شيء مما يكبُت في صدورنا..


مُنذ زمن وأنا أكتب عن الأمل والتفاؤل والحُب، وأستشرق شمس المحبة والنور لتسطع بنورها على أحرفي .
وأقتبس من واقعنا صور الإنسانية السمحة التي تُعيننا على الحياة وتدفعنا نحو الأمام.
وأتغاضى عمّا فيه من سوء وأبتعد عنه، أملًا في أن يقل.

ولكن ما أدركته مؤخرًا أن ذلك التغاضي هو جُل الخطأ وسبب الكارثة، وأن تناول سوء المُجتمع وسوداوية الواقع لا يُعد تشاؤمًا كما أفهمونا، وأن تسليط الضوء على الأخطاء والنصح المستمر أملًا في إحداث ولو بصيص تغيير ليس مثالية خرقاء تهدف إلى التفلسف، وأن السائد على ما فيه من زلل وأخطاء جسيمة سيظل سائدًا، لا مجال أو حتى مساحة لبرهة تغيير، والطامة الكُبرى أن مُستنقع الأخطاء الذي نعيش فيه أصبح عند البعض إن لم يكن الأكثرية شيئًا عاديًّا ومقبولًا وكأنه الصواب؛ لأنه وببساطة يفعله الجميع، وتلك المأساة..

وفي مقدمة تلك المأساة أُسلط الضوء على النشء وصغار أُمتنا، فإذا أردت أن تتعرف على أُمة انظر إلى عقول أطفالها، نقب بداخلها لترى مستقبل تلك الأمة كيف سيكون، والحقيقة أن ما نعانيه اليوم هو خير مثال على ما تحتويه عقول صغار هذه الأمة، ولا آخذ عليهم؛ فعقولهم بُنيت من عقول الكبار وتلك مأساة ثانية.
الكبار.. وأي كبار... لعلك اصطدمت بلفظ الكبير قبل ذلك وأرّقك، وذلك أكيد؛ لأنّ مجتمعاتنا وتقاليدنا وعاداتنا تُقدس الكبير، وتضعه موضع الإله بدون أدنى منطقية أو عقلانية تؤكد هذا الفرض، كل ما في الأمر أنه الكبير، وهذا واحد من المقدسات الزائفة لدينا.

فمن حق الكبير أن يظلم ويعتدي ويجور ويتسلط على الرقاب؛ لأنّه الكبير، من حقه أن يُحترم حتى ولو بالقوة، من حقه أن يشتم ويستهزئ ويسخر ودون الرد؛ لأنّه الكبير، من حقه أن تكون أوامره فرمانات لا تُعصى أو حتى تؤجل حتى وإن كانت خاطئة، وكأنّ من حوله عبيد وليسوا بشرًا لأنه الكبير، لا أدري كيف حصل الكبير على تلك الامتيازات أو من أين تسللت إلى العادات والتقاليد لتصبح نصوصًا دستورية لا تقبل التعديل أو حتى الإلغاء، وأي مُخالفة لها توجب النبذ والازدراء، هذه ليست حقوقًا وإنما احتكار للإنسانية التي وهبها الله لنا جميعًا لشخص الكبير، وكبت للحرية ووضعها في زمام الكبير يهبها بمقدار لمن يشاء.
هو أعلم منك بمصلحتك لأنّه الكبير فبكل وضوح أنت لا تفقه شيئًا أو تعرف شيئًا فنفّذ الأوامر أيّها العبد لأنّي الكبير.

الكبير لدينا لا يُناقش ولا يوضح ما سيفعله، كل ما في الأمر أنك لست موجودًا.. تُنفّذ الأوامر بدون نقاش.
حتى العادات السيئة تُباح للكبير، فشرب السجائر والمُخدرات والكحول أمام العامة مُباح لأنه الكبير.
حتى إن الكبير يمكنه أن يعترف أنه يُشاهد الأفلام الإباحية، وأنه يُمارس العادة السرية ولا يُعقب على كلامه لأنه الكبير، يُمكن أن يُهاجم أو يُقوم ولكن سيكون من كبير مثله.
وفي البيت ستسمع حتى من الآباء كثيرًا تلك الكلمة "إنه الكبير"، "هذا كبير" وغيرها رغم الخطأ الفادح ولكنه الكبير.

