سيكولوجية النرجسية.. كيف يكشف علم الأعصاب ضعف الشخصية النرجسية؟

النرجسية كلمة تُستدعى لوصف الغرور وحب الذات، لكن علم نفس النرجسية يكشف عن قصة أكثر تعقيدًا. فخلف قناع الثقة المفرطة والشعور بالعظمة، غالبًا ما يكمن ضعف دفين وحساسية مفرطة تجاه النقد والرفض. في هذا المقال، نغوص في أعماق الدراسات العصبية الحديثة لنفهم هذه المفارقة، ونستكشف كيف يفكر الشخص النرجسي، وكيف يستجيب دماغه للألم الاجتماعي، وما أحدث الاتجاهات في علاج النرجسية.

مفهوم النرجسية من الأسطورة إلى علم النفس

عند رؤيته بركة ماء صافية في الغابة، انحنى الشاب نرجسوس نحو الماء ليشرب. لفت انتباهه شاب وسيم وأُسر بجماله. مرّت الأيام، ومع ذلك بقي نرجسوس، ملعونًا بالنظر إلى انعكاسه إلى الأبد. هذه هي الأسطورة اليونانية لنرجسوس الذي سُمّيت باسمه صفة الشخصية المعروفة بالنرجسية.

أسطورة نرجسوس

أنواع النرجسية: العظيمة والخفية

يميز علماء النفس بين نوعين رئيسين من النرجسية:

  • النرجسية العظيمة (Grandiose Narcissism): هي الصورة الكلاسيكية للشخص المنفتح، الواثق من نفسه بشكل مفرط، الذي يسعى للهيمنة ولفت الانتباه، ويظهر نقصًا واضحًا في التعاطف.

  • النرجسية الخفية أو الضعيفة (Vulnerable Narcissism): هي نوع أكثر انطوائية، حيث يكون الشخص حساسًا جدًا للنقد، ويشعر بالمرارة والحسد، ويتبنى دور الضحية، مع إحساس داخلي بالعظمة غير المعترف بها.

المفارقة الكبرى: كيف يجتمع الشعور بالعظمة مع انعدام الأمان؟

أكثر أنواع النرجسية شهرة هي النرجسية العظيمة، التي تتميز بثقة عالية بالنفس، شعور بالاستحقاق، ونقص في التعاطف. ومع ذلك، يرتبط هذا السلوك النرجسي أيضًا بالضعف، إذ يظهر الأفراد مستويات أعلى من الشكوك وعدم الأمان.

النرجسية العظيمة

وتُركز هذه الأنماط المتناقضة على مجال دراسة داخل علم الأعصاب يسعى لمواءمة هذين الجانبين من النرجسية. فهم هذا التناقض يمكن أن يدعم تطوير أساليب علاجية ويخفف كثيرًا من المشكلات المرتبطة بالنرجسية، مثل الإدمان، والسلوكيات القهرية، والعزلة الاجتماعية التي يفرضها الفرد على نفسه. وتحديد آليات ومحفزات السلوك النرجسي يمكن أن يؤدي إلى علاج أكثر فعالية، وهو ما يساعد كلًّا من الأفراد النرجسيين ومن حولهم، كيفية تشخيص النرجسية وتصويرها؟

كيف يرى النرجسي نفسه؟ (الدماغ والنظرة إلى الذات)

تستخدم الغالبية العظمى من الدراسات العصبية على النرجسية العظيمة مؤشر الشخصية النرجسية «NPI» الذي يقيم الأفراد وفق معايير تتعلق بالاستحقاق، الاستغلالية، حب الظهور، ونقص التعاطف. يطرح هذا التقييم على المريض أسئلة مثل: «إذا حكمتُ العالم، سيكون مكانًا أفضل».

عمومًا، يُبلغ الأفراد النرجسيون عن مستويات عالية من الرضا عن الحياة وتقدير الذات. ويظهرون ميولًا للمبالغة في الذات، مثل تقييم أنفسهم بأنهم أكثر ذكاءً أو جاذبية مما يراه الآخرون. ويبدو الأشخاص الذين يظهرون النرجسية العظيمة فخورين وواثقين للغاية، ومع ذلك، يوجد بُعد آخر مهم لفهم هذه الصفة: الكبت والضعف.

كيف يرى النرجسي نفسه؟

كيف يمكن أن يوجد تصور سلبي للذات داخل النرجسية؟

ترتبط النرجسية تقليديًّا بصورة ذاتية عظيمة، لكن الدراسات أظهرت استجابات سلبية تجاه المواد الذاتية المرجعية، مثل الصور أو الفيديوهات للشخص نفسه، لدى الأفراد ذوي الدرجات العالية على «NPI». تشير هذه النتائج إلى أن العمليات المرتبطة بالإدراك الذاتي في النرجسية معقدة وما تزال محور بحث عصبي نشط.

أظهرت دراسة عن تأثير النرجسية على مشاهدة المواد الذاتية المرجعية أن المشاركين خلال مسح «fMRI»، عند مشاهدة صور لأنفسهم، أو أحبائهم، أو الغرباء، أظهروا نشاطًا أعلى في ما يسمى «شبكة الألم الاجتماعي» عند مشاهدة صورهم الخاصة، وهي مناطق دماغية تستجيب أيضًا للقلق الاجتماعي والاستبعاد. ويمكن تفسير ذلك بأن النفور من النظر إلى وجهه الخاص ينبع من الحاجة للحفاظ على صورة ذاتية عظيمة، فقد تتعارض مشاهدة الواقع مع الصورة المثالية للنرجسي مسببة ضيقًا نفسيًا.

وأظهرت دراسة «EEG» اختلافات في معالجة الوجه؛ إذ قاست الدراسة النشاطَ الكهربائي للدماغ عند النظر إلى وجوههم مقارنة بمشاهدة وجوه المشاهير. عند الأفراد ذوي الدرجات العالية على «NPI»، كان مكوّن «P1» الذي يظهر المرحلة المبكرة من معالجة الوجه، أقل عند النظر إلى وجوههم مقارنة بمشاهدة وجوه المشاهير. يُفسر هذا بأن النرجسية مرتبطة بكبت معالجة الوجه المبكر للحفاظ على الصورة الذاتية العظيمة.

كيف يتعامل النرجسي مع الرفض الاجتماعي؟ (الدماغ والألم الاجتماعي)

بينما يُنظر إلى الأشخاص ذوي الميول النرجسية عادةً على أنهم يمتلكون ثقة مفرطة بالنفس، توجد بعض الأدلة على ارتباطهم بانخفاض تقدير الذات ونقص الثقة بالآخرين. تمّت دراسة هذا التفاعل بين النرجسية والتفاعل الاجتماعي بدقة، ليُطرح السؤال الأساسي: كيف يستجيب النرجسيون للرفض بين الأشخاص وللمواقف المجهدة؟ غالبًا ما يصوَّر النرجسيون في الإعلام على أنهم قساة وباردون، لكن بعض البحوث الحديثة تشير إلى أن هذا الوصف قد يكون أقل وضوحًا. في المواقف الاجتماعية الاستبعادية أو المجهدة، يظهرون مستويات أعلى من الحساسية وعلامات التوتر، وفهم هذه الاستجابات قد يساعد في تطوير العلاج.

لعبة سايبربول (Cyberball)

على سبيل المثال، درست بعض الدراسات المؤشرات البيولوجية للاستجابة لمواقف الرفض المُحفَّزة. في إحدى الدراسات، تم اختبار تأثير النرجسية على الاستجابات العصبية للرفض لدى المراهقين الذكور باستخدام تصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي «fMRI»، وهي تقنية تظهر نشاط مناطق الدماغ بتصوير تدفق الدم المؤكسج. وتكليف المشاركين بلعب لعبة افتراضية تُسمى «Cyberball»، فيمكن اختيار تمرير الكرة لأي مشارك آخر. على الرغم من إخبارهم بأنهم سيلعبون ضد أشخاص حقيقيين، كانت اللعبة فعليًا معدة ضد برنامج ينظم أوقات من الشمول والاستبعاد، وهو ما سمح للباحثين بملاحظة الاستجابات العصبية في هذه المواقف المتباينة.

أظهرت بيانات «fMRI» أن الأفراد ذوي الدرجات العالية على «NPI» أظهروا نشاطًا أعلى في ما يسمى «شبكة الألم الاجتماعي» طول اللعبة. وقد أظهرت دراسات أخرى أن زيادة نشاط هذه الشبكة تمثل استجابة عصبية لأوقات الاستبعاد، كما ارتبط نشاط منطقة القشرة الأمامية الحُدّية الظهرية بالشعور بالاستبعاد وفق التقارير الذاتية. إضافة إلى ذلك، أظهر الأفراد ذوو الدرجات العالية على «NPI» ردود فعل توتر أعلى عند مواجهة الرفض أو مواد تتعلق بالرفض. عند قراءة قصص عن رفض من شريك عاطفي، أبلغوا عن مستويات أعلى من الغضب وارتفاع ضغط الدم. تشير هذه الاستجابات العاطفية والجسدية إلى فرط الحساسية للاستبعاد، وهو ما يتناقض مع التقارير الذاتية لهؤلاء النرجسيين.

أظهرت دراسة أخرى ارتفاع استجابة التوتر لدى الأفراد النرجسيين عند تعرضهم لاختبار الإجهاد الاجتماعي «تراير» (TSST). في هذا الاختبار، يُكلَّف المشاركون بمهام مجهدة مثل التحدث أمام الجمهور أو حل مسائل ذهنية أمام الآخرين.

بينما يثير هذا الاختبار استجابات توتر لدى معظم الأفراد، وُجد أن الرجال النرجسيين أظهروا استجابات أكثر وضوحًا، كما قِيسَتْ بمستويات الكورتيزول في اللعاب، وهو دليل للتوتر. وتشير هذه الدراسات إلى أن مستويات القلق المرتفعة مرتبطة بالتجارب التي تهدد المكانة الاجتماعية أو تصور الذات لدى الأفراد النرجسيين.

