شرح مثل لا تكن حلوًا فتُبتلع: فلسفة الاعتدال في الأمثال العربية

من الأساليب التربوية القديمة العميقة التي لا يزال أثرها فاعلًا إلى يومنا هذا، على الرغم من التقدم العلمي المذهل، وتعدد النظريات التربوية، وتنوع البرامج التعليمية، ضربُ الأمثال؛ فهي عبارات موجزة، قليلة الألفاظ، عظيمة الدلالات، تحمل في طياتها حكمًا جليلة، وترسم المعنى في الذهن رسمًا واضحًا، وتغرسه في الفؤاد غرسًا عميقًا، حتى يغدو كأنه واقعٌ معاش، لا يزول أثره بتقلب الأيام وتعاقب الأزمان.

والمثل الذي نقف عند معانيه في هذا المقال هو قولهم: «لا تكن حلوًا فتُبتلَع، ولا مرًّا فتُلفَظ».

الأمثال العربية

تُعد الأمثال العربية ذاكرة الأمة، ومستودع حكمتها، والوعاء الذي حفظ تجارب العرب الأوائل عبر العصور. هي ليست مجرد جمل عابرة، بل "كبسولات" معرفية تختصر دروس الحياة الطويلة في كلمات معدودة.

أهمية الأمثال العربية

شرح المثل وتفكيك معناه

هذا مثل عربي قديم يتسم بحكمة اجتماعية ونفسية عميقة، ويقوم معناه الإجمالي على الدعوة إلى الاعتدال والوسطية في التعامل مع الناس، والنهي عن الإفراط والتفريط في المعاملات؛ إذ لا إفراط في اللين، ولا مغالاة في الشدَّةِ، بل توازن يضمن للإنسان كرامته ومكانته.

فالمثل يوجِّه الإنسان إلى أن يكون معتدلًا في تعامله مع الجميع: مع أقاربه، ومعارفه، وسائر الناس، فيقول له بلسان الحكمة:

لا تكن لينًا سهلًا متسامحًا إلى حدٍّ يفضي إلى استهانة الناس بك، وانتقاصهم من قدرك، فيتجرؤون عليك، ويهون شأنك في أعينهم.
ولا تكن، في المقابل، فظًا غليظًا قاسيًا؛ فإن الشدَّةَ المفرطةَ تنفِّرُ القلوب، وتبعد الناس، وتقطع أواصر المودة والمعاملة.

فالتسامح إذا جاوز حدَّه أذهب الهيبة، وجعل صاحبه عرضة للسخرية والاستخفاف، كما أن الغلظة والقسوة والجفوة تنفِّرُ الناس وتدفعهم إلى اجتناب التعامل مع صاحبها. ومن ثمَّ جاء هذا المثل ليضع الأمور في نصابها، ويقرر قاعدة جليلة مفادها أن الاعتدال هو الصواب دائمًا، وأن الانحراف عنه في أي اتجاه يورث الضرر.

«لا تكن حلوًا فتُبتلَع»

أي: لا تكن متسامحًا متساهلًا إلى درجة تُغري الآخرين باستغلالك، فيتجاوزون حدودهم معك، ولا يقيمون لك وزنًا؛ لأن كثيرًا من الناس لا يحترمون إلا من يشعرون بقدرته على حفظ حدوده، والدفاع عن حقه، والوقوف موقف الحزم عند الحاجة.

أما من يأمنون جانبه، ويطمئنون إلى أنه لا يواجه ولا يعاتب، فإنهم كثيرًا ما يتهاونون في حقه، ويستخفون بمكانته. فجاء هذا الشطر من المثل ليحذر من هذا المسلك.

ومع ذلك، فالمثل لا يدعو إلى نبذ التواضع أو ترك الحلم؛ فالتواضع خلق محمود، والكبر خلق مذموم، ولكن القاعدة المقررة أن الفضائل إذا أُفرِط فيها انقلبت إلى نقائضها.

«ولا تكن مرًّا فتُلفَظ»

المرارة هنا ضد الحلاوة، والمقصود بها القسوة والغلظة في الطبع والمعاملة. فالإنسان إما أن يكون لينًا، أو قاسيًا، أو معتدلًا بين ذلك.

وهذا تشبيه بليغ يقرب المعنى إلى الأذهان؛ فالشيء المرُّ تنفر منه الطباع، وتلفظه الأفواه، وكذلك الإنسان الغليظ القاسي، تنفر منه القلوب، ويُنبذ من محيطه الاجتماعي.

ومن يتأمل هذا المثل في ضوء الواقع يدرك مقدار حكمته؛ إذ إن صاحبه قد بلغ الغاية في فهم طبائع الناس، وأدرك أن النجاة كل النجاة في التمسك بالاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط، كما قيل: «وخير الأمور أوسطها».

فقولهم: «ولا تكن مرًّا فتُلفَظ» نهيٌ صريح عن المبالغة في القسوة والجفوة؛ لأن من يتصف بذلك يُعرض عنه أهله، وينفر منه من حوله، وربما قُطِعَتِ العلاقةُ به بعد أول تجربة.

واللفظ في اللغة هو الطرح والرمي، فيقال: لفظت الرحى الدقيق إذا أخرجته، ولفظ الإنسان النواة إذا طرحها. فالمعنى أن الإنسان القاسي يُطرَح من القريب والبعيد، ويُقصى عن القلوب والمجالس.

وخلاصة القول إن هذا المثل: «لا تكن حلوًا فتُبتلَع، ولا تكن مرًّا فتُلفَظ» يحمل حكمة بالغة، ويوجه الإنسان إلى بناء شخصية متزنة، تعرف متى تلين ومتى تحزم، ومتى تعفو ومتى تقف موقف الحزم.

فلا يكون المرء متساهلًا إلى حدٍّ يُزدَرى فيه، ولا قاسيًا إلى حدٍّ يُنبَذ ويُجتنب، بل يكون معتدلًا في أقواله وأفعاله ومعاملاته؛ فالاعتدال محمود، والإفراط والتفريط مذمومان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

متابعي الأوفياء سعيد مرحبا بكم في متابعة صفحتي وقراءة مقالاتي اتمنى لكم قراءة ممتعة لا تنسو توجيهنا بانتقادتكم البناءة فذلك شرف لنا
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.