أعلنت شركة CXMT، أكبر مُصنِّع لشرائح الذاكرة العشوائية في الصين، عن بدء الإنتاج الضخم لمنصة تقنية الذاكرة من الجيل الخامس بدقة 11.95 نانومتر، وهو ما يمثل خطوةً كبيرةً لكسر الاحتكار والهيمنة على سوق الذاكرة من خلال شركاتٍ محددة، كما تثبت هذه الخطوة قدرة قطاع أشباه الموصلات الصيني على تحقيق قفزاتٍ تصنيعيةٍ متقدمة عبر حلولٍ هندسيةٍ بديلة.
وفي هذا المقال نوضح لك كيف استطاعت CXMT تصنيع ذاكرةٍ عشوائيةٍ من الجيل الخامس بدقة 11.95 نانومتر، وما الفرق بين ذاكرة الجيل الخامس والجيل الرابع في الهواتف، وكيف تغلبت الصين على العقوبات الأمريكية في أشباه الموصلات.
ما هي شركة CXMT وماذا أعلنت مؤخرًا؟
شركة ChangXin Memory Technologies، أو كما يُرمز لها CXMT، هي أكبر مُصنِّعٍ صيني لشرائح الذاكرة العشوائية والركيزة الأساسية للصين في محاولة تحقيق الاستقلالية التقنية ومنافسة كبرى الشركات العالمية في صناعة أشباه الموصلات. وقد أعلنت الشركة مؤخرًا عن بدء الإنتاج الفعلي في تصنيع منصة تقنية الجيل الخامس من شرائح الذاكرة العشوائية بدقة 11.95 نانومتر، وهو ما يُعد أمرًا مدهشًا قياسًا بالإمكانات المتاحة بسبب العقوبات الأمريكية.
وكشف الإعلان الأخير للشركة عن إطلاق رقائق ذاكرة بسعة 24 جيجابايت موجهة للهواتف الذكية المتقدمة وأجهزة الذكاء الاصطناعي. وكان النجاح الكبير في تصنيع الرقائق بالاعتماد على تقنية التشكيل الرباعي الموجه ذاتيًا باستعمال أجهزةٍ تقليدية ودون الحاجة للأجهزة الخاضعة للقيود والعقوبات الغربية. وتجلى الإنجاز الآخر في زيادة عدد الشرائح المستخرجة من شريحة السيليكون الواحدة بنسبةٍ تتجاور 50% مقارنةً بالجيل الرابع السابق.

كيف استطاعت CXMT تصنيع ذاكرة عشوائية من الجيل الخامس؟
نجحت الشركة في تصنيع ذاكرة الجيل الخامس من خلال الجمع بين حيلٍ هندسيةٍ متقدمة في علم المواد وبين تقنية التشكيل متعدد للشرائح، وبالتالي استطاعت كسر قيود الحظر الغربي وتجاوز عدم توافر أجهزة الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية، وهو ما يمكن تبسيطه في 4 محاور رئيسية كالتالي:
- تقنية التشكيل الرباعي الموجه: بدلاً من قيام الشركة برسم الدوائر الإلكترونية الدقيقة بضغطٍ واحدة عبر الشعاع الضوئي الفائق، استخدمت الشركة أجهزة الأشعة العميقة التقليدية المتاحة لتقوم بعملية تعريض شريحة السيليكون بالضوء وتكرار الحفر والترسيب 4 مراتٍ متتالية للوصول إلى دقة 11.95 نانومتر.
- البوابات المعدنية عالية العزل: دمجت شركة CXMT تقنية HKMG في بنية خلايا الذاكرة لمنع تسرب الكهرباء، وهو ما يحدث عادةً عند تقليص الأحجام إلى هذه المستويات، وبالتالي ضمنت كفاءة استهلاك الطاقة وسرعة نقل البيانات في الرقائق الجديدة.
- المكثفات فائقة الارتفاع: لضمان قدرة الخلايا على تخزين الشحنات الكهربائية رغم مساحتها السطحية الضئيلة، قامت الشركة بزيادة نسبة ارتفاع المكثف مقارنةً بعرضه، مما رفع ارتفاع مصفوفة الخلايا الكلية.
- ضبط التسامح والدقة الهندسية: الصعوبة الكبيرة للتعريض الرباعي تكمن في احتمالية حدوث خطأ في محاذاة الطبقات، إلا أن الشركة طوّرت عمليات معالجةٍ دقيقة واستخدمتها لرفع إنتاجية الرقائق الصالحة من شريحة السيليكون الواحدة بنسبة تجاوزت 50% مقارنةً بالجيل السابق.
هل تصنع CXMT ذاكرة عشوائية تصل إلى 24 جيجابايت؟
نعم، استطاعت شركة CXMT تصنيع ذاكرةٍ عشوائية تصل سعتها إلى 24 جيجابايت للأجهزة، إلا أنه يجب التمييز بين مفهومين في صناعة الشرائح يخصان شركة CXMT:
- المفهوم الأول يتعلق بسعة الذاكرة الكلية للجهاز، حيث توفر الشركة حزم ذاكرة بسعات إجمالية تصل إلى 24 جيجابايت مخصصة للهواتف الذكية والحواسيب، وتتيح هذه السعة تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي الثقيلة على الجهاز.
- الأمر الثاني يخص إعلان الشركة الأخير عن إنتاجها شريحة سيليكون بكثافة 24 جيجابت، ولأن كل بايت يساوي 8 بت، فإن الشريحة الواحدة تعطي سعة 3 جيجابايت، ويتم تجميع ودمج 8 شرائح لمنح الهاتف ذاكرة رام بسعة 24 جيجابايت.
بهذا الإنجاز أصبحت شركة CXMT قادرةً على تزويد شركات تصنيع الهواتف بشرائح ذاكرة عالية الكثافة والسرعة، والتي تنافس في كفاءتها وسعرها ما تقدمه الشركات العالمية المتقدمة.
ما الفرق بين ذاكرة الجيل الخامس والجيل الرابع في الهواتف؟
تتلخص الفروق الأساسية بين الجيل الخامس والجيل الرابع في 4 جوانب رئيسية:
- سرعة نقل البيانات: توفر ذاكرة الجيل الخامس سرعاتٍ فائقة تصل إلى 8530 ميجابت في الثانية بينما أقصى ما تصل إليه ذاكرة الجيل الرابع هو 4266 ميجابت في الثانية.
- كفاءة استهلاك الطاقة: ذاكرة الجيل الخامس تستهلك طاقةً أقل بنسبة تصل إلى 30% مقارنةً بذاكرة الجيل الرابع، بفضل تقنيات خفض الجهد الكهربائي الآلي والتكيف مع خمول الهاتف.
- دقة التصنيع والسعة: يتم تصنيع ذاكرة الجيل الجديد بدقاتٍ متقدمة تصل إلى 11.95 نانومتر، بينما صُنعت شرائح الجيل الرابع بدقاتٍ تتراوح بين 17 و19 نانومتر، وهو ما يتيح تقليص حجم الشريحة وزيادة سعتها التخزينية في مساحة الهاتف الضيقة.
- دعم الذكاء الاصطناعي والألعاب: توفر ذاكرة الجيل الخامس عرض نطاقٍ ضخم يناسب معالجة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي على الجهاز، وكذلك معالجة الفيديو بدقةٍ عالية وتطبيق الألعاب الثقيلة دون حدوث بطءٍ أو اختناقٍ في الأداء مقارنةً بذاكرة الجيل الرابع.

كيف تغلبت الصين على العقوبات الأمريكية في أشباه الموصلات؟
تغلبت الشركات الصينية على العقوبات في قطاع أشباه الموصلات عبر استراتيجيةٍ متكاملة تعتمد على التوطين المحلي لسلسلة التوريد وابتكار حلولٍ هندسيةٍ جديدة والاستثمار الحكومي المكثف، وهو ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
- الاعتماد على التعريض المتعدد: تقنية هندسية مبتكرة تُستخدم لمضاعفة دقة الأجهزة التقليدية المتاحة، وبالتالي طباعة الدوائر الإلكترونية بدقةٍ عالية تصل إلى أقل من 12 نانومتر دون الحاجة للأجهزة المحظورة.
- توطين معدات التصنيع: ضخت الشركات الصينية استثماراتٍ هائلة في تصنيع معدات السيليكون وتطوير أدوات الحفر والترسيب والتنظيف محليًا للحد من الاعتماد على الشركات الأمريكية.
- تقنيات التغليف المتقدم: ربط الصينيون بين عدة شرائح صغيرة في الحزمة الواحدة بتقنيات تغليفٍ متطورة، وهو ما منح المعالج الخاص بهم قوة أداءٍ عالية مكافئة للشرائح المتقدمة دون الحاجة لتقليل حجم الترانزستور الفردي.
- الابتكار في علم المواد: استطاعوا أيضًا استخدام خاماتٍ متطورة مثل البوابات المعدنية عالية العزل وزيادة أبعاد المكثفات، لتقليل تسريب الطاقة وتوفير مساحةٍ للسطح كما في شرائح الذاكرة الأخيرة.
- الدعم المالي الحكومي: جزء كبير من النجاح يعود للتمويل الضخم وتحمل التكاليف التشغيلية العالية ونسب الهدر في مراحل الإنتاج الأولى من خلال الصندوق الوطني لأشباه الموصلات، وهو ما يمنح الشركات مرونةً مالية للاستثمار في التطوير والبحث رغم العقوبات.
هل تستطيع الصين كسر احتكار Nvidia؟
تستطيع الصين كسر احتكار شركة إنفيديا (Nvidia) جزئيًا في سوقها المحلي بفعل العقوبات والأجهزة الوطنية، إلا أن كسر هذا الاحتكار عالميًا يُعد أمرًا شاقًا للغاية على المدى القصير أو المتوسط، وتفصيل ذلك كالتالي:
عوامل تمكّن الصين من تقليص سيطرة Nvidia
- الاستحواذ على السوق المحلي: استطاعت الصين استبدال إنفيديا في السوق المحلي وحصدت الشركات الصينية حصةً سوقية تجاوزت نصف شرائح الذكاء الاصطناعي داخل الصين.
- الابتكار على مستوى المجموعات: نظرًا لفجوة الأداء في الشريحة المنفردة، لجأت الصين إلى ربط عشرات الآلاف من الشرائح شبكيًا بفضل تقنيات التغليف المتقدم لتجميع قوة معالجةٍ ضخمة تعوض فارق الحجم والأداء.
- الدعم والتمويل المفتوح: حتى الآن، تعوّل الشركات الصينية على الصندوق الوطني لأشباه الموصلات، والذي يضخ عشرات المليارات من الدولارات في التجارب والاختبار وتصنيع الشرائح المحلية وتطويرها.
العوائق أمام الصين لكسر احتكار Nvidia عالميًا
- فجوة التصنيع والطباعة الضوئية: بالطبع تحرم العقوبات المصانع الصينية من أجهزة الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية وتدفعها لتحمُّل الكثير من تكاليف الإنتاج ونسب الشوائب التي تُصعّب عملية منافسة إنفيديا في السوق العالمي.
- جدار البرمجيات المنيعة: العقبة الأكبر والتي تمنح إنفيديا هذه القوة هي البيئة البرمجية التي بنت عليها منظومتها الذكية على مدار عقدين، ورغم محاولات الشركات الصينية لتطوير أدوات للتحول التلقائي للبرمجيات المحلية، ما زال معظم المطورين يعتمدون على إنفيديا.
- سلاسل توريد ذاكرات النطاق العريض: شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطلب ذاكرات وصولٍ عشوائي فائقة السرعة، وهو سوق تحتكره شركات كورية وأمريكية، وبالتالي تخضع لقيود تصديرٍ حازمة للشركات الصينية.
يُمثّل إنجاز شركة CXMT الصينية في تصنيع ذاكرة الجيل الخامس بدقة 11.95 نانومتر تحولًا هيكليًا يثبت أن الحصار التكنولوجي لا يوقف الابتكار، بل يغير مساراته نحو حلولٍ هندسيةٍ بديلة، كما يرسخ نجاح الصين في تطويع المعدات التقليدية وتجاوز العقوبات الغربية بداية عصرٍ جديد لتعدد القطبيات في عالم أشباه الموصلات، حيث لم تعد السيطرة حكرًا على تقنياتٍ بعينها.
نتمنى أن نكون قد قدمنا لك قراءةً متعمقةً وشاملةً تشرح أبعاد هذا الإنجاز التقني والتكنولوجي المثير. شاركنا رؤيتك وتوقعاتك لمستقبل حرب الشرائح الذكية في خانة التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال على شبكات التواصل الاجتماعي لتصل الفائدة لجميع المهتمين بالتقنية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.