شتاء أمنيات

وفي شتاءٍ وقفتُ أمامَ المحطَّاتِ

أجودُ بدمعي على ما تبقَّى من ذكرياتي

 

وقلتُ للريحِ يا ريحُ الهوى مهلًا

فقد تعبَ القلبُ من زحمةِ الأمنيــاتِ

 

وأين أمضي وليلُ الحزنِ يطويني

كأنَّهُ البحرُ في طوفانِ عبراتــي

 

ما عاد في القلبِ إلَّا بعضُ أغنيةٍ

تهيم مثلي على أطرافِ خطواتـي

 

فاكتبْ إليَّ إذا مرَّت بك الذكرى

فلعلَّ حرفًا يعيدُ اليومَ نبضَ حياتـي

 

ما ضرَّني البُعدُ لو أنِّي تناسيتُ

لكنَّ ما فاتَ لا يمضي بـ «سهلِ الفواتِ»

 

فالحبُّ نارٌ إذا عمَّتْ جوانحَنا

تذيبُ صبرًا، وتجمع شتاتَ اللحظاتِ

 

فيا رفيقَ الدروبِ الغابراتِ إذا

رجعتَ يومًا… ستقرأ وجهَ حكايــاتي

 

وفي شتاءٍ وقفتُ أمامَ المحطَّاتِ

أجودُ بدمعي على ما تبقَّى من ذكرياتي

 

أُطيلُ نظري، كأنِّي أرتجي أملًا

يجيءُ يشدُّ ما أوهَى من الساحاتِ

 

فالعمرُ يمضي، وما زالتْ مسافـتُهُ

تتوهُ بي بين آمالي وانكساراتي

 

كم ودَّعتْني دروبٌ كنتُ أعشقُها

وظلَّ صداها يمرُّ الآن في صمْتاتــي

 

يا ليتَ دفءَ يديــكِ الآن يحتضِنـي

فـشتاءُ قلبي يطولُ دونَ ومضـــاتِ

 

إنِّي وقفتُ على الأبوابِ منتظرًا

لكنَّ أبوابَ حظِّي ضاقتِ الفُرصــاتِ

 

ولم أزلْ أكتبُ الأشعارَ أرسلُهـا

علَّ القصيدَ يضمِّدُ بعضَ آهاتــي

 

فإنْ رجعتِ، سأروي كيفَ أرَّهقَني

شوقٌ يسافرُ بي في كلِّ أوقاتــي

 

أمضي وحيدًا، وتحتَ الصَّمتِ أسـألُني

هل كان قلبي أسيرًا للخيالاتِ؟

 

كم مرَّ ظلُّكِ فوقَ الدربِ يُربكني

فأتبِعُ الخطوَ بحثًا بين همسِ الريـاحاتِ

 

يا من تركتِ بيَ الأوجاعَ مُرهَقةً

وما تركتِ بقلبي غيرَ الذكـرياتِ

 

علَّمتِ نفسي بأنْ تمضي بلا أملٍ

لكنَّها خَذلَتني في المحاولاتِ

 

ما عاد في الليلِ غيرُ البُعدِ يلسعنـي

كأنَّهُ الجمرُ تحتَ الروحِ جمـراتِ

 

وتسألينَ: لماذا الحزنُ يسكنُني؟

وكيفَ يبرأُ قلبٌ من جراحِ فتـاتِ؟

 

إن كنتِ يومًا على دربِ الهوى رجعتِ

فستجدين بقايا نبضِ أمنياتي

 

فارجعي يومًا… فإني ما فقدتُ هوىً

ولا تبدَّلتُ رغمَ العمرِ والسنواتِ

 

وما زلتُ أمشي.. وفي صدري أسائلُني

عمَّا تبقَّى من الآمالِ في دجـناتِ

 

أحصي خطايا الهوى، أعدُّ خطـواتي

وأرجعُ اللومَ نفسي بعدَ بُرهـاتِ

 

فالليلُ مرَّ، ولكنِّي أؤرِّخُهُ

بين السطورِ كأني وارثُ العَبَراتِ

 

يا صوتَها حينَ كان الدفءُ يسكنُهُ

ما زال يجري بصدري رغمَ خَفوَاتِ

 

أبكي الفصولَ التي مرَّت بلا أثرٍ

وأبكي دربًا تناثرتْ بهِ ومضـاتِ

 

أبكي مكانًا لجأنا فيهِ من زمَنٍ

كان الحنينُ لهُ يجري بأنفاسـي

 

أبكي لياليَ على كتفيكِ تجمعُني

وتذرفُ العينُ شوقًا بعد غيـباتِ

 

لكنَّ ما فاتَ من أيامِنا رحلٌ

وليس يشفى فؤادٌ من تشظِّياتِ

 

وإن سألتي: أتبكي من تذكُّرِها؟

أقولُ: تبكي جروحي من تَصدُّعاتي

 

وتمتدُّ في الروحِ أسئلةٌ مؤرِّقةٌ

تُحيي جراحًا تناءت منذُ سنواتِ

 

أمشي على طرقٍ ما عاد يعرفُها

غيرُ الحنينِ الذي يختالُ في جهاتِ

 

كم مرَّ طيفُكِ فوقَ البحرِ يُلهمُني

فأغزلُ الشوقَ أمواجًا بآهـاتي

 

حتى ظننتُ بأنَّ البحرَ يعرفُني

وبأنَّهُ شاركني بعضَ الحكاياتِ

 

يا من تركتِ بصدري ريحَ غربتِها

تجتاحُ صبري وتستنزف سكونَ حياتي

 

هل تسمعينَ ندائي حينَ أطلقُهُ

أم ضاعَ صوتي كما ضاعتْ أمنياتي؟

 

إنِّي وقفتُ على بوَّابةِ الذكرى

أعدُّ ما فاتَ من وعدٍ وتنهُّداتِ

 

ولم أزلْ، كلَّما اشتدَّ الأسى وجِعي

أبني من الشعرِ ما يُرمِّمُ انكساراتي

 

فإن رجعتِ… سأروي كيفَ أثقلني

شوقٌ يلاحقُني في كلِّ لحظاتِ

 

ويا شتاءَ الدجى… طالَ التغرُّبُ بي

حتى غدوتُ غريبًا بين نظراتي

 

أمضي وأجمعُ بردًا من مواجعِهِ

كي أستعينَ بهِ في قوةِ الساعاتِ

 

فالدهرُ يمضي، وما زالتْ جراحُهُ

تكسو الليالي بصمتٍ دونَ رحمــاتِ

 

يا ليتَ دربًا من الأحلامِ يسعفني

ويمسحُ الحزنَ عن قلبي وأنَّاتـي

 

لكنَّني واقفٌ ما بين منزِلَـتَينِ

بينَ الرجوعِ… وبينَ المستحيلاتِ

 

إني حملتُ بكفِّي كلَّ أوجعِها

وخفتُ أن تنكسر يومًا على عثراتي

 

كم قلتُ أصبرْ… ولكنَّ الصبرَ أثقَلَني

حتى غدوتُ كسيرًا من توجُّـعاتِ

 

ولم أزلْ -رغم أنفِ الحزنِ- أحملُهُ

حبًّا يسيلُ بقلبي دونَ تنهداتِ

 

فإن ذكرتِ فتىً في الدربِ يطرُقُكِ

فاعلمي أنَّهُ ما زالَ في ثباتِ

 

وتمتدُّ في وحشةِ الدربِ المفارِقُ بي

حتى غدوتُ كساعٍ خلفَ ومضاتِ

 

أمشي وأحملُ فوقَ الرملِ خطوتي

وأخشى بأن يمحُوَها صمتُ العواصـفِ ذاتي

 

كم أسندتْني مُنىً كانت تُرافقُني

واليومَ أمشي بلا ظلٍّ ولا ركـناتِ

 

كم قلتُ إنِّي سأطوي الحزنَ في ورقي

لكنَّهُ عادَ يرويني بشدَّاتِ

 

يا من تركتِ بقلبي ألفَ أغنيةٍ

ما زال لحنُ الهوى يمضي بتنهداتي

 

لا الليلُ يرحمُ ما أخفيهِ من وجَعٍ

ولا النهارُ يُبدِّدْ ثِقلَ آهاتي

 

أشتاقُ صوتًا يحاكي ما تبعثرَ بي

فالشوقُ أقسى إذا طالَت المسافــاتِ

 

وأرقبُ البابَ، لا أرجو سوى أمَلٍ

قد يطرقُ البابَ يومًا دونَ إشعاراتِ

 

إن ضاعَ عمري فما ضاعتْ محبتُكم

ما زالت تسكنُ في صدري وتفاصيلـي وثباتي

 

وإن رحلتِ… فإني ما تركتُ هوىً

ولا نفضتُ بقلبي آخرَ النبضاتِ

 

سيظلُّ ذكركِ كالإيمانِ أحملُهُ

يمشي معي بينَ أنفاسي وصلواتي

 

وإن سألتِ: أتبقى بعدَ غُربتِنا؟

أقولُ: يبقى… فهذا الحبُّ إرثاتِ

 

فامضِي… ولكنْ إذا مرَّتْ خطاكِ هنا

ستجدين قلبي على الدربِ الذي فات

 

ما خنتُ وعدًا… ولا غيَّرْتُ بوصلتي

إني وفيتُ… وهذه آخرُ الكلماتِ

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رائع كالعادة ومتميز
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

العفو بعض ما لديكم أستاذتي كل الشكر والتقدير
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.