كيف يتفاعل الأفراد النرجسيون مع الرفض؟

يشتهر النرجسيون بأعمال الانتقام العدائية والسلوك التلاعبي. يمكن أن يكونوا سريين ومتقلبين، وهو ما يصعّب علاجهم. فهم كيفية تأثير القلق المفرط نتيجة مواقف معينة على سلوك النرجسيين أمر أساسي لتطوير العلاجات المستقبلية.

كيف يتفاعل الأفراد النرجسيون مع الرفض؟

أُجريت دراسة لاحقة لتلك التي ربطت نشاط شبكة الألم الاجتماعي بالنرجسية، إذ تم تعديل لعبة «Cyberball» لدراسة العلاقة بين الاستبعاد والعدوان لدى الأفراد النرجسيين. بالسماح للمشاركين بإصدار انفجارات صوتية عند إحباطهم من اللاعبين الآخرين، تمكن الباحثون من دراسة العلاقة بين نشاط الدماغ وارتكاب هذه التصرفات العدوانية. وُجد أن الأفراد ذوي نشاط أعلى في شبكة الألم الاجتماعي كانوا أكثر ميلًا للعدوان مقارنة بمن لديهم نشاط أقل. وتشير نتائج هذه الدراسات إلى أن فرط الحساسية للاستبعاد قد يكون علامة على القلق عند مواجهة صورة الذات الواقعية مقابل المتضخمة، إذ يهدد الاستبعاد الصورة الذاتية المبالغ فيها، ما يؤدي إلى ردود أفعال أكثر حدة وزيادة العدوان التفاعلي.

جرى تطبيق هذه النتائج في بحوث لاحقة، فقد درست إحدى الدراسات كيف يؤثر تهديد مكانة الأطفال ذوي الميول للنرجسية على سلوكهم. تم تصنيف عينة كبيرة من الأطفال عشوائيًا إلى مجموعات ذات «مكانة اجتماعية منخفضة» أو «عالية»، وتم تحليل سلوكياتهم. أظهر الأطفال ذوو الدرجات العالية على مقياس النرجسية الطفولية المكوَّن من 10 عناصر ردود فعل عدائية أقوى عند وضعهم في مجموعة منخفضة المكانة، وهو ما يدعم الفرضية أن الاستبعاد يحفز أعمالًا انتقامية أكثر شدة لدى الأفراد ذوي مستويات النرجسية الأعلى.

اضطراب الشخصية النرجسية (NPD): التشخيص والعلاج

عندما توجد النرجسية على مستوى سريري، يُشخِّصها الأطباء كاضطراب الشخصية النرجسية (NPD). تظل العلاجات الحالية لـ «NPD» محدودة الفاعلية، إذ غالبًا ما تحقق تحسينات بطيئة في مظاهر الاضطراب، ويُقدَّر معدل ترك العلاج بنحو 64%. تعتمد الممارسة الحالية على تطوير علاقة وثيقة بين المعالج والمريض لبناء الثقة وزيادة فعالية العلاج. لا توجد أدوية معتمدة من «FDA» لعلاج «NPD»، لكن بعض الأفراد استفادوا من أدوية تعالج اضطراب الشخصية الحدية الذي يشارك أعراض الغضب غير المناسب والميول التلاعبية.

من المتوقع أن توضح البحوث المستقبلية الدوافع والآليات البيولوجية لسلوك المصابين بـ«NPD»، وهو ما يساعد في تطوير علاجات سلوكية ودوائية. وعلى الرغم من أن عددًا من الدراسات تركز على النرجسية تحت السريرية، فإنها ما زالت توفر معلومات قيمة لتوجيه علاج هذا الاضطراب.

الاتجاهات المستقبلية

تظهر تطبيقات الدراسات العصبية في علاج النرجسية وعدًا كبيرًا باستكشاف الديناميكية المعقدة بين التصور السلبي للذات والنرجسية، كشفت الدراسات عن الحساسية المفرطة للاستبعاد والمواد الذاتية المرجعية لدى الأفراد النرجسيين. وتمنح استجابات هؤلاء المشاركين فهمًا أعمق للأفكار الكامنة وراء السلوك النرجسي. ومع ذلك، تقتصر هذه الدراسات على بعض القيود: كثير منها ذو عينات صغيرة ويدرس روابط دقيقة جدًا، وهو ما يصعّب استخلاص استنتاجات شاملة. إضافة إلى ذلك، يعتمد البحث على منهجية التقارير الذاتية، التي قد تتأثر بمحاولة الأفراد إخفاء مشاعر معينة للحفاظ على صورة ذاتية متضخمة. ومع ذلك، يجب أن يبدأ أي تقدم من مكان ما؛ فحتى النتائج الأولية يمكن أن تساعد المختصين في فهم النرجسية بشكل أفضل والمساهمة في تطوير علاجات أكثر فعالية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة