شعراء المدرسة الكلاسيكية.. حافظ إبراهيم شاعر النيل

ثقلت عليك مؤونتي    إني أراها واهية

فافرح فإني ذاهب     متوجه في داهية

بهذه الكلمات التي تحمل كثيرًا من خفة الدم والسخرية والحزن والألم التي يمكن أن نضعها في إطار الكوميديا السوداء؛ رحل الشاعر الكبير حافظ إبراهيم هاربًا من بيت خاله في طنطا بعد أن شعر بضيق حاله وعدم قدرته على الإنفاق، إذ كان يعيش معه يتيمًا قبل أن يصبح ذلك الشاعر الكبير الذي تملأ شهرته الآفاق من المحيط إلى الخليج. إنه حافظ إبراهيم شاعر النيل واحد رموز الشعر والثقافة العربية في بداية القرن الـ20.

وفي هذا المقال نصحبك في جولة سريعة في عالم هذا الشاعر الكبير بين أهم محطات حياته الشخصية والأدبية، وعلاقته بالأدباء الكبار، وتأثيره في المدرسة الكلاسيكية العربية في السطور التالية.

اقرأ أيضًا: الأديب العالمي "نجيب محفوظ" وأهم أعماله

المولد النشأة

ولد محمد حافظ إبراهيم فهمي عام 1872 على ظهر إحدى السفن الراسية على شاطئ مدينة ديروط في صعيد مصر بمحافظة أسيوط، إذ كان والده مهندسًا يعمل في مجال الإرواء، وكانت أمه من أصول تركية، وهي التي رعته وربته بعد وفاة أبيه وهو لم يكمل الرابعة من عمره بعد، فعادت به إلى القاهرة؛ لتعيش مع أخيها الذي كان يعمل أيضًا مهندسًا للإرواء؛ وهو ما جعلهم ينتقلون معه بعد قليل إلى مدينة طنطا، حيث مقر عمله الجديد، وكان الرجل فقيرًا يعاني ضيق الحال، ولم يكن للأم دخل للإنفاق على الطفل حافظ إبراهيم.

في البداية درس حافظ في المدرسة الخيرية الموجودة في منطقة القلعة، ثم توجه إلى مدرسة المبتديان حتى المدرسة الخديوية الثانوية، فقد كانت الأمور تسير طبيعية، ثم سافر الأسرة إلى طنطا بصحبة خاله مهندس الري لظروف العمل؛ وهو ما أدى إلى انقطاع الدراسة النظامية لحافظ إبراهيم، إذ بدأ يدرس في جامع الأحمدي في طنطا، وهو ما منحه القدرة على حفظ القرآن ودراسة الأدب العربي والشعر، حتى جاءته الفرصة ليلتحق بالمدرسة الحربية عام 1988 التي تخرج فيها برتبة ملازم ثاني في الجيش المصري عام 1891.

اقرأ أيضًا: في ذكرى رحيله.. الشاعر خالد نصرة صوت فلسطين ووجع الأمة العربية

حياة حافظ إبراهيم

قبل تخرجه في الكلية الحربية كان حافظ إبراهيم يعمل فيه مكتب للمحاماة، فلم يكن شرطًا في ذلك الوقت بالحصول على شهادة قانونية للعمل في مجال المحاماة، وعندما تخرج من المدرسة الحربية عُيِّن في وزارة الداخلية، ثم سافر إلى السودان عام 1896 ضمن الحملة المصرية، لكن الأمر لم يستمر طويلًا، فقد عاد بعد مدة قصيرة، وأحيل للاستيداع، وانتهت علاقته بالحياة العسكرية سريعًا.

في عام 1911 عُيِّن حافظ إبراهيم في الدار المصرية للكتب، فأصبح رئيسًا للقسم الأدبي هناك، وهو المكان الذي عمل به طوال حياته إلى أن أحيل للمعاش عام 1932، وذلك قبل وفاته بشهور قليلة، إضافة إلى حصوله على لقب البكوية بعد تعيينه في دار الكتب المصرية بعام واحد، وبالتحديد في عام 1912.

كان عمله في المحاماة فرصة جيدة للقراءة والاطلاع على الأدب والشعر العربي، لكن حافظ إبراهيم كان منحازًا جدًّا إلى شعراء عصره، ولا سيما محمود سامي البارودي، إضافة إلى سعيه للالتقاء بهم خاصة في مجالس الإمام محمد عبده التي كانت تضم الأدباء والشعراء والمثقفين في ذلك الوقت.

لفت حافظ إبراهيم نظر الجميع؛ بسبب قدرته الهائلة على الحفظ، إذ كان يحفظ آلاف القصائد العربية، إضافة إلى مئات الكتب التي قرأها، حتى قيل إنه يحفظ الكتاب أو ديوان الشعر كاملًا بعد مطالعته مرة أو مرتين، وكان زملاؤه وأصدقاؤه من الأدباء يختبرونه ويسألونه عن فقرات كاملة في الكتب أو في الدواوين، فكان يقرأها لهم غيابيًّا، وهي عبقرية على مستوى الذاكرة تميَّز بها حافظ إبراهيم الذي عدّ أحد أعاجيب زمانه، إذ لم يفقد هذه القدرة حتى موته وهو في الـ60 من عمره.

وعلى الرغم هذه الموهبة الرائعة وعلى الرغم من عمله في دار الكتب المصرية؛ فإن حافظ إبراهيم لم يقرأ كتابًا واحدًا بعد تعيينه رئيسًا للقسم الأدبي في دار الكتب المصرية منذ عام 1911 حتى خروجه إلى المعاش عام 1932، وهو أمر غريب فسره البعض بأنه كان يشعر بملل كبير؛ نتيجة وجوده بين آلاف الكتب.

بينما قال المقربون من حافظ إبراهيم، إنه كان يخشى على بصره لا سيما عندما رأى المصير الذي أصاب محمود سامي البارودي الذي فقد بصره في أيامه الأخيرة.

وعلى الرغم من علاقته القوية بكثير من الأدباء والمثقفين في ذلك العصر؛ فإن صداقته الكبيرة كانت مع أمير الشعراء أحمد شوقي الذي كان يعده صديقه الأول، ويرافقه في أسفاره ورحلاته، ويذكر أن أحمد شوقي سعى كثيرًا لمساعدة حافظ إبراهيم، فقد كان سببًا في حصوله على لقب البكوية، كما كانت له مساعي كبيرة لتعيينه في صحيفة الأهرام، لكن مدير الصحيفة في ذلك الوقت كان يخشى من الاتجاهات الثورية لحافظ إبراهيم، إضافة إلى خوفه الكبير من المعتمد البريطاني في ذلك الوقت (اللورد كرومر).

عُرِف عن حافظ إبراهيم أيضًا أنه كان كريمًا سخيًّا لدرجة التبذير، وهو ما كان مادة للمزاح بين الأدباء والمثقفين في ذلك العصر، فكان الأديب الكبير عباس العقاد يقول عنه: «مرتب سنة كاملة في يد حافظ إبراهيم لا يساوي مرتب شهر واحد من شدة تبذيره»، كما يقال عنه أنه قد استأجر قطارًا يوصله إلى منزله في حلوان، وهي دعابة كانت تقال في الوسط الأدبي، لكن لا يمكن التحقق من صحتها، كما عُرِف عن حافظ إبراهيم أيضًا أنه كان سريع البديهة، ويحب المزاح والنكات، فكان الجميع يسعدون بطرافته وفكاهاته التي تتميز بالذكاء الشديد والثقافة العالية.

