أبو الطيب المتنبي شخصية عربية، بل شاعر لشهرته صدى أقوى من صرخة استغاثة في كهف فارغ. وكما نعلم فالعربية لغة من أبلغ اللغات.. إنها محيط لا لغة فحسب، ومع ذلك نال شرف أن يلقب بشاعر العرب.
ولهذا سنتناول اليوم بعض المعلومات المهمة عنه، إذ كانت مسيرته مثيرة للاهتمام، كما نلاحظ امتلاكه لاعتزاز بالنفس وصل لمراحل قد يقول البعض إنه مبالغ فيها.
ولكن ليس هذا موضوع اليوم، إذ سيتكلم مقال اليوم عن حياته، وفاته التي كانت تطبيقا لعبارة "استُعمِلَ سلاحه ضده"، وسبب لقبه الشهير، بالإضافة لبعض الأمثلة والصفات لشعره.
قد يهمك أيضًا أبي العلاء المعري.. سيرة ذاتية
محتويات المقال (حياة المتنبي):
· ولادته.
· حياته.
· وفاته.
· سبب تلقيبه بالمتنبي.
· سِمات شعره.
ولادة المتنبي
ولد المتنبي في الكوفة وفيها نشأ ونُسب إليها.
أما عن أين تقع فهي في ما يعرف بمنطقة الفرات الأوسط جنوب بغداد، وهي مدينة عُرفت بالعلم والعلوم الدينية والأدب.
أما عن نسبه فهو:
«أَحْمَد بن الحُسَيْن بن الحَسَن بن عَبد الصَّمْد الجَعفِي الكندي الكوفي»
ومن المثير للاهتمام أنه نظَّم أول أشعاره صبيًّا، تحديدًا وعمره 9 سنوات واستمر في حبه للعلم والسعي له برغم ما شهدته فترة نشأته من تفكك في الدولة العباسية وظروف صعبة؛ إذ كانت فترة تصدُّع سياسي وتوتر وصراع عاشها العرب والمسلمون.
ولا سيما أن السلطان الفعلي أصبح بأيدي الوزراء وقادة الجيوش وقد كان معظمهم من غير العرب.
وفي هذه الظروف المضطربة نشأ أبو الطيب المتنبي، والذي لم يمنعه كل هذا من السعي لطلب العلم رغم الفقر، وقد اتسم بالوعي والذكاء الفطري، كما تميز بقوة الحفظ فأخذ بأسباب الثقافة مستغلًا حبه للقراءة.
قد يهمك أيضًا إبراهيم نصر الله وسيرته الطائرة
حياة المتنبي
في تلك الفترة كان لكل وزير وأمير في الكيانات السياسية المتنافسة مجلس من العلماء والشعراء، وقد تسأل لمَ؟
ببساطة كان الشعر في وقتها مثل الدعاية والإعلام بل وفي أحيان كثيرة كان وسيلة لتسجيل التاريخ، ومن ذا الذي لا يريد أن يذكره التاريخ بشكل حسن؟
كما كان الشعراء وسيلة للتفاخر والصلة بين الحكام والمجتمع، وكل هذا صبَّ في مصلحة الشعراء، فكان منهم أغنياء وذوو مكانة فذة؛ فالشعر كان مهنة في كثير من الأحيان لا هواية في الغالب كما هو الآن.
ولم يكن المتنبي ممن يرضى بالقليل، بل ولا حتى بالكثير؛ لذلك ظل يبحث عن مكان يستحقه، غير مستقرٍّ عند أمير ولا في مدينة إلى أن وصل لسيف الدولة ابن حمدان (وهو أمير ومؤسس إمارة حلب إذ إنه في فترة ما غادر الموصل وتوجه إلى شمالي الشام، منتزعًا مدينة حلب وضواحيها من يد الأخشيديين عام 944 ميلادي، وضمت إمارة حلب معظم شمال سوريا وأجزاء من غرب الجزيرة).
