شعر ابن خلدون أين اختفى؟ وآراء شوقي وطه حسين

لن نتناول في هذا المقال ابن خلدون مؤرّخاً ولا عالم اجتماع، فابن خلدون المؤرّخ العالم معروف عند دارسيه، ومقتول بحثاً، لا يكاد ينازعه في شهرته عَلَمٌ آخر من أعلام العرب قدامى كانوا أم محدثين، بل سنحاول أن نبحث في شخصية هذا الرّجل الفذّ من خلال الحديث عن ملامح شاعر مغمور، لا يكاد يعرفه إلّا جمهور قليل من خاصّة الدّارسين أو الملمّين بشعر المغرب القديم، على الرّغم من أنّ له شعراً ينافس به شعراء المشرق والمغرب، ويقف معهم في السّاحة على قدم المساواة.

ظاهرة شعر ابن خلدون!

تلك الظّاهرة ليست فريدة، وإنّما هي موجودة عند كثير من علماء العرب قدمائهم ومعاصريهم، ولم يكن ابن خلدون بدعاً منهم مادام الشّعر ميزة كانت أقرب إلى فطرة العربي ونفسه ومن غيرها ممّا تجود به القريحة ويبدعه الفكر.

إنّنا قد نجد في الشّخص الواحد جانبين مختلفين من الإبداع، وقد يكون الاختلاف بينهما طفيفاً كما هو الشّأن في الإبداع اللّغوي، وقد يكون بيّناً إذا تجاوز الإبداع دائرة اللّغة إلى ميادين الفكر الأخرى، وفي الأغلب الأعمّ يطغى جانب واحد على الجانب الآخر أو على الجوانب الأخرى إذا تعدّدت، ويصبح ملازماً للشّخص ملازمة الظلّ لصاحبه، معروفاً به مقترناً بسمعه.

اقرأ أيضاً على جوك

المقدمة لابن خلدون

الغزالي وابن سينا وابن خلدون .. هذا هو المشترك بين عباقرة المسلمين

سبب شهرة مقدمة ابن خلدون

لقد قيل عن ابن خلدون ومقدّمته وتاريخه الكثير، لكن الذين كتبوا عنه مؤرّخاً ومبتكراً لعلم الاجتماع لم يقولوا عن شعره شيئا؛ لأنّهم كانوا يبحثون فيه عن غايات لا علاقة لها بالشّعر على الإطلاق، ولو التمسنا منهم ذلك لكان أدعى إلى السّخرية والاستهزاء.

نقول لقد كُتب عن مقدّمة ابن خلدون الكثير حتّى إنّه ليصعب أن نحاول كتابة شيء عنه ولا نشعر بأنّنا قد سبقنا إليه، غير أنّ الكتابة عن شعره تبدو أكثر صعوبة وأدعى إلى التّأنّي والحذر، فليس للرّجل ديوان يعتمد عليه، ولا يكتب عن شعره شيء يمكن العودة إليه غير ما صُرّح به هو في كتابه "التّعريف".

شعر ابن خلدون موجود في سيرته الذاتية 

وتبدو هذه الازدواجيّة في الإبداع عند ابن خلدون متّسمة بشيء من الغرابة غير المعهودة عند غيره، فالرّجل ألّف كتاباً مهمّاً في التّاريخ، قدّم له بكتاب في العلم العمران والاجتماع البشري سمّاه "المقدّمة"، وختمه بكتاب تحدّث فيه عن نفسه فكان ضرباً من السّيرة الذّاتية، سمّاه "التّعريف بابن خلدون".

جمع شعر ابن خلدون

وفي هذا المؤلّف الأخير جمع شعره، أو لنقل لم يجمعه، وإنّما ذكر بعضه مقروناً بمناسباته والأحوال التي كانت تدعوه إلى نظمه، لقد سجّل ابن خلدون في هذا الكتاب بعضَ شعره ولم يسجّله كلّه، ولعلّه لم يذكر فيه إلّا القليل منه، وهنا يكمن وجه الغرابة: فلماذا اكتفى بذكر جزء يسير من شعره على ما فيه من جودة وإتقان، وترك أغلبه يضيع ويفلت من قبضة التّاريخ؟

لقد كان ابن خلدون فقيهاً مالكيّاً، بل غدا إماماً للمالكية عند إقامته بديار مصر، وكان أشعريّ العقيدة، منتصراً لزعيمها أبي الحسن الأشعريّ، مقرّاً بمذهبه ضدّ خصومه المعتزلة على ما يذكر في "المقدّمة".

لماذا اختفى شعر ابن خلدون؟

وعندما نعرف أنّه قد اجتمع في شخصه تشدّد الفقه المالكي وورع العقيدة الأشعريّة، مضافاً إليهما ما كان يتحلّى به من أخلاق التّواضع وصفات الأدب، ندرك إلى أيّ مستوى كان الرّجل متحرّجاً من قول الشّعر، متردّداً في إظهاره أمام النّاس، ولعلّه كان يأبى أن تلحق به صفة الشّاعر، لما في هذه الصّفة ممّا قد لا يتناسب ومقامه الدّيني من جهة، ومنصبه السّياسي من جهة أخرى.

فكثيراً ما أُلصقت بالشّعراء صفات المجون واللّهو وما يتّصل بهما ممّا لم يكن أحد في مقام ابن خلدون وسمعته يرغب في أن يقترن به، ونحن نعرف أنّ معظم شعر الأندلس كان لهواً ومجوناً، وهو ما دفع بعضهم إلى عدّه أحد أسباب سقوط حضارة العرب في الأندلس.

وابن خلدون نفسه يعترف في "التّعريف" بأنّه قد نسي كثيراً من شعره يعدّ بعشرات الأبيات أو بمئاتها، وأنّ ما دوّنه في هذا الكتاب هو ما ظلّ عالقا بذاكرته فقط.

فنحن أمام شاعر لا يريد أن يكون شاعراً، إنّه شاعر بالقوّة وليس شاعراً بالفعل على حدّ تعبير (أرسطو)، فالقوّة كمون هذه العبقرية الشّعرية فيه، وأمّا الفعل فلم يظهر منه إلّا القليل، لكنّه القليل الذي يقوم مقام الكثير، نستدعي به في دراستنا لهذا الجانب من إبداع هذا الرّجل الذي ملأ الدّنيا وشغل النّاس في الشّرق والغرب، وأسال الحبر الكثير بكلّ اللّغات.

لقد كان الشّافعي شاعراً وما عُدّ من الشُّعراء، ونظم الغزالي شعراً وما اعتبر منهم، فقد غلب على الأوّل الفقه وطغى على الثّاني التّصوّف، وقد نظم العقّاد شعراً كثيراً في دواوين مختلفة الأغراض والموضوعات.

وبالرّغم من ذلك فقد اشتهر عند النّاس بكتاباته النّثرية في الفكر والنّقد والأدب، حتّى اضطرّ تلميذه زكي نجيب محمود إلى أن يترجم بعض شعره إلى الإنجليزية وأن يكتب عنه مقالاً طويلاً يُعرّف القرّاء بشاعريته.

الصورة الذهنية لابن خلدون في عقولنا

كان طه حسين قد اقترحه لإمارة الشّعر بعد وفاة شوقي، على الرّغم من ذلك ظلّ العقّاد صاحب "العبقريّات" كما ظلّ ابن خلدون في نظر المهتمّين بشؤون الفكر صاحب "المقدّمة" وصاحب "التّاريخ".

إنّ الكثرة ليست مقياساً، وقد كان في شعراء الجاهلية من هم مقلّون، ولكن عُدّوا من المجيدين في ميزان النّقد كما ذكر ذلك ابن رشيق في كتابه "العمدة " وغيرهم من النقّاد العرب القدماء.

وقد يعِنّ لأحد أن يقول إنّ شعر ابن خلدون قد كان كلّه في مدح السّلاطين واستعطافهم ووصف مآثرهم، وتلك شيمة كثير من شعرنا، عدّها البعض عيباً ينتقص من قيمة هذا الشّعر ويجعل منه شعر "مناسبات"، كما قيل عن شعر المتنبّي وشوقي وغيرهما.

بيد أنّ شعر هؤلاء لم يكن في الحقيقة سوى شعر نابع من البيئة التي عاشوا فيها بعضاً من حياتهم، وقضوا فيها ردحاً من الزّمن، فلا يستغرب إذن أن توحي إليهم تلك البيئة ببعض هذا الشّعر، وأن تكون لهم دافعاً للإبداع، فالشّاعرية لا بدّ لها من أن تتأثّر ببيئتها، سواء كانت تلك البيئة قصراً أو صحراء أو غيرها.

