شهادة حية من قلب الجحيم (السودان) الجزء2

انتظرنا لحظات كأنفاس الميت الأخيرة مملوءة بالرعب والصمت.. ليتوقف صوت الرصاص قليلًا، وها نحن نسرع إلى الباب.

أمي تمسك أيدينا بقوة ما مصير هذه المسكة هل تدوم أم نفترق؟

الشارع  صامت كأنه لم يحتو يومًا أرواح بشر.

بخطوات سريعة ومترددة نعدو إلي أين لا نعلم؟!

استجمعت قوتي ونطقت كلمات تتلعثم من الخوف 

أمي إلي أين نذهب الآن؟!

أمي: صديقتي في جبرة الحي الأول ربما هم أفضل حال من هنا، سنذهب إليهم اليوم فقط، وغدًا إن شاء الله ستقف الحرب!

أختي الصغيرة: متي غدًا أمي أنا خائفة هل يقطعونني أم ماذا يفعلون بنا؟!

أمي:  لا يا حلوتي وضمتها لتطمئن. ما إلا ساعات وستقف الحرب ولن أترك يدك أبدا مهما حدث.

نحن نسرع بين الشوارع كأننا أول مرة نمشي علي الأرض وباتت الشوارع غريبه كأنها أول مرة نراها.

ننظر من بعيد إذ مجموعة من المليشا تقيم أمام أحد المنازل، نعم كانوا عاديين بشر مثلنا، ولكن امتزجت أشكالهم بأصوات الرصاص وصرخات الأطفال وتدمير منازلنا، كيف عسانا نراهم وكل هذا الرعب والخوف.

رجعنا إلى شارع آخر حتي لا يروننا. 

وصلنا إلى منزل صديقة أمي العزيزة للحقيقة، إننا أفضل حال منهم، فقد نزل صاروخ علي المبني وانهال كل المنزل.

لقد نجو بأعجوبة.

رحبت بنا على الرغم من الخوف الذي يملأ وجهها وأطفالها. 

الآن أصبحنا ثلاث أسر بلا مأوى، أطفال ونساء، ما الحل والمليشيا في كل مكان؟

انتشر خبر اختطافهم البنات والنساء ما زادنا رعبًا، حقيقة ليس خبرًا.

ذهب زوجها ورافقه ابن الأسرة الثالثة بحثًا عن مكان آمن لنا جميعًا. أخيرًا وجدوا منزلًا مهجورًا فيه غرفة واحدة لا تحتوي سقفًا، ليس فيه كهرباء ولا ماء، مملوء بالحجارة، لا أدري متى دخل فيه إنسان آخر مرة!

فجأة قال زوجها: لا تخافوا، ستنامون هنا حتى الصباح فقط. هذا المكان الوحيد الذي لن يتخيل أحد أنكم هنا، ونحن سنحرسكم من بعيد حتى لا نلفت الأنظار، سأذهب وآتي ببعض الماء للأطفال، وإذا وجدت بعض الخبز أو البسكويت لهم، فلن يناموا جوعى.

دخلنا إلى المنزل، كيف سننام دون أسرَّة ولا مراتب؟ كنت أقول في نفسي: أين أنت يا منزلنا الجميل؟ يا له من كابوس مرعب! صديقة أمي وجدت كرسيين خشبيين قد ضمتهما إلى بعضهما، ووضعت بعض الحجارة لأن أرجل الكراسي كانت متهالكة، لكن مع الحجارة ثبتت. وضعت صغيرتها وأخي ذا الـ 3 سنوات، أحدهما مخالف للآخر، على الكرسيين.

أما الجارة الأخرى فقد وجدت طاولة خشبية قديمة ليس لها أرجل، فقط سطح الطاولة، أخذت تشق ثوبها نصفين ووضعت نصفه فوق الطاولة ووضعت أطفالها هناك.

أمي تبحث في كل مكان، ونحن بين الصدمة والخوف والتعب لم نكن نشعر بالجوع، فالخوف كان يسيطر على كل حواسنا.

وجدت أمي فراشًا قديمًا نصفه فوق الحجارة والنصف الآخر مدفون تحتها، وأخذت تسحبه نحوها حتى تصاعد الغبار وتمزق الفراش نصفين.

أختي الصغيرة بدأت تبكي، وأخذنا نهدئ منها ونشغلها بأنه تمثيل وغدًا نعود لمنزلنا سالمين.

لم نتذكر في هذه الليلة الحشرات والثعابين ولا أي شيء، فهناك ما يخيف أكثر: أولئك الملثمون مخفيو الوجوه. هدأت قليلًا، وضعت أمي الفراش في الجانب الثالث، وجمعت النصفين قرب بعضهما لنا نحن، وهي جالسة على صخرة.

نعم كلنا في هذه الغرفة الموحشة المظلمة، من يقوى على الجلوس خارجها لا شك أنه مجنون! وها هي أصوات الرصاص والأسلحة الثقيلة من جديد.

ليس لدي خبرة كافية بأسماء الأسلحة، لكن أؤكد لكم أنهم استخدموا كل أنواع الأسلحة. فمن قوتها تكاد تتشقق الأرض، ومن صوتها نكاد نُصرع.

لم يعد زوج صديقة أمي ولا ابن الجارة، وها هم الأطفال يبكون من الخوف والجوع، فقد مرَّ نهار كامل دون أكل ولا شرب، وأصوات الأسلحة زادت الأمر سوءًا.

نحاول أن نسكتهم حتى لا تسمع المليشيا صراخهم، الآن وبعد مرور ساعات من الرعب والخوف، فاز علينا النعاس، لعل النوم يخفف ألمنا وخوفنا ونستيقظ على واقع خالٍ من أصوات الرصاص. الأمهات لم ينمن، الأم تضحي دائمًا... (يتبع).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة