شركة الهند الشرقية قصة التنافس الأوروبي على تجارة الخليج العربي

كان التنافس الأوروبي في الخليج العربي خلال القرن السابع عشر والثامن عشر قصة ملحمية من الطموح التجاري والتحولات السياسية، لم تكن مجرد سفن محملة بالبضائع، بل كانت بذورًا لإمبراطوريات مستقبلية. في قلب هذه القصة تقف شركة الهند الشرقية الإنجليزية، الكيان التجاري الجبار الذي تحول تدريجيًا من شريك اقتصادي إلى قوة سياسية وعسكرية غيرت وجه المنطقة إلى الأبد.

في هذا المقال، نغوص في السجلات التاريخية لنكتشف كيف بدأ هذا الصراع، ومن هم لاعبوه الرئيسيون، وكيف تحولت التجارة إلى أداة للهيمنة.

أفول النفوذ البرتغالي وبداية عصر جديد

كان التعاون بين الإنجليز والهولنديين قد بدأ منذ أوائل القرن السابع عشر في إطار شركات الهند الشرقية، والواقع أن هذا التعاون كان يهدف إلى طرد البرتغاليين من منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي، وخاضت الدولتان، إنجلترا وهولندا، معارك مشتركة ضد البرتغال حتى تمكنتا في النهاية من القضاء على النفوذ البرتغالي. ومع أن البرتغال كانت الدولة الأولى التي تبوأت معاملاتها التجارية مركزًا كبيرًا في فرض وجودها في منطقة الخليج العربي، فإن نفوذها سرعان ما دب فيه الضعف.

ففي سنة 1602م تخلصت البحرين من النفوذ البرتغالي واغتصبتها هرمز في سنة 1622م، ثم اتجه المنحنى المتصاعد في المعاملات التجارية مع الدول الأوروبية الأخرى مثل إنجلترا وهولندا وفرنسا. ومع ذلك فقد استمرت سفن البرتغال ومنتجاتها تصل إلى موانئ الخليج العربي طوال القرن السابع عشر والربع الأول من القرن الثامن عشر.

صعود شركة الهند الشرقية الإنجليزية: التأسيس والطموح

إن الصلات التجارية بين أقطار الخليج والدول الأوروبية الكبرى في القرن السابع عشر ترجع إلى جهود عدد من الأفراد، غير أن التنافس بين الدول الأوروبية هو العامل الجوهري. وكان للإنجليز الريادة في تأسيس شركة تجارية باسم شركة الهند الشرقية الإنجليزية بمرسوم ملكي من الملكة إليزابيث في 31 ديسمبر 1600م، إذ كانت إنجلترا قد حققت انتصارًا بحريًّا على إسبانيا سنة 1588م.

صعود شركة الهند الشرقية

بطاقة تعريفية سريعة

  • الاسم الرسمي: شركة حكام وتجار لندن للعمليات التجارية في الهند والأقطار المجاورة.

  • تاريخ التأسيس: 31 ديسمبر 1600م.

  • عدد المساهمين الأصليين: 217 مساهمًا.

  • رأس المال المدفوع: 68,873 جنيهًا إنجليزيًا.

أما مجرى الأحداث التي انتهت بإنشاء الوكالة التجارية التي كان نشاطها يتركز في الخليج العربي في الفترة من 1600 إلى 1616م فقد بدأ برحلة سير أنطوني شيرلي وشقيقه إلى إيران كي يمهدا للنفوذ الإنجليزي هناك، وقد أسفرت جهودهما في النهاية عن فوائد جمة لسمعة إنجلترا في المشرق.

شبكة التجارة في الخليج: موانئ وسلع وطرق بريد

ومع بداية تأسيس شركة الهند الشرقية ونموها دخلت فرنسا حلبة المنافسة اعتباراً من 1649م، غير أن مركزها التجاري في بندر عباس كان قد أغلق، ولم يتمكن الفرنسيون من إقامة مفوضية لهم إلا في منتصف القرن الثامن عشر، عندما نجحوا في إنشاء هذه المفوضية في مدينة البصرة، وذلك على الرغم من أن السفن الفرنسية ترتاد ميناء البصرة وغيرها من موانئ الخليج. ويعني ذلك أن كلتا الدولتين، فرنسا وإنجلترا، كان لهما مراكز تجارية في بندر عباس والبصرة، إضافة إلى هولندا التي كانت لها هي الأخرى مراكز تجارية في أكثر من قطر أو ميناء من الأقطار الواقعة على ساحل الخليج العربي.

فرنسا والتجارة في الخليج العربي

تتحدث سجلات شركة الهند الشرقية الإنجليزية عن قيام البواخر الهولندية بنقل البريد والطرود من المراكز التجارية الأخرى إلى البصرة، وهو ما يوضح العلاقات الطيبة بين الدولتين الأوروبيتين، هولندا وإنجلترا، غير أن هذا التحالف قد انقلب إلى عداء ومنافسة شديدة بعد ذلك بقرنين عندما أصبحت إنجلترا أكبر دول أوروبا التجارية في الخليج.

وقد أُنشئت مراكز تجارية في كل من جامبرون وأصفهان والبصرة وغيرها من مناطق فارس والعراق، وكان وراء إنشاء تلك المراكز التجارية هدفان: الهدف الأول هو توزيع السلع والمواد التي تقوم السفن البريطانية بنقلها من وإلى أقطار الخليج، أما الهدف الثاني فكان يتعلق بمركز البصرة باعتبارها ضمانًا وجود مراكز توزيع بريد الشركة الإنجليزية وهو في طريقه إلى الشرق والغرب.

وتذكر سجلات المركز التجاري البريطاني أن هناك قائمتين للسلع التي كانت تنقل إلى مراكز الخليج العربي: وقائمة بالسلع المستوردة من بومباي «الفلفل، والسكر، والأرز، والفول، والأنسجة القطنية»، وقائمة بالسلع التي يتم تصديرها من البنغال ومنتجاتها «السكر، والزنجبيل، والفلفل، والبضائع القطنية»، ومن جامبرون وطرودها. الأول: بطريق الهند عبر البحر الأحمر إلى أوروبا، وهو الطريق العملي عبر الصحراء من البصرة إلى حلب، أما الطريق البري فكان أضمن الطرق لأن الخطر الوحيد على البريد كان يأتي من القبائل العربية التي كان يمكن كسب صداقتها عن طريق تقديم الهدايا والسلع إليها.

ولم تكن الطريق الكبرى أكثر الطرق أهمية فحسب، بل كانت أسرعها أيضًا فيما يتعلق بأمرين: الأول الاتصال بين كل من بومباي وسورت، والأمر الثاني بالنسبة إلى تجارة الشركة مع منطقة الخليج، فضلًا على ازدياد أهمية هذا الطريق قبل نشوب حرب السنوات السبع «1756-1763م» وفي أعقابها.

من الاقتصاد إلى السياسة: التحول الحتمي للشركات التجارية

وتركزت مهمة وكلاء الشركات التجارية في العمل على توسيع التجارة، وقد اقتضى ذلك بالضرورة عدم الانفصال عن سير الأحداث السياسية في منطقة الخليج والمنطقة العربية برمتها، لما في ذلك من تأثير على النشاط التجاري وحركته. ويعني ذلك أن شركة الهند الشرقية البريطانية قد أصبح لها طابعٌ سياسيٌّ إلى جانب الطابع الاقتصادي، وقد أثرت الأحداث السياسية في منطقة الخليج والمنطقة العربية على اهتمامات الشركة التي انعكست على ظروف محاولة فرنسا احتلال مصر بالحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي.

ولم يقتصر الأمر على الاهتمامات السياسية فحسب ـ كنتيجة لتأمين المصالح التجارية والاقتصادية ـ من جانب بريطانيا، بل تعدى ذلك أيضًا إلى مزيد من الصلاحيات العسكرية والقنصلية عندما اندمجت الشركتان الإنجليزيتان القديمة والحديثة في شركة واحدة في سنة 1708م تحت اسم «مؤسسة اتحاد تجار إنجلترا المتعاملين مع بلدان الهند الشرقية». وكان لهذا الاندماج انعكاساته المحلية والإقليمية من ناحية، ثم الدولية من الناحية الأخرى.