نماذج من أشعار ابن خلدون

ولا نستبعد أن يكون ابن خلدون قد تغنّى بشعره غناء الشّاعر الفرح أو الحزين، وقد وضع الشّعر -أصلاً- لهذا الغرض قبل أن يوضع لغيره:

تَغَنَّ بِالشِّعر إِمَا أنتَ قَائِلُهُ                  إِنَّ الغِنَاءَ لهَذَا الشِّعرُ مِضْمَارُ

بل نحن نكاد أن نكون على يقين من أنّ نفسه كانت تحدّثُه بالشّعر في خلواته وساعات همومه ونكباته، نستشفّ ذلك من خلال قصائده التي نظمها في مواقف مختلفة من حياته، فهو مادحاً كان أم مستعطفاً، لا ينسى نفسه أبداً، بل هو يذكر طموحها وآمالها، ويبكي خيبتها وأحزانها، وإذا كان هذا الغناء مصحوبا بمدحه لهذا السّلطان أو ذاك، فإنّ ذلك لم ينقص من قيمته الفنية، ولم يقلّل من تأثيره على القارئ.

إذن، لم يكن هذا المدح عنده سبيلاً من سبل التّكسّب والاستجداء، كما عُهد عند غيره من الشُّعراء، وإنّما يمكن أن نقول عنه إنّه كهذا الشّعر الذي تبعثه المودّة بين الصّديقين، وأحياناً يكون هذان الصّديقان شاعرين، أو فلنقل إنّه هذا التّعبير الجميل عن المودّة والوفاء.

أغراض وموضوعات شعر ابن خلدون

ولم يكن شعر ابن خلدون كلّه -أو على الأقلّ هذا الشّعر الذي نجده في كتاب "التّعريف"- مدحاً، بل نحن نجد فيه الاعتذار، والمواساة، والنّسيب، والاستعطاف، وما يتخلّل ذلك ممّا لا يدخل تحت غرض معيّن من أغراض الشّعر التّقليدي.

ولم يكن شعر ابن خلدون وليد موطن واحد، فقد كُتب لصاحبه التّرحّل والعيش، بعيداً عن أهله، فأتيح لهذا الشّعر أن يكون مهاجراً في مدن المغرب الكبير، كما أتيح لبعضه أن يصدر من أرض المشرق والأندلس، ويعبّر عن حال صاحبه وعن أحوال السّاسة خارج موطنه، فهو من هذه النّاحيّة يجمع بين الفنّ والتّاريخ، كما جمع بينهما المتنبّي عندما كان يصحب سيف الدّولة في حروبه مع الرّوم.

ابن خلدون في اعتقادنا، يدخل مملكة الشّعراء بنفس البطاقة التي دخل بها المتنبّي وأبو فراس وأبو العلاء، وهو على قلّة شعره، يكاد يبلغ شأوهم، لولا ضياع أغلب هذا الشّعر الذي لو أتيح له أن ينجو من الضّياع لكان لنا سنداً في تأكيد هذا الحكم الذي أصدرناه.

الشعر.. الوجه الآخر لابن خلدون

لقد حاولنا أن نبحث في هذا المقال عن الوجه الثّاني لابن خلدون، وقد وجدنا أنّ لهذا الوجه ملامح تختلف عن ملامح الوجه الأوّل: وجهِ العالم المؤرّخ، ولا تحمل منها إلّا أثراً ضئيلاً.

ولسنا هنا لنفاضل بين شخصيتي ابن خلدون: شخصيةِ العالم وشخصية الشّاعر، إنّ الواحدة منهما لا تلغي الأخرى، بل تضيف إليها وتكمّلها، وإن كانت الأولى لتطغى كثيراً على الثّانية، فقد كتب ابن خلدون "المقدّمة " و"التّاريخ"، وحرص عليهما كلّ الحرص حتّى وصلا في أمان إلى أيدي القارئين، وبلغا من الشّهرة وذيوع الصّيت ما بلغاه في الشّرق والغرب.

لكنّه لم يحرص على شعره حرصه على نثره، فلم يجمعه في ديوان مستقلّ، ولا بذل جهداً من أجل الحفاظ عليه، فيكون لو فعل ذلك لكان قد وفّر علينا كثيراً من المشقّة والجهد، بل إنّه لم يهتمّ به اهتمام الشّعراء بأشعارهم، وإنّما ترك لذاكرته مهمّة الاحتفاظ به، فلم تحتفظ إلّا بجزء يسير منه.

وإنّنا ليأخذنا الاستغراب عندما نجده يصرّح في "التّعريف" بأنّه قد أنشد هذا السّلطان أو ذاك قصيدة يفوق عدد أبياتها المئتين، ولم يبق في حفظه منها إلّا بضعة أبيات، ولعلّه لم يحظ من الذّكر إلّا ببعض الإشارات التي وردت من علماء وفقهاء عاصروه وشهدوا له بالنّبوغ وحسن السّيرة.

وما دام ابن خلدون لم يجمع شعره بنفسه، فنحن لا نتوقّع أن يكون غيره قد قام بهذه المهمّة، أو فكّر في القيام بها ما دام هذا الشّعر قد ضاع أغلبه بموت صاحبه، ولعلّ الإشارات الوحيدة إلى شعر ابن خلدون هي تلك التي أوردها الوزير الشّاعر ابن الخطيب عندما ترجم له، وذكر بعض أشعاره.

وقد عاصر ابن الخطيب ابن خلدون، والتقى به عندما زار الأندلس عند السّلطان ابن الأحمر، وقد كانت بينهما صداقة ومراسلات، إلى أن فرّ ابن الخطيب من الأندلس إلى المغرب؛ حيث قُتِلَ في سجنه بفاس، وليس من شكّ أنّ ابن الخطيب كان معجباً بشخصية ابن خلدون كلّ الإعجاب واضعاً إيّاه في منزلة من الإجلال والاحترام، ويبدو ذلك واضحاً من رسائله التي كان يبعثها إليه في شتّى المناسبات، ملقّبا إيّاه بالصّدر الأوحد، والعالم الفاضل، وما يتّصل بذلك من الصّفات.

ابن الخطيب جامع قصائد ابن خلدون

وذلك هو الدّافع الأوّل الذي حمل ابن الخطيب على ذكر أشعار ابن خلدون في مؤلّفه، ولم يقصر ابن خلدون في حقّ ابن الخطيب، فأورد كثيراً من رسائله وأشعاره، وضمّنها كتابه "التّعريف"، وإن كان بعضها غير مناسب للغرض الذي وضع من أجله هذا الكتاب، بل إنّه أفرد له فيه فصلاً كاملاً سمّاه: "فضل الوزير ابن الخطيب" ووصفه بكونه "آية من آيات اللّه في النّظم والنّثر".

ومن ثمّ؛ قد يكون ابن الخطيب أوّل من سجّل شعر ابن خلدون في مؤلّفه، بالرّغم من أنّ صاحب "التّعريف" لم يذكر بيتاً واحداً من شعره في تلك الرّسائل التي كان يردّ بها على  رسائل ابن الخطيب.

وقد أورد المقّري أبو عبّاس 986هـ -1041هـ / 1576م - 1632م ترجمة ابن الخطيب لابن خلدون، وفيها بعض أشعاره.

ويقول الأستاذ محمد عبد الكريم: "ومن نصوص نثر ابن الخطيب التي أوردها المقرّي، نصّ ترجمته أبي زيد عبد الرّحمن بن خلدون، بعد رسائل مطرزة بأبيات شعرية كتب بها إلى ابن خلدون المذكور".

وأورد له -أثناء ترجمته إيّاه- جملة من أشعاره، ثمّ يتحدّث المقّري عن ابن خلدون معتمداً على نصوص بعض العلماء والمؤرّخين، تتعلّق بأخبار المتحدّث عنه.

مؤلفات ابن خلدون

وقد ذكر ابن الخطيب كثيراً من مؤلّفات ابن خلدون في مختلف العلوم النّقلية والعقلية، ولم يصل إلينا منها شيء، ولعلّ بعضها ما زال مخطوطاً لم يتح له أن يطبع بعد، ومدح نثره ورسائله السّلطانية، أمّا شعره فقد قال فيه: "وأمّا نظمه فنهض لهذا العهد قدماً في ميدان الشّعر، ونقده باعتبار أساليبه، فانثال عليه جوُّه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكلّ غريبة".

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أنّ ابن الخطيب قد ذكر في الإحاطة أشعاراً لم يذكرها ابن خلدون نفسه في "التّعريف"، ولا يساورنا شكّ في أنّها من ذلك الشّعر المنسيّ الذي غاب عن ذاكرته، وكان ابن الخطيب قد احتفظ به، ومنه تلك القصيدة العينية التي خاطب بها عمر بن عبد الله وزير ملك المغرب.

وأورد المقّري شهادة الشّيخ إبراهيم الباعوني الشّامي الذي التقى بابن خلدون في مصر، وسمع منه: "وكنت أكثر الاجتماع به في القاهرة المحروسة للمودّة الحاصلة بيني وبينه، وكان يكثر من ذكر لسان الدّين بن الخطيب، ويورد من نظمه ونثره، ولقد كان ابن خلدون هذا من أعاجيب الزّمان، وله من النّظم والنّثر ما يزري بعقود الجمان، مع الهمّة العليّة، والتّبحّر في العلوم النّقلية والعقليّة، وكانت وفاته بالقاهرة المعزية سنة 808هـ".

جهود المعاصرين

ومن المعاصرين قلّة تحدّثوا عن شعر ابن خلدون ممّن أرّخوا للأدب العربي القديم، لم يكن حديثهم عنه إلّا من باب الإشارة والتّنبيه ليس إلّا، وكأنّ صفة الشّاعر لو ألحقت به وأضيفت إليه لأفسدت صورته في أذهان من يعرفونه عالماً ومؤسّساً لعلم العمران، أو لزحزحت مكانته في قلوبهم.

كما لو أنّ الشّعر لا يجتمع ومظاهر النّبوغ الأخرى في شخص واحد، إلّا وكان مدعاة للاستغراب، ومن هؤلاء المعاصرين الذين أشاروا إلى شعر ابن خلدون محمد طمّار الذي تحدّث عن مقدّمته وتاريخه وموضوعهما، ثمّ ختم حديثه بإشارة مفاجئة إلى أنّ لابن خلدون شعراً، يقول: "ويُثبتُ لنا التّاريخ أنّ لعبد الرّحمن شعراً".

البحث عن شعر ابن خلدون

وبعد هذه الجملة الوحيدة، يورد محمد طمّار أربعة أبيات من قصيدة نظمها ابن خلدون لتهنئة السّلطان أبي حمّو بعيد الفطر، دون أن يشير إلى المصدر الذي استقى منه الأبيات.

هذي الدّيار فَحَيِّهنَ صَبَاحاً              وَقِفِ المَطَايَا بَيْنَهُنَّ صَلَاحا

لَا تَسْأَلِ الأَطْلاَلَ إِنَّ لَمْ تَرْوِهَا          عبراتُ عَيْنَيْكَ وَاكِفاً مُمْتاحا

فَلقَدْ أَخَذْن عَلَى جُفُونِكَ مَوْثِقَا           أَنْ لَا يُرينَ مَعَ الِبعَادِ شِحاحا

إيهِ عْن الحيّ الجميع ورُبَّما             طرِبَ الفُؤَادُ لذكرِهِم فَارْتاحا

ثمّ يحكم على هذه الأبيات بقوله: "فهذا شعر لا بأس به، ولكن ليس فيه ما يميّز ابن خلدون عن سواه من الشّعراء وما يكسبه شهرة، فالشّهرة التي يتمتّع بها في العالم الأجمع ترجع إلى كونه مؤرّخاً شخصيّاً في آرائه وأديباً شخصيّا في إنشائه".

فلا شكّ أنّ محمد طمّار لم يكلّف نفسه مشقّة البحث عن بقيّة أشعار ابن خلدون في "التّعريف" أو في غيره، ولو فعل ذلك لكان له داعياً إلى أن يغيّر هذا الحكم أو يتأنّى قبل إصداره، إلّا أنّ الأبيات في مطلع القصيدة طويلة حسب ما ذكر ابن خلدون نفسه، وهي طويلة ولم يبق في محفظتي منها إلّا هذا.

ومن هؤلاء المعاصرين أيضاً رابح بونار الذي ألّف في تاريخ المغرب وثقافته، وأورد في كتابه رأياً نقديّاً لابن خلدون، مفاده أنّ أدب المغاربة على العموم ضعيف، نازل الدّرجة عن أدب الأقطار الإسلامية الأخرى، ولم تزل طبقتهم في البلاغة إلى الآن مائلة إلى القصور.

وذهب رابح بونار إلى أنّ رأي ابن خلدون في أدب المغاربة متعسّف، وفيه تحامل كبير، بل تجاهل لمن نبغ من شعراء المغرب وهم كثيرون، ولو كان هذا المؤرّخ لأدب المغرب مطّلعاً على شعر ابن خلدون نفسه لاتّخذه حجّة في الرّد عليه، وإبطال حكمه، ولوجد له مكاناً بين الشّعراء الذين ترجم لهم في كتابه.

وقد يكون ابن خلدون على جانب من الصّواب في هذا الحكم الذي أصدره على أدب المغاربة، غير أنّ الذي نستغربه هو أنّ بعض الذين درسوا ابن خلدون من جانبه الأدبي لم يدرسوا إلّا آراءه النّقدية في اللّغة والأدب، وما التفتوا إليه شاعراً، وقد أفرد عبد الله شرّيط في دراسته للفكر الأخلاقي عند ابن خلدون فصلاً تحدّث فيه عن آرائه في الأدب وعلاقته بالأخلاق السّياسية، وعن الشّعر العربي وقيمته التي انحطّت عندما أصبح مدحاً واستجداءً، وابتعد عن مطامحه الحقيقية، ورسالته النّبيلة ولم يشر الكتّاب إلى أنّ ابن خلدون نفسه  الذي انتقد الشّعر العربي -والمدح بصفة خاصّة- كان شاعراً، وكثيرٌ من شعره مدح، ولكن يبدو أنّه لم يطّلع على كتاب "التّعريف" الذي وردت فيه أشعار ابن خلدون، ومن ثمّ لم يكن من الممكن أن ننتظر منه مثل هذه الإشارة.

ولم يفت عبد الرّحمن مرحبا -وهو يؤرّخ للفلسفة الإسلامية- أن يجعل ابن خلدون من أبرز ممثّليها، وأن يذكر وهو يتحدّث عن تكوينه وصفاته العلمية أنّه كان شاعراً، ولكنّه في اعتقاده لم يكن شاعراً مطبوعاً، فالشّعر ليس ملكاً له.

إنّ كلّ ما ذكرناه لم يكن سوى إشارات قصيرة إلى شاعريّة ابن خلدون، وبعضها لم يكن يتعدّى الجملة الواحدة أو الجملتين، ولئن كان ذِكْرُ هذه الشّاعريّة عند بعض هؤلاء الدّارسين لا يناسب مقام بحثهم، ولا يتطلّب الإسهاب فيه، فإنّه عند البعض الآخر كان جديراً بالاهتمام والتّعمّق والدّراسة.

نماذج من شعره

قال يخاطب السّلطان أبا سالم ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم:

أَسْرَفْنَ فِي هَجْرِي وَفِي تَعْذِيبِي           وَأَطَلْنَ مَوْقِفَ عبْرَتِي وَنَحِيِبي

وَأَبَيْنَ يَوْمَ الْبَيْنَ وَقْفَةَ سَاعَةٍ                لِوَدَاعِ مَشْغُوفِ الفُؤَادِ كَئِيب

لله عَهْدُ الظَّاعِنِينَ وَغَادَرُوا                قَلْبِي رَهِينَ صَبَابَةٍ وَوَجِيبِ

غَرَبَتْ ركَائِبُهُم وَدَمْعِيَ سَافِحٌ             فَشَرِقَتُ بَعْدَهُمُ بِمَاءٍ غُرُوبِ

يَا ناَقِعاً بِالْعَتَبِ غُلَّةَ شوْقِهِم                رُحْمَاكَ فِي عَذْلِي وَفِي تَأْنِيبِي

يَسْتَعْذِبُ الصَّبُ الـمَلاَمَ وَإِنَّنِي              مَاءُ الملاَمِ لَدَيَّ غَيْرَ شَرُوبِ