اقرأ أيضًا: توفيق الحكيم (1898م _1987م ) بين ريادة المسرح وريادة الرواية

أدب حافظ إبراهيم

كان حافظ إبراهيم أحد رموز المدرسة الكلاسيكية العربية التي يُطلق عليها أيضًا (مدرسة البعث والإحياء)، وكان جزءًا من تجربة النهضة العربية في الكتابة في ذلك الوقت التي كان روادها محمود سامي البارودي وأحمد شوقي ومعروف الرصافي وخليل مطران، ومن بينهم كان حافظ إبراهيم الذي تميز كثيرًا بالكتابة الوطنية والموقف الثائر والمفردات القوية والمؤثرة في أشعاره، حتى أطلق عليه (شاعر الشعب)، كما أطلق عليه صديقه أحمد شوقي لقب (شاعر النيل)، وهو اللقب الذي انتشر سريعًا في أرجاء الأقطار العربية، وعُرِف به حافظ إبراهيم حتى الآن.

وكما كانت المدرسة الكلاسيكية العربية تتميَّز بوحدة الموضوع، فقد كانت أشعار حافظ إبراهيم كذلك، وتتميز بأنها غالبًا تتحدث عن موضوع واحد، إضافة إلى اعتماده الكبير على المفردات والمعاني البسيطة، وابتعاده عن اللغة المركبة والألفاظ الغريبة، فكان جمهور حافظ إبراهيم من كل طبقات الشعب المثقفين والعامة، وربما كان هذا سببًا في تسميته بشاعر الشعب.

لم يكن حافظ إبراهيم أيضًا صاحب خيال كبير، ولم يكن يلجأ إلى التصوير العميق، وإنما كان يعتمد على الصياغة الشعرية، ويتناول الموضوعات القريبة من العقل، وبذلك برزت كثير من القضايا في شارع حافظ إبراهيم، مثل الفقر والجوع واليتامى، إضافة إلى ميله الكبير إلى الحزن والبؤس؛ نظرًا لما عاناه في بداية حياته، وربما كان هذا الأمر هو ما جعله واقعيًّا بدرجة كبيرة، وبعيدًا عنه المشاعر والأحاسيس المرتبطة بالخيال.

كما كانت اللغة سلاح حافظ إبراهيم الأول، بسبب التراكيب اللغوية القوية والعبارات الجميلة التي حفظتها ذاكرة استثنائية، إضافة إلى قدرة هائلة على إلقاء الشعر بطريقة تمثيلية رائعة، وبذلك كان حافظ إبراهيم شاعرًا متميزًا في المناسبات، بعكس صديقه أحمد شوقي الذي لم يلقِ أبدًا قصيدة في حياته على الملأ، وكان يتوتر كثيرًا.

بينما كان حافظ إبراهيم أحد النماذج الرائعة في إلقاء الشعر، وقد كان فاكهة المناسبات الكبرى، ولعلَّ أبرزها مناسبة تكريم الشاعر أحمد شوقي ومبايعته بإمارة الشعر العربي التي ألقى فيها حافظ إبراهيم قصيدة رائعة تُعبِّر عن مبايعته لصديقه أحمد شوقي بالإمارة.

أما عن النُقاد والأدباء الذين وجهوا اللوم والنقد لشعر حافظ إبراهيم، فقد كان حديثهم يدور حول عدم سعيه إلى التجديد والابتكار والتنويع في شعره، وكيف أن شعراء عصره كانت لهم تجارب ومحاولات مملوءة بالخيال والابتكار، لكن حافظ إبراهيم لم يكن مشغولًا بهذا الأمر بقدر ما كان مشغولًا بالفصاحة واللغة وجزالة الألفاظ.

أعمال حافظ إبراهيم

صدر لشاعر النيل حافظ إبراهيم من الكتب والمؤلفات كتابًا بعنوان (ليالي سطيح)، وهو كتاب يمكن وضعه في إطار النقد الاجتماعي، إضافة إلى ترجمته الشهيرة لرواية ( البؤساء) للكاتب الفرنسي فيكتور هوغو، كما كان له كتاب في علم الاقتصاد عمل عليه مع الشاعر خليل مطران بعنوان (الموجز في علم الاقتصاد )، إضافة إلى كتاب آخر في التربية الأولية ترجمه حافظ إبراهيم عن اللغة الفرنسية، أما عن الإنتاج الشعري فقد جُمِعت أعماله الكاملة في ديوان شعري صدر في جزأين وطُبِع بعد وفاته.

قالوا عن حافظ إبراهيم

سهل المعاني واضح العبارة قوية الأسلوب متين البناء (الشاعر العراقي فالح الحجية).

أشبه بالوعاء الذي يتلقى الوحي من مشاعر الأمة التي تؤثر في نفسه وتمتزج بمشاعره وأحاسيسه الخاصة، ثم يأتي منه القول المتدفق المؤثر الذي يصل إلى كل مواطن، فهو يشعر معه أن هذا الشهر صدى لما يدور في نفسه (الشاعر خليل مطران).

مفطورًا بطبعه على إيثار الجزالة والإعجاب بالصياغة والفحولة في العبارة (عباس محمود العقاد).

مقتطفات من أشعار حافظ إبراهيم

من قصيدة بلغتك لم أنسب ولم أتغزل

بلغتك لم أنسب ولم أتغزل     ولم أقف بين الهوى والتذلل

ولم أصف كأسا ولم أبق منزلا    ولم أنتحل فخرا ولم أتنبل

فلم يبق في قلبي مديحك موضعا    تقول به ذكرى حبيب ومنزل

من قصيدة   لمحت من مصر

لمحت من مصر ذاك التاج والقمرا    فقلت للشعر هذا يوم من شعرا

يا دولة فوق أعلام لها أسد          تخشى بوادره الدنيا إذا زأر

بالأمس كانت عليك الشمس ضاحية   واليوم فوق ذراك البدر قد سفرا

يؤول عرشك من شمس إلى قمر    إن غابت الشمس أولت تاجها القمرا

من ذا يناويك والأقدار جارية     بما تشائين والدنيا لمن قهرا ؟

إذا ابتسمت لنا فالدهر مبتسم    وإن كشرت لنا عن نابه كشرا

لا تعجبين لملك عز جانبه    لولا التعاون لم تنظر له أثرا

من قصيدة إني دعيت

إني دعيت إلى احتفالك فجأة    فأجبته رغم شواغلي و سقامي

ودعوت شعري يا أمين فخانني   أدبي ولم يرعى القريض ذمامي

فأتيت صفر الكف لم أملك سوى   أملي بصفحك عن قصور كلامي

وا خجلتي أيكون هذا موقفي   في حفلة التوديع والإكرام؟

وأنا لخليق بأن أرتل للورى  آيات هذا المصلح المقدام

وأقوم عن نفسي وعن غيري    بما يقضي الولاء وواجب و الإعظام

من قصيدة جازبي عرفها

جازبي عرفها فهاج الغرام    ودعاني فزرتها إلماما

جنة تبعث الحياة وتجلو     صدى النفس رونقا ونظاما

زرتها موهنا وفي نفسي     ذلة الصب وانكسار اليتامى

وتنقلت في خمائلها الخضر     يمينا ويسرة وأماما

فإذا روضتان في ذلك الروض     تميسان تحت ريح الخزامي

جاءت تخطران والنجم ساه     وعيون الأزهار تبغي المناما

جازتا موضعي فهب النسيم    أذكى مني الأسى وهاج الهياما

وفاة حافظ إبراهيم

توفي شاعر النيل حافظ إبراهيم يوم 21 يونيو عام 1932 في منزله وبعد مغادرة بعض أصدقائه، إذ شعر بالمرض الشديد، وحين استدعي الطبيب فارقت روحه جسده، ليرحل وهو لم يتجاوز عامه الـ60، تاركًا خلفه رصيدًا كبيرًا من الأدب والقيم الجميلة، وتأثيرًا هائلًا على الثقافة والشعرية العربية، وتجربة رائدة، واسمًا كبيرًا سيظل على مدار تاريخ الأدب والشعر العربي.

وفي نهاية هذه الجولة السريعة في عالم حافظ إبراهيم شاعر النيل، نرجو أن نكون قدَّمنا لك المتعة والإضافة، ويُسعدنا كثيرًا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال رائع إحسنتم النشر
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة