شكلوهم قبل أن يشكلوا

السلام على آباء وأمهات العالم، عساكم بخير جميعًا، أتمنى لكم ولأبنائكم السلام والسعادة في الدنيا والآخرة، وأتمنى لكم حصاداً طيباً لكل ما بذلتموه وتبذلونه وستبذلونه من جهد في تربية أبنائكم، ولكن يؤسفني أن أقول أن معظم فكرة الآباء والأمهات عن الجهد المطلوب للتربية مقتصرةٌ على المأوى الجيد، وتوفير كل ما يحتاج إليه ويطلبه الأبناء، والسعي من أجل ذلك دون تقصير، وهذه هي الفكرة السائدة إلى جانب الحرص من قبل البعض وليس الكثيرين على تنشئة أبنائهم على الأخلاق، والقيم، وحبّ التفوق الديني والعلمي في المقام الأول إلى جانب الحرص بكل ما أوتوا من قوة على توفير ما يحتاج إليه أبناؤهم دون تقصير.

ولكن كانت وما زالت الشكوى الغالبة من قبل الكثير من الآباء والأمهات ولا سيما في عصرنا الحاضر أن كثيراً من القيم التي ينصحون أبناءهم بها، ويحاولون أن يربوا أبناءهم عليها يغيّرها المجتمعُ ويشكّلها تشكيلاً آخر بعيداً عن القيم المنوط غرسها في الأبناء، تشكيلاً سيئاً مضيّعاً لمجهودات قد تكون كبيرة من أجل إخراج منتج نقيّ إلى المجتمع، ولكن المجتمع قد يعكّر صفو هذا النقاء شيئاً فشيئاً بإعادة تشكيل ما تم تشكيله وغرسه من قيم.

ولكن على الجانب الآخر قد نجد العيب من التنشئة نفسها، أقولها ولا أخفيكم سراً أن كثيراً من الآباء والأمهات يعتقدون بصحيح تربيتهم وهم يفسدونها، فعلى سبيل المثال تجد البعض منهم تغلُب على أسلوب تربيته القسوة ظناً منهم أن هذا هو الأسلوب الصواب في التربية، فتخرج للمجتمع شخصياتٌ هشةٌ فاقدةٌ للثقة بنفسها، وفي أول عثرات الحياة تجد تشتتاً وانهياراً.

وهنا آباء وأمهات لم يهتموا بالتربية الصحيحة على أساس قوي من العلم والدين، فخرج الأبناء متأثرين بكل ما يلقونه من ألفاظ أو أفعال سيئة، ولم يتقنوا فن انتقاء الجيد من الرديء من القول أو الفعل، فقد حاول الوالدان القيام ببعض من التشكيل الجيد، ولكنه تشكيلٌ لم يكن قوياً وكافياً لمنع التأثر بما يطرأ عليهم، وبما يتلقونه من أقوال أو أفعال ذميمة من المجتمع المحيط.

ويأتي علاج تلك المشكلة في جملة واحدة كفيلة بالأخذ بمنهاج التربية إلى مسلك عظيم بإرادة الله عز وجل ألا وهي: (شكّلوهم قبل أن يشكلوا).

شكّلوهم على كل جميلٍ قولاً وفعلاً قبل أن يُشكّلوا من قبل المجتمع بالتأثر بالسيئ من القول أو الفعل، وذلك عن طريق الدين، فعلموهم تعاليم وأصول دينهم، وحاولوا أن تحفّظوهم القرآن الكريم مبكراً ثم اتركوهم للعالم، وحفظ القرآن، وتعلّمه، وتعلم أصول الدين، وفهم ما يتعلق بالحلال والحرام، وتعليم الخشية من الله عز وجل كلّ ذلك كفيلٌ أن يجعلهم متقنين انتقاء واتباع الصواب من الخطأ، ومعرفة ما يتناسب ويتماشى مع دينهم دون التأثر بكل ما يتلقونه من الوسط المحيط، ومواقع التواصل الاجتماعي، كما أن أساساً قويّاً من الدين يوجه الأبناء إلى الاهتمام بالعلم؛ لأنهم يكونون قد عرفوا بأن طلب العلم فرض، فيزدادون ديناً وعلماً وخلقاً دون التأثر بمجتمع يعتبر الرسوب في مادة اللغة الدينية ليس بمشكلة لأنها مادة غير مضافة للمجموع فقط، فيخرج الطبيب والمهندس والعالم والمحامي وغيرهم الكثير بمجموع عالٍ دون أساس قويّ من الدّين، ولا قيمة لعلمٍ أبداً دون دين يصونه ويقومه.

دعوا أبناءكم يشعرون أنهم أغلى ما لديكم بالقول والعمل، فلا قيمة لسعي يرضيهم بالمال، وتوفير ما يريدونه في ظل وجود طبعٍ قاسٍ، ولسان جافٍ عن الكلمة الطيبة، والتحقير والتسفيه وربما السخرية الدائمة من مجهوداتهم، ومقارنتهم بغيرهم، كلُّ هذه الأشياء قادرة على تدمير عقليات وإمكانيات قادرةٍ على إضاءة العالم بأسره إذا أحسن تربيتها، فمفهوم التربية أكبر من مجرد الإنفاق على الأبناء، بل أسسٍ قوية من الدين وتعليم محاسن الأخلاق إلى جانب الكلمة الطيبة، والشكر، والتشجيع على ما يقومون به أكان صغيراً أم كبيراً، وتوفير الدعم النفسي والمعنوي قبل المادي، والاحتواء الدائم  لهم، ومساعدتهم في حل مشاكلهم، والاستماع الجيد لهم، وملاحظة ما يبرعون فيه، ومحاولة تنميته لديهم وتعليمهم الاعتماد على النفس، وأن يكونوا أصحاب قرار وشخصية جذابة وقوية، تلك البذور الجيدة التي سيحصدها الوالدان في الدنيا قبل الآخرة، هي أجمل ثمار عندما يخرج الأبناء فيساهمون في رفعة أمتهم وتقدمها، وعندما يحاسبكم الله عز وجل عنهم تكونون قد بذلتم كل ما في وسعكم من أجل إتمام رسالتكم في الأرض، فأينما وُجد الدين القوي، والقوة النفسية على مواجهة تحديات ومصاعب الدنيا الناجمة عن احتواء الوالدين للأبناء، والدعم المعنوي لهم، وُجد جيلٌ قويٌ لا يتأثر بسفاهات ومفاسد الأمور، ولا يتأثر كثيراً بما يجد من إحباط وصعوبات ومحاولات لهز الثقة بالنفس، فينتصر بذلك تشكيل الوالدين ويصمد أمام أي محاولة تشكيل فاسدة من المجتمع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.