ما هو ثمن الأكاذيب؟" قد تكون تلك العبارة الافتتاحية هي (نواة) خطاب مسلسل تشرنوبل (الأمريكي)، وينفجر مخزون العبارة في الدقائق الخمس الأولى من العمل، ثم تنتج هذه الدقائق ما يشبه طاقة هائلة نووية الطابع خلال الحلقات الخمس لهذا العمل، الذي راوح صُنَّاعه بين آليات صناعة مسلسل تليفزيوني وآليات صناعة فيلم روائي ذي طابع تسجيلي، ليتناولوا كارثة انفجار مفاعل تشرنوبل السوفيتي عام 1986.
اقرأ ايضاً تعرف الآن على الفكرة الرئيسية والأزلية لمسلسل 60 دقيقة
الجملة الافتتاحية في مسلسل تشرنوبل
تأتي تلك العبارة التساؤلية كافتتاحية مشهد لم يخل من لغة بصرية تختصر معاناة البطل، من المنضدة المبعثرة التي تشير إلى خلط الأوراق وأن (لا شيء يهم)، إلى حذاء بطل المشهد الذي يصاحب عبارة "نحاول أن نقنع أنفسنا بالقصص"، في إشارة إلى أن لا مصير لهذه القصص التي تعج بالأكاذيب سوى أن تطأها الأحذية.
فاستطاعت افتتاحية العمل بتفاصيلها الصغيرة توثيق ما خلَّفه الكذب من نتائج كارثية، أدت بعد عدة أعوام إلى تفكك الاتحاد السوفيتي، وما طال كثيرًا من أبنائه الذين تعاملوا بشفافية وموضوعية مع الكارثة النووية الأضخم في تاريخ البشرية، ممثلين في نموذج "فاليري ليجاسوف"، الذي أدى دوره الممثل البريطاني جاريد هاريس.
اقرأ ايضاً ملخص مسلسل POI الأمريكي.. هل أنت مراقب حقًّا طوال الوقت؟
ملخص أحداث مسلسل تشرنوبل
يبدأ المسلسل، الذي عُرض للمرة الأولى في 6 مايو 2019، بتسجيل العالِم الفيزيائي السوفييتي فاليري ليجاسوف لشهادته كاملة قبل إقدامه على الانتحار، والتي نستمع إلى أجزاء أخرى منها في نهاية العمل، فيروي ما كان في مفاعل تشرنوبل -كاملاً- وقت انفجاره، مكثفًا مبادئه في حفظ حياة الآخرين حتى آخر لحظة في تقديمه اللبن/الحياة لقطته قبل أن يشنق نفسه.
في ظني أنه ليست ثمة لقطة مجانية في تلك الدقائق الست الأولى من العمل الذي يتكون من خمس حلقات فقط لا غير، إذ تمثل هذه الدقائق نواة أساسية تنشطر منها رؤية العمل ككل.
ليحيط في النهاية بكل جوانب المأساة التي طالت كل أشكال الحياة في هذه المنطقة والمناطق المجاورة من إنسان وحيوان ونبات، من خلال مراوحة مخرجه يوهان رينك بين أدوات فنية تلفزيونية وثائقية وأخرى سينمائية روائية ذات طابع تسجيلي، فلا يخفى على أحد أن توثيق مسؤولية الاتحاد السوفيتي عن تلك المأساة العالمية أحد أهداف هذا العمل.
وينتقل المشهد إلى لقطة احتراق السيجارة تلقائيًّا التي تصاحب عبارة "في هذه القصص، لا يهم من هم الأبطال"، في إشارة إلى أن الكوارث الكبرى لا تلقي بالًا لكل فرد.
ولا لزخم تفاصيله وأحلامه وعثراته، ففي محرقة ضخمة كتشرنوبل ينتهي الإنسان مثل السيجارة، بالبساطة نفسها، وهو ما حدث تمامًا، فالجهات الرسمية فعلًا اعتنت بـ(العدد) لا (الإنسان)، الذي يكون في تلك اللحظات رقم لا أكثر، وهو ما تؤكده الحلقات اللاحقة، وبخاصة المشهد الذي يأتي في الحلقة الرابعة والذي يهنئ فيه الضباط -بمنتهى الفخر- بضع عشرات من الجنود بأنهم من تبقوا من 3828 جنديًّا.
اقرأ ايضاً مسلسل house of dragon.. الموسم الأول عن التنانين الأسطورية
مشاهد رئيسة في مسلسل تشرنوبل
تسجل اللقطات المتتابعة في المشهد الأول (عداد كهرباء يسير ببطء/عقرب ثوانٍ في ساعة حائط يحدث تكتكة لا معنى لها سوى ما تبقى في عمر هذا العالِم الفيزيائي.