صراعات المصالح: التنافس الإقليمي والدولي

فعلى الصعيد المحلي كان مندوب الشركة الجديدة يوظف أمواله في أعمالها، فاندمجت مصالحه الخاصة مع مصالح الشركة التي يمثلها، وهو ما أدى إلى نشوب خلافات بين الأطراف المحلية في الشركة ذاتها. وعلى الصعيد الإقليمي فقد انتقلت هذه الخلافات إلى الحكومات الإقليمية في المنطقة، وكانت تُحل عن طريق المحاكم في بومباي وإسطنبول، مثال ذلك الخلاف الذي نشب بين سامول ومفوضي البصرة وباشا بغداد في سنة 1792م، والذي أدى إلى نقل الممثلية من البصرة سنة 1793م، وقد ظلت في الكويت حتى سنة 1795م، على الرغم من أن الكويت لم تكن مقرًا ملائمًا لأعمال الشركة كالبصرة.

وعلى الصعيد الدولي فقد أدى تشابك العلاقات الاقتصادية الدولية إلى نشوب الأزمات بين الدولة الفارسية والدولة العثمانية، فقد كانت المراكز التجارية المذكورة تقع ضمن حدود أراضي كل من الحكومتين العثمانية والفارسية، وكان حكام الدولتين يستخدمون السفن الحربية التابعة للشركة في الأزمات التي تنشب بينهما، فضلًا عن استعانة كل منهما بالشركة لتدعيم قوته البحرية في الخليج. وكانت الشركة توزع نشاطها بين الطرفين، غير أن التوازن لم يكن يتحقق، ما أدى إلى وجود خلافات مستمرة لتعارض المصالح بينهما.

وأيًّا كان الأمر، فقد كانت البصرة -وهي منطقة تابعة للدولة العثمانية- أصلح من ميناء جامبرون للمصالح الاقتصادية للشركة، غير أن الحكومة الفرنسية فسرت نقل النشاط التجاري من بلادها إلى مناطق النفوذ التركية كإجراء عدائي ضدها. وعلى الرغم من أن العملية قد أملتها الضرورة وحدها، فقد أرادت الشركة بهذا الإجراء أن تدخل في روع الحكومات المختلفة بأن المركز يمكن أن يستمر في القيام بأعماله مهما تكن الظروف. كما كان ذلك محاولة من الشركة لوضع حد للمواقف العدائية من هذه الحكومات تجاهها. غير أن هذه المحاولة لم تؤتِ الثمار المرجوة منها لأن مفوض البصرة كان هو الآخر يتسم بالتعسف شأنه شأن شيخَي أبي مشهر وجامبرون، ولذلك تعذر إرضاء أي من الدولتين: الدولة الفارسية والدولة العثمانية. غير أن القائمين على الشركة بذلوا جهودهم لتحقيق الازدهار في تجارة الشركة في الخليج على الرغم من الاضطرابات الداخلية التي كانت تسير وتعمل في غير مصلحة الشركة.

وقد كتب دي مارتن فرنش، المشرف على مركز البصرة، إلى مجلس إدارة الشركة خطابًا يقول فيه: «… إن الحرب مع فارس قد أدت إلى وقف الأعمال التجارية في هذه المنطقة حتى إننا لم نتمكن من تصريف بالة واحدة من البضائع خلال عدة أشهر، ولست أرى من الحكمة أن نقوم بتفريغ السفن الحالية حتى نرى كيف تتطور الأمور».

من تجار إلى حكام

في النهاية، تكشف تاريخ الخليج العربي في تلك الفترة كيف أن المشاريع التي بدأت بهدف اقتصادي بحت، مثل شركة الهند الشرقية، تحولت بفعل الظروف والمصالح إلى أدوات سياسية وعسكرية. لقد مهد هذا التنافس التجاري الطريق لعصر جديد من النفوذ والهيمنة الأوروبية في المنطقة، وأثبت أن خطوط التجارة يمكن أن تصبح بسهولة حدودًا للإمبراطوريات.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة