر المرآب للتو.

صوت الطلقة الأولى شق الهواء فوق رأسها.

السائق صرخ، انحرفت السيارة، كادت تصطدم بعمود إنارة.

- اهدأ! اهدأ! صرخت في وجه السائق الشاب المصاب بالذعر. فقط قُد!

السيارة انطلقت في شارع الشيخ زايد، تتخطى السيارات، تتجاوز الإشارات الحمراء.

في المرآة الجانبية، رأت الرجال الثلاثة يقفون على حافة السطح، ينظرون إليها، لا يطاردونها.

لم يكونوا بحاجة للمطاردة.

كانوا يعرفون أين تذهب.

لقاء سوق نايف: أسرار سالم التي لا تنتهي

بعد خمس دقائق من القيادة المجنونة، أمرت السائق بالتوقف في زقاق خلف سوق نايف.

- أنا آسفة. همست وهي تخرج من السيارة. آسفة جدًا.

دخلت السوق القديم، تختلط بالجموع، برائحة البهارات والذهب والعرق.

لكنها لم تكن تعرف أين تذهب.

كانت الساعة الثالثة صباحًا. كل الفنادق ستطلب هوية. كل محطات الشرطة ستسلمها لهم.

وقفت في زاوية مظلمة، تتنفس بصعوبة، قلادة يوسف الباردة تخدش صدرها.

ثم رأته.

الرجل العجوز، الجالس على كرسي خشبي أمام محل إلكترونيات مغلق، يدخن سيجارة طويلة، وينظر إليها.

سالم.

سائقهم القديم. الرجل الذي أوصل يوسف إلى المستشفى حين أصيب بالتهاب الزائدة الدودية في السنة الأولى من زواجهما. الرجل الذي كان يحضر الكعك لليلى في عيد ميلادها.

- كنت أعرف أنك ستأتين. قال بهدوء، وهو يطفئ سيجارته.

ليلى نظرت إليه، عيناها تدمعان.

- ماذا يحدث، سالم؟ من هؤلاء الرجال؟ أين يوسف؟

نظر إليها سالم بعينين حزينتين، عميقتين، تحملان أسرارًا عمرها سنوات. قال:

- تعالي معي. ليس لدي وقت طويل.

يتبع...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.