إذا كان الكبار هكذا فكيف سيكون الصغار!
وبعد أن يكبر صغار اليوم من المؤكد أنهم سيتعاملون من نفس منطلق الكبير.
إنّه جيل يُسلم إلى جيل.
ويجدر الإشارة إلى  أنّي لا أُعمم، ولكن قليلًا من أولئك الذين يتعاملون بإنسانيتهم إن أردنا التعبير الصحيح.

ولا أُنكر أن للكبير احترامًا وتوقيرًا ولكن ليس لدرجة أن يُصبح إلهًا أو يُجعل ما سواه عبيد.
وها أنا أقترب من عامي العشرين، وفي سنوات عُمري الماضية وأنا أبتعد عما أسلفنا من صلاحيات زائفة، لا أُمارس سلطات مطلقة على من هم دوني بحجة أني كبير أو خلافه من تلك التُرهات الفارغة، ولا أنكر أن هناك زلات وسقطات في مستنقع تلك الأفكار، ولكني دومًا كُنت في مُجاهدة مستمرة، كُنت دومًا أرى أن هُناك خللًا جسيمًا ومُصيبة كُبرى.

والغريب أني كُنت أشعر دومًا بأني وحدي من يرى هذا الخلل وتلك المُصيبة.

وفي مجتمعاتنا التي تدعي التدين وتقدس النصوص الدينية وتجاهر بذلك، والحقيقة أنهم أبعد ما يكونوا من التدين، والنصوص الدينية ما هي إلا أقوال لديهم يتناقلونها فقط بدون تطبيق عملي وفعلي لتلك النصوص فهم أشبه بالببغاوات بل هُم أضل سبيلًا.

وإن كُنا على خطأ فأين هُم من هذا الحديث الذي يمحو كل تلك العادات والتقاليد التي وضعوها؟ ولا شك أننا جميعًا بلا استثناء نعرفه ولكن لم نفهمه، نعلمه الصغار كي نبين لهم كم نحن متدينين ونعرف ديننا ونرحمهم والعكس من ذلك تمامًا.

فعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ﷺ أنه قال:
"ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرنا". رواه الألباني.
الأمر جاء أولًا للكبير الذي جعل نفسه لها، لم يأت للصغير..
المعادلة من شقين رحمة الكبير بالصغير ستضفي إلى أن يوقر الصغير ذاك الكبير، التوقير الناتج عن التسلط والعنف لا يُسمى توقيرًا وإنما مذلة.
الرحمة هُنا معاملته كإنسان.
لأن هذا يأخذنا إلى الحديث الثاني.
حيث أخبرنا سهل بن سعد الساعدي ـرضي الله عنه- أنه:

"أُتِيَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَدَحٍ، فَشَرِبَ منه، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ القَوْمِ، وَالأشْيَاخُ عن يَسَارِهِ، فَقالَ: يا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لي أَنْ أُعْطِيَهُ الأشْيَاخَ، قالَ: ما كُنْتُ لِأُوثِرَ بفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يا رَسولَ اللَّهِ، فأعْطَاهُ إيَّاه". رواه البخاري.
النبي يستأذن غلامًا في أن يشرب الأشياخ قبله فيرفض فيتقبل النبي ويجعله يشرب قبلهم (هكذا يُربي الرّجال)..
تلك المدرسة المُحمدية التي افتقدناها في عصرنا هذا.

والموقف الثالث: حينما مرّ عمرو بن العاص ـرضي الله عنه- على حلقة من قريش فقال:
"ما لكم قد طرحتم هذه الأغلمة (يقصد الصغار)؟ لا تفعلوا! أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه؛ فإنهم صغار قوم أوشكوا أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم فأنتم اليوم كبار قوم".
لا شك أن تراثنا مليء بما يُثبت ما نرمي إليه، وما نقصده، ويصعب حصرها هُنا فتلك نماذج من عشرات..
تلك النماذج تنفي لفظ ما يُسمى بالكبير بل تمحوه.

ولكن الحقيقة المُدوية والمُرة في مجتمعاتنا أنّ المعرفة أصبحت جنونًا، والعلم تخلفًا، والثقافة تفلسفًا وتكبرًا، والاختلاف نبذًا ونظراتِ ازدراء من كل جانب لمجرد مخالفة السائد والمعروف، وأصبحت الساحة مُتاحة لأراذل وجُهلاء المجتمع يقتنصون أصحاب الفكر والثقافة بأبشع التهم لمجرد إبدائهم رأيًا مُخالفًا فقط، وأي دهشة فعلى مدار التاريخ يدعي الجاهل المعرفة والعلم ويتهم الآخر بالجهل، ويتوارى من لديه بصيص من العلم خلف خلوته هروبًا منهم إلى مماته، وفي النهاية يعودون لكلامه ولكن بعد فوات الأوان، هكذا تكون نهاية المُصلحين وأصحاب الفكر في كل زمان، ونتعجب أين اختفوا في زماننا هذا؟

الحياة أقصر مما نتخيل، ولا وقت لديك لتدخل الجميع في حسابتك، صلاح هذا العالم يكون من مجاهدة كل لنفسه وعدم تركها لهواها..
وهذا ما دعا له شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي، فقد كان شمس  والرومي في عصر سادته روح التعصب والنزاعات الدينية، دعا شمس إلى روحانية عالمية شاملة، مشرعًا أبوابه أمام جميع البشر من مختلف المشارب والخلفيات، وبدلًا من أن يدعو إلى الجهاد الخارجي، الذي يعرف بـ "الحرب على الكفار" الذي دعا إليه الكثيرون في ذلك الزمان، تمامًا كما يجري في يومنا هذا، ودعا الرومي إلى الجهاد الداخلي، وحدد هدفه في جهاد "الأنا" وجهاد "النفس" وقهرها في نهاية الأمر.

لكن أفكاره لم تلق ترحيبًا من جميع الناس، ولم يفتحوا جميعهم قلوبهم للمحبة، وأصبحت الرابطة الروحية القوية بين شمس الدين التبريزي والرومي نهبًا للشائعات والافتراءات والهجمات، وأسيء فهمهما، وأصبحا موضع حسد، وذم، وحط الناس من قدرهما، وخانهما أقرب المقربين إليهما، وبعد مضي ثلاث سنوات على لقائهما انفصلا على نحو مأساوي، بقتل التبريزي.

ومُنذ زمن وأنا أبحث عن خليل يُشبهني وأشبهه ولكني فقدت الأمل، فقدت الأمل في أن أجد خليلًا مثل أبي بكر -رضي الله عنه-، فمن مثل أبي بكر يشارك صاحبه نبينا في عدم التعبد للإلهة الزائفة والابتعاد عن المُنكرات قبل نزول جبريل وغيرها، ثُمّ ها هو يحمل معه لواء الدعوة، يصدقه دون أدنى شك، لا يسخر منه أو يتهكم عليه، فمن مثلك يا أبا بكر؟

وبعد فقدان الأمل أدركت أن الله سبحانه وتعالى هو كل شيء، وأن الله هو الوحيد الذي يملأ وجداني لذلك ترفعت عما دونه، وأدركت أن الخلوة هي من ستوصلني إلى ربي.
وهناك قول عن النبي ﷺ "لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب"، والحقيقة أنه لا يملأ قلب ابن آدم قبل جوفه إلا الله سبحانه وتعالى، فابن آدم يوارى في التراب، ولو عاد لظلم وسفك الدم وسعى في الأرض فسادًا.
أما إذا ملئ قلب وجوف ابن آدم بالله أصبح خليفته حقًا في هذه الأرض. 

بقلم الكاتب


كاتب وباحث في مجالات متعددة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث في مجالات متعددة