لماذا ينجذب المشاهد للأنماط المتكررة؟ سيكولوجية الجمهور وتأثير الخوارزميات

ينجذب المشاهد للمألوف لأن الأنماط المتكررة تمنح الدماغ شعورًا بالسيطرة وتقلل الجهد الذهني المطلوب لمعالجة المعلومات الجديدة، وهو ما يُسمى الراحة النفسية للمألوف. والأنماط المتكررة هي سلسلة من الأحداث، المرئيات، أو السلوكيات المألوفة التي تُعزز تأثير التعرض المحض. ولفهم سيكولوجية المشاهد، يجب إدراك أن هذا التكرار يبني الألفة ولكنه قد يؤدي إلى إدمان الخوارزميات إذا لم نكسر فقاعة الأنماط.

في هذا المقال نوضح لك لماذا ينجذب المشاهد للأنماط المتكررة؟ وكيف تستفيد الشركات والعلامات التجارية من هذا الانجذاب، وتأثير الخلفية الثقافية على الانجذاب البصري وتقبل أنماط معينة.

السبب الرئيس لانجذاب المشاهد للأنماط المتكررة في الدراما أو المحتوى المتكرر هو تأثير الراحة النفسية الذي يجعل المشاهد يشعر بالسيطرة والأمان تجاه ما يعرفه وما ألفه وما تعوَّد عليه، لا سيما في ظل الفوضى والمواجهات المستمرة في الحياة، فيسهل على دماغ المشاهد أن يتعامل مع النمط المتكرر بسهولة، ويوفِّر له حالة من التخفُّف من الضغوط التي قد تفرضها الأنماط الجديدة.

لماذا نرتاح لمشاهدة الأنماط المتكررة؟

تُعد الراحة والانجذاب للأنماط المتكررة حالة نفسية عامة وطبيعية، وليست خاصة بشخص أو مجموعة من الناس، ويمكن تفسير الراحة النفسية للمألوف في النقاط التالية:

  • الراحة العاطفية: كلما كان المحتوى الذي نشاهده مألوفًا، فإننا غالبًا نشعر بالراحة والأمان والهدوء، وهو ما نحتاج إليه أكثر في أوقات القلق والتوتر والإجهاد النفسي.
  • تقليل الجهد الذهني: تساعدنا الأنماط المتكررة على الاستمتاع وتوفير الراحة للدماغ دون حاجة إلى بذل مجهود ذهني إضافي لفهمها أو تفسيرها أو متابعتها كليًّا.
  • الشعور بالسيطرة: في معظم الأنماط المتكررة يغمرنا شعور نفسي بالسيطرة؛ فنتوقع الأحداث، وندرك أبعاد الشخصيات، بعكس الأنماط والأحداث غير المتوقعة التي تُشعرنا بعدم السيطرة.
  • التشابه الطبيعي: على نحو طبيعي يميل البشر جميعًا إلى كل ما هو فطري ومتناغم، وبذلك يميلون إلى كل ما هو متكرر للحفاظ على هذا التوازن النفسي الطبيعي، في حين يدفعهم النمط الجديد إلى الإحساس بالقلق.
  • الهروب من الواقع: في الغالب يوفر النمط المتكرر ملجأً للهروب من الضغوط اليومية والتغيرات الحياتية السريعة، دون حاجة إلى بذل مزيد من الجهد.

كلما كان المحتوى الذي نشاهده مألوفًا، فإننا غالبًا نشعر بالراحة والأمان والهدوء

ما الفرق بين التكرار الممتع والتكرار الممل؟

ليس معنى أن المشاهد ينجذب إلى الأنماط المتكررة أنه يستمتع في كل الحالات، فيمكن للتكرار أن يكون مملًا، ويمكن أن يمثل قيمة مضافة في كل مرة، وهو ما يتضح في النقاط التالية التي تفسر كيف تستفيد العلامات التجارية من التكرار الممتع؟

1. التكرار الممتع يتميز بتنوع طفيف، على الرغم من اعتماده على النمط الثابت، أما التكرار الممل فيتسم بالجمود والتكرار الحرفي دون تجديد في السياق أو المعنى، وهو ما يسبب الملل.

2. في التكرار الممتع يوجد هامش للتوقع بحيث تحصل الدماغ على مكافآتها من الدوبامين في النهاية، أما التكرار الممل فيخلو من التحدي، ويتحول إلى ضيق خلفي لا يثير الاستجابات العاطفية.

3. يساعد التكرار الممتع على خلق إيقاع مريح ومتماسك ومفهوم، أما التكرار الممل فهو يفتقر للإبداع، ويلجأ كثيرًا إلى تمطيط الوقت، وهو ما يُشعر المشاهد بالانفصال عنه.

