لماذا نخشى لحظات الوداع الأخيرة وكيف نواجه ثقل الرحيل؟

تُعد سيكولوجية النهايات واحدةً من أعقد التجارب الإنسانية التي نمر بها؛ فهي ليست مجرد رحيلٍ عن مكان أو شخص، بل هي صدمة شعورية تعيد تشكيل الوعي، ويظل البحث عن وداعٍ لائقٍ هو الهاجس الأكبر للقلب، بينما يغرق العقل في تحليل ألم اللحظات الأخيرة التي تأتينا بغتةً دون استئذان.

اللحظات الأخيرة من كل شيء هي لحظات فارقة، اللحظات التي لا تعلم كنهها أو أي مشاعر تلك التي تتخللك حينها، تراك مكتظًا من الداخل، وإذا هممت بنطق كلمة واحدة، تفلتت الحروف من ثنايا فمك، وتاهت وجهتك فجأة وأنت قبطانها.

كنت أودع أماكن كثيرة دون أن أعلم أني أراها للمرة الأخيرة، ولا أكترث إن كان الوداع حزينًا أو قاسيًا، تمنيت لو كنت أعلم أنني لا أملك سوى لحظات معدودة، تمنيت لو أنه كان هناك متسع للقاء لائق، تمنيت لو لم أكن أنا.

ما كنت لأهرب كلما واتتني الفرصة، أو كلما ذبل الورد بيدي لذروة اهتمامي به، لم أكن أعلم أنه يوجد متسع للركض، للاختفاء، للبكاء، ولذلك الصوت. ما كنت أود أن أصير إلى ما صرت إليه. هي دروب، وللدروب ثقل غير مفهوم أحيانًا.

كنت لا أحفل بالكثير؛ الوقت، الزمن، الوحدة، الحيرة. كلها مفردات عبثية، أحفظ السيناريوهات ولا أجيد تخمينها، الليل غيبًا يتلوَّني بلا هوادة، والطرقات تشتاق لخطواتي، لم يكن وقع خطواتي بذلك اللطف المغلف بالقسوة أبدًا، يعيقني الحنين، أن تسمع الأصوات المختلطة بداخلك، صدى مزعج دون وعي.

صوب المحراب يتلو صلواته، تكبيراته تهز الأركان، تبكي عيناه وتلمع دموعه وترتجف يُمنَاه، يجهش ويزداد، طنين قلبه يؤلمه ويزداد، العمر وحده يصحبه ويزداد، صوته الأجش وحده يحتضنك رغم وهنه. أذكر أنه قد مر زمن منذ أن رأيتني هكذا، أذكر أنني في الحقيقة لم أكن قد عرجت إلى هنا من قبل.

تعلم إذًا ماذا حل بي، حريٌّ بك إذًا أن تستزيدني يا رجل. ماذا؟ لحظة، أنا لم أحادثك، أنا لا أعرفك أصلًا ولم تعرفني من قبل. أنا أنت قبل عام أو يزيد، عنفوان ورودك لا يزال في أنفي، نسيم قهوتك يملأ المكان، نظارتك، حلمك، صمتك وثقلك، وليلك المضيء.

بخطوات الطفل المُثقل التي تكتنفك، يؤذن المؤذن ويعلو نداؤه، تتردد في نفسك الرهبة، لا تجسر على الهرب، ولست بشجاع على أن تبدي أي امتعاض، تجلس في سكينة، نظرة بلا كلام، تدمع، تبكي، يربت على صدرك: «أيا بني، زدني».

الغياب السرمدي للأمل، الضوء الخافت الذي يزيد كلما بهت.

أتعلم، الوضع هنا غير لطيف بالمرة، ويأخذ منحنى غير مرغوب فيه، ولكننا نسير معه كالنيام المسيَّرين بلا إرادة، لأنه لا يوجد أي خيار آخر للأسف. بيني وبينك، حريٌّ بي هذه المرة أن يظل المكان وأرحل أنا، كلهم رحلوا، حتى أنا.

كم مرة علمنا أنها النهاية وضاق بنا الكون ذرعًا، ولم نعلم ماذا يجدر بنا أن نفعل، وكم مرة تأتينا النهايات على عجلٍ ونشعر بذات الضيق والثقل دون أن نعرف ما العمل؟ ما علمنا من النهايات وما لم نعلم كلاهما ثقيل.

كم مرة تأتينا النهايات على عجلٍ ونشعر بذات الضيق والثقل دون أن نعرف ما العمل؟

أحيانًا تتمنى لو أنك كنت تعلم أنها هي، ربما تودعها كأنك لم تفعل من قبل، ربما تحتضن الأشياء هذه المرة كأنك لن تفلتها، ربما تخرج العبرات فضفاضة ترمي بها كأنك تتخلص من حِملك، بوداعٍ لائق أو حتى تكون حرًا ولا تتخدر بلحظاته، تتمنى أن تواتيك اللحظة التي تعبر فيها عن كل ما يخالجك، هكذا دفعة واحدة، حتى لو بكيت شلالات من الدموع، المهم أنه أتتك الفرصة حينها لأن تكون حرًا هذه المرة.

أن تكون خفيفًا كما ظلك الذي اعتاد الخفة، يقولون بأن للمرة الأخيرة نغمًا مختلفًا، وعنفوانًا مختلفًا، ربما لو علمت أنها هي لكانت لحظة فارقة في الوداع. تظل تسأل نفسك: هل كانت بالفعل ستختلف إن علمت أم لا؟ هل كان سيسعفك الوقت حينها لتملأ ناظريك جيدًا حتى تحتفظ بذكرى ما أو صورة تظل تخالجك في لحظات وحدتك أم لا؟ هل كل المرات الأخيرة التي مررت بها كانت بحاجة إلى اختلاف في النهاية أم لا؟ هل تجسر أصلًا على المرور بكل هذه النهايات أم لا؟

النهايات ما هي إلا بدايات جديدة، ولكن هيهات أن تعلمها وأنت عالق بعنفوان قسوتها، ربما تكون البدايات مغلفة بوحل من المشاعر التائهة، والتخبطات الناتجة عن متاهات الوداع، في كل مرة، في كل مرة توقن أنك قد حفظت جيدًا ما ينبغي عليك فعله، يفاجئك القدر بدروب جديدة ومسارات لم تعهدها من قبل.

القلب والعقل متضادان، يشقي كل منهما الآخر، فما أكثر الأشياء التي تجمع تناقضهما، يريد العقل التأني والتريث، ويريد القلب ترتيب المشاعر التائهة ليداوي جروحه الغائرة.

أكثر ما يجعل الإنسان ضعيفًا هو قلبه، ومشاعره الخافتة النابضة، أكثر ما يجعل الإنسان رقيقًا وضعيفًا، أكثر ما يجعل الإنسان تائهًا هو قلبه.

وعلى حدٍ سواء، أكثر ما يشقي المرء هو عقله وتساؤلاته المهيبة؛ يظل الإنسان منا متماسكًا، حتى إذا وقع بين أنياب عقله وجد نفسه فريسة سائغة، تأتيه الأفكار ومشاعرها تباعًا من كل صوب، يشعر بأنه مقيد لا يستطيع الافتكاك، رغم أن جسده حرٌّ.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.