مَا هَاجَنِي طَرَبٌ وَلا اعْتَادَ الجَوَى         لَوْلَا تَذَكُّرُ مَنْزِلٍ وَحَبِيبِ

وقال يخاطب صدر الدّولة الوزير عمر بن عبد الله مدبّر ملك المغرب:

يا سَيِّدَ الفُضَلاءِ دَعْوَةُ مُشْفِقٍ           نادَى لِشَكْوَى البَثِّ خَيْرَ سَمِيعِ

مَالِيَ وَللإِقْصَاءِ بَعْدَ تَعِلَّةٍ               باِلْقُرْبِ كُنْتَ لَهَا أَجَلّ شَفِيعِ

وَأَرَى اللَّيَالِيَ رَنَّقَتْ لِيَ صَافِيا         مِنْهَا فَأَصْبَحَ فِي الأجَاجِ شُرُوعِي

وَلَقَدْ خَلُصْتُ إِلَيْكَ بِالْقُرْبِ الَّتِي         لَيْسَ الزَّمَانُ لِشَمْلِهَا بِصَدُوعِ

وأنشد ابن خلدون السّلطان أمير المسلمين أبا عبد الله بن أمير المسلمين الحجّاج، لأوّل مرّة قدومه إلى غرناطة ليلة الميلاد الكريم، من عام 764هـ.

حَيَّ المَعَاهِدَ كَانَتْ قَبْلُ تُحَيّينِي          بِوَاكِفِ الدَّمْعِ يَرْوِيهَا وَيُظْمِينِي

إِنَّ الأُلَى نَزحَتْ دَارِي وَدَارَهُمُ         تَحَمَّلُوا القَلْبِ فِي آثَاِرهِمُ دُونِي

وقفت أنشد صبراً ضاع بعدهم          فيهم وَأَسْأَلُ رَسْمًا لَا يُنَاجِينِي

أُمثلُ الرَّبْعَ مِنْ شَوْق وَأَلْثَمهُ             وكَيْفَ وَالفِكْرُ يُدْنِيهِ وَيُقْصِينِي

وَيَنْهَبُ الوَجْدُ مِنِّي كُلَّ لُؤْلُؤَةٍ             مَا زَالَ قَلْبِي عَلَيَّ غَيْرَ مَأْمُونِ

سَقَتْ جُفُونِي مَغَانِي الرَّبْعِ بَعْدَهُمُ        فَالدَّمْعُ وَقْفٌ عَلى أَطْلاَلِهِ الجُونِ

قَدْ كَانَ لِلْقَلْبِ عَنْ دَاعِي الهَوَى شَغَلٌ    لَوْ أَنَّ قَلْبِي إِلَى السّلْواَنِ يَدْعُونِي

أَحْبَابَنَا هَلْ لِعَهْدِ الوَصْلِ مُدَّكَرٌ          مِنْكُمْ وَهَلْ نَسْمَةٌ عِنْكُمْ تُحَيِينِي

قائمة المصادر والمراجع

 

  1. ابن خلدون، التّعريف، دار الكتاب، بيروت، د ط، 1979م.
  2. ابن خلدون، المقدّمة، مطبعة دار عبد الرّحمان محمد البشير، د ط، د ت.
  3. رابح بونار، المغرب العربي تاريخه وثقافته، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، ط 2، 1981م.
  4. عبد الرّحمن مرحبا، من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، بيروت، دار عويدات، ط 3، 1883م.
  5. عبد الله شرّيط، الفكر الأخلاقي عند ابن خلدون، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع، الجزائر، د ط، 1975م.
  6. لسان الدّين بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، تح: عبد الله عنان، دار الخانْجي، القاهرة، د ط، د ت.
  7. لسان الدّين بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، تح: عبد الله عنان، مكتبة الخانْجي، القاهرة، د ط، 1975م.
  8. محمد الطمّار، تاريخ الأدب الجزائري، الشّركة الوطنيّة للنّشر والتّوزيع الجزائر، د ط، د ت.
  9. محمد بن عبد الكريم، المقّري وكتابه نفح الطّيب، دار مكتبة الحياة، بيروت، د ط، د ت.
  10. المقرّي، نفح الطّيب، تح: إحسان عبّاس، دار صادر، بيروت، د ط، 1988م.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.