إضافة إلى إشارتها إلى ثقل الوقت حال مروره/منضدة اختلط عليها كل شيء، ما يزيد من إبراز مصير البطل من تجاهل وتهميش)؛ تسجل ما يجعلنا متورطين مع شخص وحيد رأى حقيقة الأمر بجوانبها التي يمكن إثبات بعض خطوطها.
ولا يمكن إثبات بعض خطوطها الأخرى، وضعه قدره أمام المسؤولية التاريخية والتعبير عن ذلك كله بمفردات بصرية عدمية بامتياز، توثق عزيمته على ترك مستند يكشف عن الحقيقة كما رآها في مواجهة هزيمته المؤقتة والتي دفعته للانتحار.
حين تكون الحقيقة في صندوق القمامة
يخبئ ليجاسوف في المشهد التالي شرائطه الذي سجل عليها شهادته كاملةً في صندوق القمامة المنزلي الخاص به، ثم يخرج من باب المنزل ليفرغه في صندوق القمامة العمومي الذي يسجل حضورًا قويًّا في إشارات الدقائق الأولى، وكأنه يشير إلى أن الحقيقة وحدها يمكنها أن تنجو من مزبلة التاريخ، قبل أن يدس الشرائط في الشباك أعلى صندوق القمامة الخاص بالشارع.
إن الحياة تنحاز إلى ليجاسوف، فرغم انتحاره في النهاية؛ فإنَّه قبلاً اختار أن يقول كلمته للتاريخ قبل أن يمر، ينظر إلى الشارع وكأنه ينظر إلى العالم نظرة أخيرة0
وكأنه يريد أن يحفظه في عينيه، مرتاحًا إلى أنه قد ترك رسالته خلفه، وهذا هو ما يصدق عليه التتر النهائي للمسلسل بتكريم ليجاسوف وتصديق ما قال لكن بعد وفاته بالطبع.
اقرأ ايضاً مسلسل house of dragon .. شاهد ملخص المسلسل وشخصياته
طاقة الألوان في مسلسل تشرنوبل
اعتمد المخرج في تكوين مشهد على ألوان قاتمة، ولقطات ضيقة كئيبة إلى حد كبير، تناسب ضيق الأفق، وتتساوق مع التعتيم على الحقيقة.
مشيرًا بذلك إلى أن ليجاسوف ليس أكثر من مجرد رمز لعدد لا نهائي من العلماء السوفييت، الذين خشوا على أنفسهم من قول الحقيقة في تلك الحقبة المعتمة التي أعقبت الكارثة.
ولأن الفن في مثل تلك الأعمال يتخذ من التخييل وسيلة لتوثيق الحقائق، فقد وُضعت شخصية (أولانا خوميوك) رمزًا من صنع خيال المؤلف لعدد كبير من العلماء الذين ساعدوا ليجاسوف، في حين يمثل (الرفيق شيربينا) -وهو شخصية حقيقية- عددًا من نماذج السياسيين السوفييت الذين تعاملوا مع الكارثة بأدوات التعتيم.
واحتكار الحقيقة مع إخفائها كما أوضحها مسلسل تشرنوبل، وإن كان العمل ككل يدين الحركة الكلية للدولة في ذلك الوقت، ولعل الإتقان في معظم خطوط العمل من شخصيات وأحداث جعله يجتاز في التقييم أعمالًا درامية شهيرة منها صراع العروش، فقد حصل في 2019 على تقييم 9.7 من قبل 59,427 شخص.
الرسالة الأمريكاني
وكذلك في مشهد مراقبة مخبر من الكي جي بي لمنزل "ليجاسوف"، يكرس العمل لما يعني به المسلسل من الإضاءة على عيوب الأنظمة الشمولية من رؤى تقدم المراقبة البوليسية على القيمة الإنسانية، فهذا المخبر المكلف بالمراقبة يؤدي عمله روتينيًّا.
وغالبًا لا يدرك قيمة ما يفعل أو أبعاده، فالبيروقراطية حينئذ تراقب العلم، والنمطية والجمود يتسلطان على الإبداع والحركة.
شارك في بطولة مسلسل تشرنوبل الذي رصد الكارثة الكونية التي حدثت بسبب انفجار المفاعل رقم 4 في محطة تشرنوبل الشهيرة في شمال أوكرانيا السوفيتية 25-26 إبريل عام 1986، كل من جاريد هاريس، ستيلان سكارسجارد، إميلي واتسون، بول ريتر، جيسي باكلي، أدريان رولينز، وكون أونيل، وآخرون.
ودومًا يحرض موقع جوَّك على تقديم أكبر عدد ممكن من المراجعات للمسلسلات القوية والأفلام الوثائقية وأفلام الأنيميشن، وكذلك المسلسلات القصيرة كما حدث اليوم مع مراجعة مسلسل تشرنوبل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.