وهكذا وفي عام 337 هجري بدأت صداقة المتنبي مع سيف الدولة بن حمدان، فكان من أخلص خلصائه وكان بينهما مودة واحترام، وخاض معه المعارك ضد الروم، كما تعد سيفياته أصفى شعره.
وفي تلك الفترة ازداد أبو الطيب كبرياءً، لا سيما في حضور سيف الدولة، فظن أنه وصل إلى مبتغاه، كما عاش في تلك الفترة معززًا مكرَّمًا، وقد مُيِّز عن غيره من الشعراء.
ولكن وبرغم ذلك بقي لديه شعور بأنه لم ينل حقه، ويريد مزيدًا، بينما كان يوجد كثير من الحاقدين الذين ظنوا أنه حصل على أكثر من حقه أساسًا، وهكذا بقي يسعى رغبة بمجد أكبر وأكبر، وفي الوقت ذاته كان يصل إليه أن سيف الدولة غير راضٍ عنه.
وبدأت المسافة تتسع بينهما وبدأ يشعر المتنبي بأن فردوسه هذا في خطر، وزاد الأمر سوءًا عندما اعتدى عليه ابن خالويه بحضور سيف الدولة، حيث رمى عليه دواة الحبر.
ويومها لم ينتصف له سيف الدولة أو يثأر فأصيب بالخيبة وبجرح أصاب كرامته عميقًا، وهكذا عزم على المغادرة ولم يستطع أن يتراجع لكبريائه، بل أراد أن يمضي بعزمه فما كان منه إلا أن أنشد الشعر وأبدى مواقف عتاب صريح.
وكان آخر ما أنشده إياه ميميته في سنة 345 هـ ومنها: (لا تطلبن كريمًا بعد رؤيته).
إذ بعد تسعة سنين ونصف قضاها في بلاط سيف الدولة جفاه الأمير، وزاد من حدة الأمر كارهو المتنبي.
ولكن المتنبي برغم ذلك فارق سيف الدولة وهو غير كاره له، ولكنه كره الجو الذي تسبب به الكارهون والمنافسون.
قد يهمك أيضًا قراءة في رواية ديفيد كوبرفيلد
وفاة المتنبي
كان المتنبي قد هجا ضبة بن يزيد الأسدي العيني بقصيدة شديدة الهجاء شنيعة الألفاظ وتحتوي على كثير من الطعن في الشرف.
فلما كان المتنبي عائدًا إلى الكوفة، وكان في جماعة منهم ابنه محمد وغلامه مفلح، لقيه فاتك بن أبي جهل الأسدي، وهو خال ضبّة بن يزيد العوني الذي هجاه المتنبي، وكان في جماعة أيضًا.
فتقاتل الفريقان وقُتل ابنه محمد وغلامه مفلح بالنعمانية بالقرب من دير العاقول جنوب غرب بغداد.
ولما ظفر به فاتك أراد الهرب فقال له غلامه:
أتهرب وأنت القائل:
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
فما كان منه إلا أن قال: قتلتني قتلك الله.
وهكذ قُتل المتنبي، وقيل إنه قتل في 28 رمضان عام 354هـ.
سبب تلقيبه بالمتنبي
السبب - وكما هو معروف - لادعائه النبوة، ولكن التفاصيل مجهولة للكثير، إذ حدث هذا في بادية السماوة، وعندما ذاع أمره وفشا سره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص وأسره.
ولم يحل عقاله حتى استتابه، كما لم يمض وقت طويل بعد تخلية سبيله حتى لحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان.
قد يهمك أيضًا الشاعر عبدالله البردوني | أهم كتبه ودواوينه ومسيرة حياته
سمات شعره
في هذه الجزئية سنصف شعره؛ إذ إنه ترك تراثًا عظيمًا من الشعر يصل إلى 326 قصيدة تمثل عنوانًا ونواحي من حياته كما أعطت معلومات عن ذلك الزمان.
ونلاحظ أن معظم قصائده تدور حول نفسه ومدح الملوك، ونلاحظ كتابته لعشرين قصيدة في مدح سيف الدولة؛ إذ إنهما، وكما ذكرت سابقًا، كان بينهما مودة واحترام، وخاض معه المعارك ضد الروم، كما تعد سيفياته أصفى شعره.
غير أن المتنبي حافظ على عادته في إفراد الجزء الأكبر من قصيدته لنفسه وتقديمه إياها على ممدوحه.
وإن اجتهاد المتنبي في الشعر لا يقوم على التكلف، بل يتميز شعره بالإحساس واللغة والبيان، كما يتميز خياله بالخصابة مما أضفى على شعره جزالة الألفاظ، بل وأضفى عليه عذوبة.
وتميزت عباراته بالرصانة والقوة التي تلائم روحه، وكما ينطلق في عباراته انطلاقًا فلا يُعنى فيه كثيرًا بالمحسنات والصناعة، وحكمته قد جسَّدها شعره وبرزت بقوة لا سيما في قصائده الأخيرة التي بدا فيها وكأنه يودع الدنيا، مثال قوله: أبلى الهوى بدني.
قد يهمك أيضًا الشاعر السوداني علي عبد القيوم
صورة واقعية
وبالإضافة للجمال، تمكَّن شعر المتنبي من إظهار صورة صادقة لعصره وحياته؛ فيعتبر سجلًا تاريخيًّا، كما أنه تميز بوصف المعارك والحروب بكثافة، ووصف أخلاق الناس ونوازعهم النفسية.
ودلَّ شعره على آرائه ومذاهبه الفلسفية ونضجه العلمي، بل ويمثل شعره حياته المضطربة فذكر فيه سخطه ورضاه، حرصه على المال، شجاعته، علمه، طموحه، واستكباره عن مدح كثير من الولاة والقادة، وغيرها.
ومن المثير للاهتمام أنه لم يُكثر فعليًّا من الهجاء وكان في هجائه يأتي بحكم يجعلها قواعد عامة تخضع لمبدأ وخلق، وعندما يهجي كان كثيرًا ما يلجأ للتهكم، أو استعمال ألقاب تحمل في موسيقاها معناها، وتسبب جوًّا من السخرية بمجرد لفظها.
وفي بعض الأحيان كان سخطه يدفعه إلى الهجاء اللاذع، ومن قوله في هجاء كافور:
من أية الطرق يأتي مثلك الكرم أين المحاجم يا كافور والجلم
جاز الأولى ملكت كفاك قدرهم فعرفوا بك أن الكلب فوقهم
سادات كل أناس من نفوسهم وسادة المسلمين الأعبد القزم
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
كما أنه اشتهر بالحكمة، وكثيرٌ مما قاله قد أصبح أحكامًا وأمثالًا؛ وذلك لأنه يتصل بالنفس الإنسانية، ويردد نوازعها وآلامها، كذلك يقول:
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل
والهجر أقتل لي مما أراقبه أنا الغريق فما خوفي من البلل
كذلك قوله:
ما كلُّ ما يتمناه المَرْءُ يُدْرِكُهُ تجرِي الرِّياحُ بمَا لا تَشتَهي السّفُنُ
فخلاصة القول، أن المتنبي شخصية تاريخية لها مكانة عظيمة، وتحديدًا في الشعر، إذ يعد من رموزه المتصلة به، فلا يمكن إنكار عبقريته، وتميزه في مجاله، وقصائده ما زالت حتى يومنا هذا مرجعًا أو مصدرًا لإلهام كثير من قارئي الشعر ودارسي اللغة العربية.
إذن، هل استفدتم من المقال؟
هل نال إعجابكم؟ وهل كان وما زال للمتنبي أثر في هذا العالم؟ أم أن لديكم رأيًا مغايرًا؟
المصادر:
-ويكيبيديا الموسوعة الحرة
-ديوان المتنبي
-الموقع الرسمي لجريدة عمان
قد يهمك أيضًا
-أحمد خالد توفيق "العراب".. معلومات ربما تعرفها لأول مرة
-من المعلقة إلى الخاطــرة.. مراحل تطور الفكر الإنساني الأدبي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.