هل تؤثر ثقافة المشاهد في الانجذاب لأنماط معينة؟

على الرغم من أننا أكدنا أن مسألة الانجذاب للأنماط المتكررة هي مسألة إنسانية يشترك فيها الجميع باختلاف ثقافاتهم، فإن طبيعة الثقافة هي التي تحدد الأنماط التي ينجذب إليها كل شخص دون الآخر تبعًا للمؤثرات التالية:

  • الموروث البصري: يختلف الانجذاب للموروث البصري حسب الثقافة. فعلى سبيل المثال نحن العرب ننجذب إلى الأنماط المعقدة أو الهندسية لأنها ترتبط بالذاكرة الجمالية الروحانية، أما الناس في أوروبا فينجذبون إلى البساطة المبالغ فيها لأنها ترتبط بالحداثة والنظام، وهذا يبرز بقوة في تأثير الخلفية الثقافية على الانجذاب البصري.
  • الإيقاع السردي: يمكن ملاحظة الأشخاص الذين ينجذبون للأنماط السريعة؛ لذا يحبون مشاهدة الأفلام الأمريكية التي تحتوي على الملاحقات والمطاردات، وكذلك الأشخاص الذين ينجذبون للأنماط البطيئة، وبذلك يميلون إلى السينما الإيرانية أو اليابانية.
  • الرمزية اللونية: ترتبط الأنماط اللونية أيضًا بالثقافة، ويُعد تكرارها أمرًا مهمًا لأصحاب الثقافة نفسها. فعلى سبيل المثال، النمط المتكرر للون الأحمر يوحي بالخطر في ثقافتنا العربية، في حين يوحي بالبهجة والسعادة في الثقافة الصينية.
  • الارتباط الشرطي: غالبًا ما ينجذب الناس للأنماط المتكررة التي تشبه بيئتهم الأولى التي نشؤوا فيها، فينجذب الأشخاص الذين نشوا في الريف إلى كل ما يحاكي الطبيعة، وينجذب الأشخاص الذين نشؤوا في المدينة إلى الخطوط الحادة والأنماط الهندسية.

غالبًا ما ينجذب الناس للأنماط المتكررة التي تشبه بيئتهم الأولى التي نشؤوا فيها

متى يصبح الانجذاب للأنماط المتكررة خطرًا على المشاهد؟

على الرغم من أن الانجذاب إلى الأنماط المتكررة هو آلية دفاعية يستطيع بها الشخص تفريغ الضغوط، والاستفادة منها في حفظ المعلومات وبناء المنطق، فإنه قد يكون خطرًا في بعض الحالات، كالتالي:

  • الانغلاق الفكري: إذا كان الشخص محاطًا بأنماط متكررة تمنعه من التفكير أو الإبداع أو الاطلاع على أفكار أخرى، فإنه قد يفقد مهارات التفكير النقدي، وقد يُصاب بالتعصب لفكرة أو لنمط واحد.
  • الإدمان السلوكي: يحدث كثيرًا أن يصاب الناس في هذا الوقت بتشتت الانتباه، وضعف القدرة على التركيز؛ بسبب الإدمان على منصات التواصل الاجتماعي التي تستخدم الأنماط الصوتية والبصرية المتكررة لتحفيز الدوبامين باستمرار، وهو ما يقلل أداء الفرد وإنتاجيته مع الوقت.
  • تزييف الوعي: في كثير من الأحيان تُستخدم الأنماط المتكررة لترديد المعلومات والأفكار الخاطئة نفسها التي تصبح مع الوقت حقائق يصدقها الدماغ، وعلى هذا يكون تزييف وعي الشخص واستغلاله.

كيف تستفيد الشركات والعلامات التجارية من الأنماط المتكررة؟

يُعد انجذاب المشاهد للأنماط المتكررة فرصة هائلة للشركات والعلامات التجارية بتحويل تلك الحالة إلى إستراتيجية ربحية بالاستراتيجيات التالية:

  • بناء الألفة والثقة: يكون تكرار ظهور الشعار والألوان الخاصة بالشركات والعلامات التجارية لكي يشعر الناس نحوها بالألفة والثقة مع الوقت.
  • خلق هوية بصرية: بالتكرار واستخدام الأنماط البصرية يتحول المنتج الخاص بالشركة أو العلامة التجارية إلى رمز يمكن للناس تمييزه ومعرفته في أي مكان حتى من مسافة بعيدة.
  • تصميم تجربة المستخدم: كلما استطاعت الشركة أن تدمج تجربة المستخدم في نمط متكرر حسب أمكنة القوائم وأماكن الأزرار وطريقة الدخول والخروج، فإن المستخدم يشعر بالراحة والذكاء، ويزداد وقت بقائه داخل التطبيق.
  • إعادة الاستهداف: تستخدم الشركات والعلامات التجارية ما يُعرف باسم (تأثير التعرض المحض)، فتكرر استهداف المستخدم نفسه وبأنماط مختلفة، وهو ما يجعله يتقبل المنتج والفكرة، وتتولد لديه رغبة في التفاعل مع العلامة التجارية والشراء مع الوقت.

تستخدم الشركات والعلامات التجارية ما يُعرف باسم (تأثير التعرض المحض)

كيف نقاوم الانجذاب للأنماط المتكررة؟

حين نتحدث عن مقاومة الانجذاب للأنماط المتكررة، فإننا لا نقصد كره الأنماط ومقاومة الطبيعة البشرية، وإنما نتحدث عن استعادة السيادة الذهنية، والقدرة على توجيه العقل بالاستراتيجيات التالية:

1. مبدأ الصدمة المعرفية: استراتيجية رائعة تعتمد على كسر المألوف في المشاهدات البصرية والصوتية، حيث يمكن الاستماع إلى، أو مشاهدة أي شيء غريب وغير معتاد لإجبار الدماغ على العمل بجد، وفهم النمط الجديد.

2. التساؤل الفعلي: تعتمد هذه الاستراتيجية على إلقاء سؤال عند الانجذاب إلى أي منتج أو محتوى متكرر، مثل أن تقول: (هل أنا منجذب للمحتوى فعلًا أم أنني منجذب لتلك الحالة من الألفة؟) لتقليل سلطة النمط المتكرر.

3. مقاومة الخوارزميات: تعتمد الخوارزميات على تكرار النمط، وهو ما يؤدي إلى ما يسمى (فقاعة الأنماط) التي يمكن التغلب عليها عن طريق التشويش على الخوارزمية بالبحث اليدوي، أو مشاهدة أشياء جديدة.

4. القراءة التحليلية: استراتيجية تلائم الأشخاص الأذكياء الذين يستطيعون تفكيك النمط المتكرر بالتساؤل عن سبب وضع هذا اللون، وتكرار هذه الجملة، وتكرار استخدام هذه الأداة، لأن التحليل يؤدي إلى قتل تأثير النمط نفسيًا وعاطفيًا.

لماذا نميل إلى الأشياء المألوفة؟

نميل للأشياء المألوفة لأن الدماغ البشري يسعى دائمًا لتوفير الطاقة. معالجة المعلومات الجديدة تتطلب جهدًا ذهنيًّا عاليًّا، في حين الأنماط المألوفة تُعالج بسلاسة، ما يمنحنا إحساسًا عميقًا بالراحة العاطفية والأمان، ويجنبنا القلق المرتبط بالمجهول.

ما تأثير التعرض المحض في علم النفس؟

تأثير التعرض المحض (Mere-Exposure Effect) هو ظاهرة نفسية تعني أن الناس يميلون لتطوير تفضيل وإعجاب بالأشياء لأنهم مألوفون بها. فكلما تكرر تعرضك لشيء ما (سواء كان شخصًا، أو علامة تجارية، أو نغمة)، زاد احتمال إعجابك به وارتباطك العاطفي معه.

كيف تؤثر الخوارزميات في عقولنا؟

تتتبع الخوارزميات في منصات التواصل الاجتماعي ما نُفضله، ثم تغمرنا بمحتوى مشابه. هذا يؤدي إلى إفراز جرعات مستمرة من الدوبامين، ما يخلق إدمانًا سلوكيًّا ويحصر المستخدم داخل ما يُسمى فقاعة الأنماط، ما يحد من تفكيره النقدي وقدرته على تقبل الأفكار الجديدة.

لماذا نحب مشاهدة المسلسل نفسه أكثر من مرة؟

مشاهدة مسلسل مألوف تمنح المشاهد الشعور بالسيطرة؛ لأننا نعرف مسبقًا مسار الأحداث ونهاية القصة، فإننا لا نشعر بأي توتر أو قلق، بل نختبر حالة من الاسترخاء العقلي التام والهروب الآمن من ضغوط الواقع اليومي غير المتوقع.

إن انجذاب المشاهد للأنماط المتكررة يضع أيدينا على أسرار النفس البشرية وفهم سيكولوجية المشاهد. وتتأرجح الأنماط المتكررة في الدراما والحياة بين كونها ملاذًا يمنحنا الراحة النفسية للمألوف وبين فخ رقمي يقودنا إلى إدمان الخوارزميات. بالوعي بتأثير التعرض المحض، وإدراك كيفية بناء الهوية البصرية، ويمكننا استعادة سيادتنا الذهنية، وكعلامات تجارية تقديم قيمة حقيقية للجمهور دون استغلال.

شاركونا في التعليقات: ما المسلسل أو المحتوى الذي لا تملون من مشاهدته مرارًا وتكرارًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.