مر منجز الشاعرة العربية على مدار مختلف مراحل وأزمنة الشعر العربي بمراحل متعددة، ابتداء من الشعر النسائي العربي القديم الذي كان يغلب عليه اتصافه بكونه نفثات وجدانية تزكيها معرفة بالشعر بوصفه الفن الأول للعرب، وصولًا إلى قصيدة الشاعرة العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين نصفه الأول كونه حقبة شهدت قفزات متسارعة بعد انفتاح النص الشعري العربي على احتمالات جديدة لنمط القصيدة ومضمونها.
والأهم أن تلك المرحلة هي ذاتها التي شهدت آخر نقلات تنظيرية كان للمبدعة العربية فيها نصيب كبير كيفًا، في حين لا تنشغل هذه الدراسة بالتوقف كثيرًا لدى مظلومية قلة الكم.
ولم تنفصل قضية مناقشة منجز الشاعرة العربية بأي حال عن مسألة تطور الوعي الإنساني، ثم الأدبي، حسب تأخر استقراء هذا المنجز في مختلف مراحله، وغبنه في بعض الأوقات، دون الارتكان إلى أي مظلوميات نسوية غير مستقرة نظريًّا، وفي الوقت نفسه دون تجاهل العامل الجندري المساهم بالضرورة في إنتاج هذا الإبداع ورسم ملامحه.
وقد عانى ما أنجزته الشاعرة العربية، على الرغم من حضوره اللافت والقوي في كل مراحل تحولات النص الشعري قديمًا وحديثًا، من عدم الالتفات الذي يليق به، ابتداء من عدم إلقاء الضوء على إسهاماتها وريادتها لبعض الأغراض الشعرية كما سنناقش في هذا البحث، وصولًا إلى دورها في نهضة الشعر العربي، ابتداء من مرحلته الإحيائية متمثلًا في شعر عائشة التيمورية، وصولًا إلى التنظير لأحد نقلات القصيدة العربية في أنماطها الجديدة على يد نازك الملائكة.

وقد يرتبط مقالي هذا بما يعرف بقضايا النسوية بنقد «غياب الالتفات النقدي» وتعمد تجاهل ريادة الشاعرة العربية لبعض الأغراض، وهو ما تسميه الدراسات النسوية (التغييب المتعمد للمرأة من التاريخ الرسمي). فإشارة النص إلى دور عائشة التيمورية في الإحياء، ونازك الملائكة في التنظير للحداثة، يكسر احتكار الرجل لعملية التأسيس الشعري.
إن استعادة هذه الأسماء لا تهدف فقط لإنصاف المبدعة، بل لتفكيك المركزية الذكورية التي جعلت من منجز المرأة محض نفثات وجدانية هامشية، في حين يثبت النص أنها كانت شريكًا فاعلًا في صياغة التحولات الكبرى للنص الأدبي عبر العصور.
لكن ما أردت إلقاء الضوء عليه في السطور التالية منحىً مختلفًا، ألا وهو الأغراض التي انفردت بها الشاعرة العربية بوصفها امرأة أولًا؛ لا نتحدث عن قصائد فحسب بل عن بصمة نسائية خالصة؛ لأن القصيدة تتحول إلى مرآة لتفاصيل مدهشة وخصوصية مفرطة، لا يدرك كنهها إلا من عاشت التجربة بأنوثتها وأمومتها وتحدياتها.
فدعونا نبحر معًا في عوالم الأغراض التي انفردت بها الشاعرة العربية، لنكتشف كيف صاغت من مشاعرها منظورًا شعريًّا مختلفًا أعاد ترتيب أولويات المعنى في القصيدة العربية، وجعل للبوح نكهة لا تضلها عين القارئ.
الغرض الأول: مداعبة الأطفال في شعر المرأة الجاهلية
إذا كنا قد أشرنا في مقدمة الدراسة إلى أن الشاعرة العربية في توجهاتها وطموحات قصيدتها لم تكن تنفصل عن السياق المجتمعي الذي ترتبط ببعض مكوناته التي يكبلها بعض مكوناته الأخرى، فإن بعض تلك المكونات ستكون مرتبطة بتركيبتها العاطفية والوجدانية في المقام الأول بمرجعية بيولوجية لن يمكننا هنا تجاهلها أو ادعاء عدم بناء التصور الفني على أساس من وجودها، وتأتي في مقدمة تلك المكونات عاطفة الأمومة، وعلاقة المرأة العربية، ولا سيما الشاعرة العربية بأولادها.
وإذ كان من ضمن الخلافات على الإبداع النسوي هو نصيب هذا الإبداع ما يمكن أن يميزه من صفات جوهرية بيولوجية وثقافية ثابتة تحدد هذا الإبداع وتميزه، ما يجعل من مقولة (النساء) أو من مقولة (الأنوثة) جوهرًا متعاليًّا على التاريخ الاجتماعي وهو ما يعاكس القول أن (الأنوثة) ليست إنتاجًا بيولوجيًّا أو طبيعيًّا وليست مسلَّمة أو بداهة نتاج ثقافي وتاريخي[1]، والشاعرة العربية في معظم منجزها في تلك الفترة لها نصيب من الإبداع الأنثوي بمفهومة البيولوجي والاجتماعي والثقافي.
وكانت أهم الدلائل في ذلك علاقة الشاعرة العربية بأولادها كانت تحمل كثيرًا من التفاصيل الإنسانية، وجزء هام من تلك التفاصيل يكون كامنًا في الأشعار التي داعبت بها الشاعرة العربية أولادها حين كانوا أطفالًا، منفوسة بنت زيد الخيل زوجة دريد بن الصمة قالت تدلل ولدها الصغير وترقصه:
أشبه أخي أو أشبهن أباكا أما أبي فلن تنال ذاكا
تقتصر عن مناله يداك[2]
ولأن الشعر في الجاهلية وصدر الإسلام وبدايات العصر الأموي كان من نسيج الحياة اليومية، فإن المرأة كان بإمكانها أن تغزل الشعر على نول التفاصيل اليومية، فالشعر على مستوى الممارسة كان متداولًا لدى العامة بالسليقة السليمة تجاه اللغة، وبالحس الفطري السليم، فكانت الأبيات تقال أحيانًا عفو الخاطر في المواقف الحياتية، وبما أن المرأة جزءًا من هذا النسيج الاجتماعي، فإنه لم يوجد ما يحرك مشاعرها أكثر من أطفالها، فنجد أم الفضل بنت الحارث الهلالية تقول وهي ترقّص ابنها عبد الله بن العباس[3]:
ثكلت نفسي وثكلت بكـــري إن لم يسد فهــــرا وغير فهر
بالحسب الواقي وبذل الوفر حتى يواري في ضريح القبر
فحلم المرأة بالسيادة لابنها هو في حقيقة الأمر تمثيل لمستقبلها هي ذاتها كأم، في هذه الحال، لسيد القوم لأن السياق المجتمعي -حتى بعد الإسلام- كان يضمن لها العزة في هذه الحالة قطعًا.
بلغت ذروة استشراف هذا المستقبل -أو تمنيه- مع آمنة بنت وهب أم النبي عليه السلام -بافتراض ثبوت الرواية- حين قالت وهي في حال النزع، وقد أسفت لتركها ولدها محمدًّا صغيرًا محرومًا من عطف الأب والأم:
بارَكَ فيك اللّهُ من غــلامٍ يا اِبن الّذي في حومةِ الحمـــامِ
نَجا بعونِ الملكِ العـــلّامِ فودي غداةَ الضربِ بالسهــــامِ
بِمائهِ مِن إبــــلٍ ســـــوام إِن صــحّ ما أبصرت في المنامِ
فَأَنتَ مبعوثٌ إِلى الأنــامِ تبعثُ في الحلّ وفي الحــــــرامِ
تبعثُ بِالتوحيدِ والإسـلامِ دين أبيـــــكِ البرّ إبراهــــــــــامِ
فَاللَّه ينهاكَ عن الأصنـامِ أن لا تُواليــــــــــــها مع الأقوامِ
ولعل هذه الأبيات هي الأنضج فيما ورد إلينا في هذا الغرض الشعري الذي اختصت به نساء العرب؛ لأنه ربما حمل بذور نص يحمل وعيًا بتاريخ النبوة في هذه البقعة.
ووردت كذلك أبيات عن ضباعة بن عامر القشيري، حين كانت ترقِّص ابنها المغيرة وتقول:
نمى به إلى الذرى هشام قرم وآبــــــــــــاء له كرام
جحاجح[4] خضارم عظــام من آل مخــزوم هو النظام
والهامة العلياء والسنام[5]
وكأن الغرض من هذه الأراجيز في شعر المرأة العربية كان زراعة الفخر في هذه النبتات اللينة؛ ما يفيد أن المرأة العربية حاولت خلق وسائط إبداعية خاصة بها -على قدر ما أتيح لها من حريات- فهذه هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان صخر بن حرب وأم معاوية بن أبي سفيان تقول وهي ترقص ولدها معاوية:
إن بُنَيّ مُعــــــرَق كريم محبــــــب في أهله حليم
ليـــــس بفحاش ولا لئيم ولا بطخــرور ولا سئوم
صخر بن فهر به زعيم لا يُخلف الظن ولا يخيم
وقد حملت كل أرجوزة قيلت في هذا الغرض السمات الشعرية لعصرها، من اللفظ البدوي الغريب، والتفاخر بالأنساب والأعراق، واختيار بحر يلائم حالة المرح التي تظهرها الأبيات بالأساس، وغيرها من الملامح التي تدل على خبرة سمعية جيدة وانتقائية وواعية للغاية.
الغرض الثاني: رابعة العدوية واستحداث قصائد الحب الإلهي
نسج الشاعر الصوفي قصيدته على منوال الشعراء العذريين، فردد أشعارهم مستخدمًا لغة الحب ورموز المحبين بالطريقة نفسها التي يستخدمها شعراء بني عذرة في تغزلهم بمحبوباتهم، فلا نستطيع التمييز بين ما يتغنى فيه الشاعر الغزلي بالحب الإنساني وما يتغنى فيه الشاعر الصوفي بالحب الإلهي. وقد فضلوا مذهب العذريين؛ لأنهم وجدوا فيه الوسيلة المثلى التي بها يمكنهم التعبير عن أشواقهم وأحوالهم، ولأنهم يقدسون الحب أيضًا[6].

وربما كان من الطبيعي أن تكون الريادة في هذا الغرض الشعري الجديد على التربة الشعرية العربية لشاعرة، لما يوجد لديها من استعداد كبير في إنجاز نصوص تعتمد بالكلية على الوجدان، بحكم تركيبتها النفسية المحتفية بالوجدان للغاية، لتدشن بذلك لباب كبير في الأدب العربي التحق به فيما بعد منجز شعري كبير يخص علامات في أدبيات العرب والمسلمين كالحلاج وابن عربي والسهروردي وغيرهم.
وامتداد أثره إلى عصرنا هذا إنما هو دليل دامغ على أصالة هذا التكوين الإبداعي، يدعمه تفاعل عدد من الشعراء حتى اليوم معه تضمينًا وتناصًّا واستدعاء، ويدلل على قيمته احتلاله لمساحات غير قليلة من البحث الأدبي والنقدي إلى الآن.
انفردت رابعة العدوية بالكتابة في غرض (العشق الإلهي)، ولم يعرف من قبلها الكتابة في ذلك الغرض الشعري، فانفردت فيه بأنها أول من تناول (الحب الإلهي) في شعرها؛ ما يعد دليلًا على أن الشاعرة العربية كانت لديها طاقات شعرية كبرى لكنها طول الوقت كانت محكومة بسياقات اجتماعية تقبل منها وترفض على أسس غير فنية.
ولا يغيب عنا أن ظروف إنتاج هذا الغرض الشعري كانت موازية للسياقات الاجتماعية للعرب وقتها فيما يخص المرأة، وبناء على هذا جاءت بدايات غرض الحب الإلهي في نسق إبداعي يتسفيد من أشعار الغزل العذري وقتها، كقول رابعة:
عَرَفْتُ الهَوى مُذ عَرَفْتُ هواك وأغْلَقْتُ قَلْبي عَلىٰ مَنْ عَاداكْ
وقُمْتُ اُناجِيـكَ يا مَــــــــن تـَرىٰ خَفايا القُلُوبِ ولَسْنا نــــــــراك
أحِبُكَ حُبَيْنِ حُبَ الهَــــــــــــــوىٰ وحُبْــاً لأنَكَ أهْـــــــــــــل ٌ لـِذَاك
فأما الذي هُوَ حُبُ الهَــــــــــوىٰ فَشُغْلِي بذِكْرِكَ عَمَنْ ســــــواكْ
وامّـا الذي أنْتَ أهلٌ لَــــــــــــــهُ فَلَسْتُ أرىٰ الكَــــــــوْنِ حَتــىٰ أراكْ
فلا الحَمْـــــــــــدُ في ذا ولا ذاكَ لي ولكنْ لكَ الحَمْـــــــــــدُ فِي ذا وذاك
والحب الصوفي ظاهره طبيعي وباطنه روحاني، فالحب الروحاني يتمثل في «الزهد والتجرد من طيبات الحياة سعياً للفناء في الذات الإلهية. والشاعر الذي يعتنق هذا الحب الروحاني الأفلاطوني يهب نفسه كلها لله ولا يرغب في شيء آخر سوى الله»[7]، فهو يقوم بهذه المجاهدات ليس حبًّا في الجنة ولا خوفاً من النار. يريد الصوفي لنفسه التي بذلها لله وحده، «أن تموت موتًا عذبًا محترقة بالشوق الحار إلى الاتحاد به».
قالت رابعة العدوية: «ما عبدته خوفًا من ناره، ولا حبًا لجنته، فأكون كأجير السوء، بل عبدته حبًّا له وشوقًا إليه»[8].
لم يكن تكوين رابعة الشعري فقط هو المحفز لاستحداث ذلك قطعًا، وإنما كان لتكوينها النفسي والاجتماعي وجزء من تاريخها الشخصي دخل في الأمر بكل تأكيد، باعتبار الشعر منجزًا إنسانيًّا أولًا وأخيرًا، لكن الوثائق التي توفرت للباحثين التاريخيين لم يكن من بينها ما يمكن الاطمئنان إليه في تتبع مراحل تصوفها ودرجاته[9].
لكن الدكتور عبد الرحمن بدوي يربط بينها وبين تصوف القديسة تريزا الآبلية -وصوفية المسيحيين عمومًا- بمفردات حياتها المغرقة في البساطة من لبد هو فراشها وهو مصلاها، ومشجب لم يكن يحوي أي ملابس وإنما بضعة أكفان، فكانت تستخدم المشجب بما عليه من أكفان كي يضع أمام عينيها موضوعًا للتأمل في أثناء الذكر العقلي، ويرى أنه أقرب إلى نموذج المصلَب calvaire. لكن الأصل في وجهته تلك بالطبع كان بعض ملامح حية في كلتيهما[10].
ولا يعد البحث في أصل نسب العدوية هنا، ونحن نشتغل هنا على مباحث شعرية بالأساس، من باب الرفاهية البحثية؛ لأننا في الواقع نتناول غرضًا شعريًّا أثبت بمرور الزمن صلاحية وملائمة كبيرتين أثبتتا صمودًا رؤيويًّا كبيرًا لارتباطها بقيم مطلقة.
وقد فتح لها العزف على الناي بابًا من الشعر كان يعد جديدًا على العرب، ولأن الشعر فنهم التاريخي فلم يستسيغوا أن يكون العزف غير مصاحب للكلمة، وفي المقابل فإن رابعة -إن صحت الروايات حول أنها كانت جارية بصرية اعتادت حياة المجون وحين إفاقتها من ذلك أرادت أن تكفر عن ذلك- فإن رابعة كانت مهيأة تمامًا لأداء تلك المهمة التي أوصل صيتها إلى أصقاع العالم الأوروبي في العصور الوسطى في كتاب (حياة القديس لويس) الذي ألفه جوانفيل (Joinvle) وعدُّوها -حسب تعبيرهم- «أكبر قديسة في تاريخ أولياء أهل السنة»[11].
لقد أدخل هذا الغرض الجديد، الشعر العربي إلى منطقة جديدة عليه نوعًا، واستفادت منه الشعرية العربية في كل اتجاهات كتابتها الجديدة، والنغمة الجديدة التي أدخلتها رابعة في التصوف الإسلامي «من العسير ألا نفترض فيها أصولًا سابقة صدرت عنها، أصولًا كانت على شعور بها أم لم تكن، سواء؛ فالشعور واللاشعور هاهنا يتساويان في إحداث الأثر، ونعني بهذه النغمة فكرة الحب الإلهي بمعناه الكامل الذي ينطوي على كل معاني الحب الشهواني متساميًا إلى موضوع غير حسِّي. فالاختلاف هنا في الموضوع لا في العاطفة والطريقة»[12].
ولم يكن الإنجاز هنا في مكونات الشعر العربي وقتها من لفظ وصورة، وإنما كان جنوحًا رؤيويًّا نحو حقل شعري يعد بكرًا وقتها، يكون فيها الإله حبيبًا، وتكون منتهى النشوة في وجودها في رحابه ولا مزيد، وهي كلها تصورات كانت جديدة تمامًا على ما تكوَّن من وعي شعري للعرب حتى ذلك الحين:
إن أمت وجدًا ومـــا ثم رضـــا واعناني في الورى وشقوتي
يا طبيب القلـــــب يا كل المنى جد بوصل منك يشفي مهجتي
يا سروري وحياتي دائمــــــــًا نشأتي منــــــك وأيضًا نشوتي
قد هجرت الخلق جميعًا ارتجي منك وصــلًا فهـــل أقضي أمنيتي
فقد خرجت رابعة العدوية بأشعارها في الحب الإلهي بالشعر في الإسلام من دروب تعديل المقاصد والصور والألفاظ لتناسب قدسية الوحي وتعاليم الدعوة الجديدة إلى فضاء شعري أرحب لا أظن أن أحدًا وقتها كان يظن أنه سيكون الأقوى تأثيرًا على امتداد الزمن من بين صنوف الشعر العربي القديم، وعلى الرغم من انتساب الصوفية المبكر إلى الشعر العربي، سواء في نصوصهم المحتكمة إلى القواعد الخليلية، أو في خلق تقارب بين الشعر والنثر اعتمادًا على بناء نصي يعول على الخيال وعلى تخصيب اللغة وفتح احتمالاتها، فإن الشعرية العربية القديمة قد تمادت في نسيانهم[13].
وقدمت رابعة في ذلك الوقت المبكر طرحًا جديدًا، غزل على منواله فيما بعد متصوفة وفقهاء وشعراء منهم القديم والمحدث، على الرغم من أنها جنحت إلى اختيار لغة شعرية مغرقة في سهولتها مقارنة بزمنها:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعتــــه إن المحب لمن يحب يطيـع
إن هذه الأبيات وغيرها لم تسر في الطرق التي سارت فيها كثير من قصائد العرب قديمًا، وإنما نجحت هذه النصوص في تحقيق قدر كبير من الشعرية، دون اللجوء لكل ما كان يمكن أن يلحق بالقصيدة من قيم ثابتة ومجملات معتادة نوعًا ما.
إضافة إلى أن التصوف الذي كانت تقدمه رابعة وقتها كان لا يحتاج إلى أي معجم دلالي خاص كما هو الحال في كل من قرض شعرًا في التصوف بعد ذلك، بعد استقرار التصوف اصطلاحيًّا؛ ما يسَّرَ استقراء جماليات هذه القصائد.
وبذلك يقدم نموذج رابعة العدوية في النص تجسيدًا لما يعرف في النسوية بـ(الذاتية المستقلة)، فقد استطاعت الشاعرة استحداث غرض (العشق الإلهي) كبديل لخطاب الغزل الذي كان يدور غالبًا عن المرأة كموضوع للرؤية لا (ذات) رائية. بتوظيف لغة الحب العذري في سياق صوفي، أثبتت الشاعرة قدرتها على تطويع الأدوات الشعرية السائدة لخدمة تجربة روحية ووجدانية أنثوية خالصة.
