أقف اليوم على أعتاب دخول السنة الجديدة، ناظرةً إلى كل ما فاتني، وإلى كل ما فَوَّتُّهُ.
عيناي تكادان تحترقان من شدة الضوء، ضوءٌ تسرَّب من ذلك الشق في الجدار، ضوءٌ جاء في هذا الوقت وهذه الحال تحديدًا ليصفعني، ويحرق عينيَّ على أمل إنقاذهما من الانطفاء الأبدي.
يسمِّيه أطباء العيون «العمى»، ولكني أسميه انطفاءً، حين يقرر العقل أن يكفيه ما رأى حتى الآن، ولم يعُد راغبًا في رؤية المزيد.
أقف اليوم عاريةً، لا تكسوني سوى قطعة قماش بالية، والدماء تتقاطر من جميع أطرافي.
قدماي متهالكتان، والأصفاد مُقَيَّدَتان بهما، ويدايا متشبثتان بحبل النجاة،
حبلٌ لا تراه عيناي من احتراقهما، ولكن ثمَّة صوتٌ أسمعه، وقررت الوثوق به، بعدما خانني كل شيء.
اجلب مناديلك وتعالَ معي، نحن على وشك إجراء عملية جراحية للذاكرة.
سنفتش فيها بالمشرط عن السبب، عن السبب الذي جعلني على ما أبدو عليه اليوم، مثيرةً للشفقة.
زائرٌ في الغرفة
في طفولتنا، كان أهلنا يقصون علينا قصص الرعب التقليدية كـ«أمنا الغولة» أو «أبو رجل مسلوخة».
وكان الأطفالُ في كل بيتٍ مصري لديهم ذكرى أو اثنتان عن تلك الأساطير، وكأن جينات الآباء المصريين تُصرَف مع التموين عند ولادة طفل في البيت، فنرى أجيالًا لا يعرف بعضهم بعضًا، نشؤوا وكأنهم أطفال بيتٍ واحد.
قصتي أنا كطفلة كانت مختلفة قليلًا. لم يكن الوحش الذي أخاف منه هو «أبو رجل مسلوخة» أو «أمنا الغولة» تلك.
لم يكن أسطوريًا، بل كان حقيقيًا!
ولقد اعتاد زيارتي ليلًا، لا يراه غيري. هو يُجيد التخفي عنهم، ويُظهر نفسه لي أنا وحدي.
لم يكن يُفَوِّت ليلة، دائمًا ما كان هناك، يأتي ليثير في نفسي الرعب، ويجعلني مستيقظةً طوال الليل أرتعش خوفًا.
يأتي دائمًا في أكثر اللحظات هدوءًا، يجلس بجانب طرف سريري، ويحدق في وجهي بصمت.
كنتُ من شدة الخوف لا أقدر على بلع ريقي، ولا أستطيع الصراخ.
أنا خائفةٌ منه، أو تحديدًا، خائفةٌ عليهم منه.
إحقاقًا للحق، لم يكن يُخاطبني في كل الليالي، ولكن عندما يفعل، كان يهمس لي كفحيح الأفعى، قائلًا في أذني: «لقد اقترب الموعد!»
لسنوات، كنت أظن أنه «قدر»، أو «نبوءة» لا بد أنها واصلة.
كنت أتعامل معه كضيفٍ ثقيل الظل، أهيِّئ له فراشي، وأعتذر للعالم عن غيابي لأن «الزائر» لا يود تركي.
لكن، ومع الوقت، وتحت أضواء دراستي للطب، بدأت أُلاحظ ثغرات في منطقه.
هذا الزائر ليس قدرًا، وليس ملكًا، وليس حقيقة.
إنه «وسواس الموت»... ذلك المحتال الذي يسكن في ثنايا الكيمياء المضطربة، ويستغل هشاشة القلب، ليرسم سيناريوهات لا وجود لها إلا في زنزانة عقلي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.