هذا الانفراد لا يمثل إضافة كمية للشعر العربي فحسب، بل هو فعل تحرر إبداعي سمح للمرأة بأن تقود دفة الابتكار الفني، وتضع أسس مدرسة شعرية (الصوفية) أثرت في الفكر الإنساني برمته، بعيدًا عن الوصاية أو التبعية للنماذج التقليدية.
الغرض الثالث غزل الشاعرات والتشبيب بالعبيد
انفردت الشاعرة العربية بغرض لطيف آخر كان يمثل ما حوته نفسها من جرأة فنية كانت تُظهر هي منها ما يتيسر كلما تقدم الزمن وتخلخلت الثوابت الفكرية البدوية، وهو غرض الغزل والتشبيب بالعبيد، وكانت أكثر ما اشتهرت به خديجة بنت الخليفة المأمون، وعُلية المهدية أخت هارون الرشيد.
لم يعرف الشعر العربي فيما وصل إلينا التغزل في الجواري والعبيد، إلا بعض مرويات عن أبي نواس، وبعضها مشكوك في نسبتها إليه، وبفرضية صحتها فإن ذلك كان مقبولًا داخل قصور الخلفاء من الشعراء المتهتكين، لكن الأمر لم يكن عاديًّا للشاعرة العربية؛ لذا لم يكن من المستغرب أن نجد أن من قرضن في هذا الغرض كانت إما ابنة خليفة (خديجة)، أو أخت خليفة (عُلية)، محتميتين بقوة الملك وحصانته، ولم يكن من السهل أن يتاح ذلك لشاعرة أخرى.
خاصة أن الغزل الذي سلكته كلاهما كان غزلًا على الرغم رقته لم يكن غزلًا عذريًّا، وإن كان لطيف المعنى غير فاحش، وفي كل شاهد من شواهد هذا اللون الشعري سنجد أنهما كسرتا حاجزًا قويًّا بين المرأة وبين الغزل الصريح في مواطن فتوة الرجل وشواهد جماله، معلنتين أن للمرأة في ذلك العصر «مشاعرها وأحاسيسها الخاصة، فهي كالرجل تمامًا تحب وتعشق، وتشتاق وتنتظر معشوقها، تتلهف عليه، وتتمنى حضوره، فقد تغنت بهذا الحب وعبرت عما يجول في قلبها وخاطرها تجاه المحبوب، وهذا ما فعلنه بعض شاعرات الغزل في العصر العباسي»[14]، تقول خديجة بنت المأمون:
تالله قولوا لمن ذا الرشـــــا المثقل الردف الهضيم الحـــشا
أظرف ما كان إذا ما صح وأملح النــاس إذا مـا انتشى
وقد بنى برج حمام لـــــــه أرسل فيه طائـــــرًا مرعشا
يا ليتني كنت حمــامـــًا له أو باشقـًا يفعـل بي ما يشــا
وهي في مثل تلك الأبيات تنتقل بين الغزل العذري والصريح، مع الحفاظ على إشارية لغتها الشعرية، بما يربأ بهذا الغزل عن الغزل الإباحي، ومن مثله ما نقرأه لدى عُلية المهدية في غزلها الذي كتبته في خادمها طل، مع الوضع في الاعتبار أن تغزل أخت الخليفة في أحد عبيدها لم يكن أمرًا معتادًا، فكيف لأخت الخليفة ربة القصور أن تهيم شوقًا بعبيدها وتتغزل بهم:
قد ثبت الخاتم في خنصـري إذ جاءني منك تـجـنـيك
حرمت شرب الراح إذ عفتها فلست في شيء أعاصـيك
فلو تطوعت لعوضـتـنـي منه رضاب الريق من فيك
فيا لها عندي مـن نـعـمةٍ لست بها ما عشت أجـزيك
يا زينبا قد أرقت مقلتي أمتعني الله بحـبــــــــــــيك

ومن الملاحظ ربما أن هذه الغزليات تضمنت معاني من شأنها أن تقرب المسافات، ابتداء، بين العبيد وسادتهم حتى تستطيع الشاعرة البوح ما يختلجها، وسواء فعلتا ذلك بوعي أو دون وعي فإنه خلق فضاءات شعرية جديدة:
قد كان ما كلفتـه زمـنـــــــــــًا يــــا طل من جدٍ بكم يكفـي
حتى أتيتـــــــك زائراً عـجـلًا أمشي على حتفٍ إلى حتـف
رب إني قد غرضت بهجرها فإليك أشـكـو ذاك يــــا ربـاه
ومنها قولها:
مولاة سوءٍ تستهين بعـبـدهـا نعم الغـــلام وبئست الـمـولاه
”طلٌ” ولكني حرمت نعيمـه ووصــــاله إن لم يغثنـي الـلـه
يا رب إن كانت حياتي هكذا ضــــراً علي فما أريد حـيـــاه
فكانت مباشرة مثل هذا النوع من العواطف، وصوغه في هذه الغزليات شكلًا من أشكال ممارسة الحرية، حتى أنها كانت تصرح بالتكنية عن حبيبها باسم (زينب)، وفي التصريح بالتكنية بالأساس شكل من أشكال مجابهة القيم بالسخرية منها:
وجد الفؤاد بزينـبـا وجدًا شديدًا متعـبـا
أصبحت من كلفي بها أدعى سقيمًا منصبـا
ولقد كنيت عن اسمها عمدًا لكيــــلا تغضبا
وجعلت زينب ستـرةً وكتمت أمرًا معجبا
قالت وقد عز الوصا لو لم أجد لي مذهبا
وغيرها من الشواهد التي تثبت أن الشاعرة العربية دومًا كان لها نصيب من أي تجديد طال أغراض الشعر العربي، وإذا كانت الظروف التي مثَّلت الحياة في العصر العباسي قد سمحت لهن بذلك، فإنه لم يكن ليتحقق دون استعداد فطري وموهبة كبيرة منهن، تطمح إلى التجديد والإضافة، وقتما يسمح لها بذلك.
[1] مجلة المعرفة، العدد 483، ك 1، 2003، صـ 223.
[2] بشير يموت، شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، المكتبة الأهلية، المطبعة الوطنية، بيروت، الطبعة الأولى 1934، صـ121 .
[3] نفسه، صـ121, 122.
[4] أسياد كرماء، وهي لفظ دال على كثير من معاني الفخر.
[5] بشير يموت، شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، المكتبة الأهلية، المطبعة الوطنية، بيروت، الطبعة الأولى 1934، صـ122.
[6] طالع د/ محمد عباسة، التصوف الإسلامي بين التأثير والتأثر، التراث العربي، العدد 102، أبريل 2006، صـ77، 78.
[7] راجع عبد الرحمن بدوي، شهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية، القاهرة، 1962، صـ9.
[8] راجع أبو طالب المكي، قوت القلوب، الجزء الثالث، المطبعة المصرية، القاهرة، 1932، صـ84.
[9] إحدى الروايات التي يجب أن يكون أصل رابعة من مرو وبذلك يفترض أنها من أصل إيراني, وقد يؤيد هذا اشتغالها بالعزف على الناي, وهي حرفة كادت تقتصر ممارستها على الفرس لأن عتيك هو بطن من بطون الأزد, وهو عتيك بن النضر بن الأزد شهيدة العشق الإلهي صـ10.
[10] راجع عبد الرحمن بدوي، شهيدة العشق الإلهي رابعة العدوية، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الثانية، القاهرة، 1962، صـ6.
[11] جورج شحاته قنواتي، الفلسفة وعلم الكلام والتصوف، صـ68.
[12] نفسه، صـ10.
[13] بلقاسم خالد، مدخل إلى العلاقة بين الشعر والتصوف، العدد1، أكتوبر 2000، صـ72، 73.
[14] خديجة خلف القعايدة، الصورة الفنية في شعر المرأة في العصر العباسي، رسالة دكتوراه، جامعة مؤتة، 2017، صـ 17.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.