لم تكن مجرد رسالة، بل كانت كُلُّ ما بقي من صمتٍ طويل، وكُلُّ ما تَبَقَّى من لحظة صدقٍ حاولت فيها أن أفتح قلبي بلا حماية.
جلستُ أمام الشاشة أطالع الصفحة البيضاء، وأكتب وكأن كل حرفٍ فيها يحاول أن يلمس قلب الآخر، وكأن كل كلمة هي صرخة صامتة تقول: «أنا هنا، وما زلت موجودة، وما زلت أشعر، وما زلت أملك ما أريد قوله».
حين ضغطتُ على زر الإرسال، شعرتُ كما لو أنني أطلقتُ قارورةً في البحر، ولا أعرف إن كانت ستصل إلى شاطئه أم ستبقى عائمة في ظله الرقمي. في تلك اللحظة، كان الأمل يتسلل إليَّ بخفة، خجولًا لكنه حاضر؛ أملٌ بسيط وإنساني، يهمس داخلي: ربما يرى الآخر تعبك، وربما يفهم نبرتك، وربما تصل الحقيقة كما كتبتِها، لا كما يُراد لها أن تُفسَّر.
ثم بدأت الدقائق، ثم الساعات، ثم الأيام، والرسالة مُعَلَّقَة في الفراغ الرقمي بلا علامة قراءة، وبلا أي إشارة حياة. وكل لحظة انتظار كانت تزيد ثقلًا على قلبي. حينها بدأت الخيبة تزحف بهدوء وخفية، لا فجائية؛ تتسلل إلى كل زاوية من داخلي، وأسأل نفسي: هل لم تُفتح الرسالة؟ أم تجاهلها الطرف الآخر؟ وهل الصمت عجز أم اختيار؟ وكل سؤال كان يلتهم جزءًا من ثقتي بذاتي، ويزرع شقوقًا صغيرة في روحي.

الخيبة حينها ليست في الرسالة نفسها، بل في ما تُمَثِّلُه: لحظة صدق نادرة، كنتُ فيها بلا درع، وكنتُ شجاعة بما يكفي لأكون مرئية، ولأعطي جزءًا من نفسي وروحي. وحين لم تُقرأ الرسالة، شعرتُ كأن هذا الصدق عبء، وكأن مشاعري كانت أكثر مما يتحمله الآخر. وأخطر ما في الأمر أن يبدأ الإنسان بالتشكيك في مشاعره، لا في موقف الآخر، وكأن قلبه يصبح مقياسًا خاطئًا للواقع.
في المساحة الرمادية بين الأمل والخيبة يتجمَّد الزمن؛ فالانتظار يستهلك الطاقة النفسية، ويجعل كل ثانية ثقيلة. فأجد نفسي أعيد قراءة رسالتي مرارًا، لا لأتأكد مما قلت، بل لأتساءل: هل كان يجب أن أكتب هذا؟ وهل بالغت هنا؟ هل قلَّلت من نفسي؟ ومع كل مراجعة، يبدو أن المشكلة لم تعد في عدم القراءة، بل في فعل الكتابة ذاته.
لكن الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالرسائل التي لا تُقرأ لا تعني بالضرورة أن الكاتب لم يكن مهمًا، بل قد تعني أن الآخر لم يكن قادرًا على المواجهة، أو على تحمل ثقل الكلمات. فالصمت أحيانًا ليس قسوة، بل هروب. لكن القلب لا يُمَيِّز بسهولة بين القسوة والهروب، فيبقى الألم واحدًا، ويتمثل في الشعور بالإقصاء وعدم الاعتراف.
مع مرور الوقت، يبدأ التحول النفسي؛ فيتحول الأمل من انتظار ردٍّ إلى رغبة في التحرر من الانتظار ذاته. وتتحول الخيبة من جرح مفتوح إلى وعي مؤلم لكنه مهم. فالرسالة غير المقروءة تؤدي وظيفتها الحقيقية؛ فالإرسال بحد ذاته شجاعة. لم تُغَيِّر الطرف الآخر، لكنها غيَّرتني أنا؛ وحرَّرتني من الكلمات العالقة، ومن ثقل الصمت الداخلي، ومن سؤال «ماذا لو».
أدركتُ أن بعض الرسائل لا تُكتب لتُقرأ، بل لتُغلق فصلًا طويلًا، ولتؤكد أنني حاولت بصدق، وأن الخيبة، رغم ألمها، أوضح من أملٍ معلَّق بلا نهاية. وبين الأمل والخيبة تعلَّمت درسًا قاسيًا وناضجًا: أن أختار نفسي حين لا يختارني الآخرون، وأن أوقف انتظار القراءة، وأبدأ قراءة ذاتي بصدق.
في لحظة الكتابة لا يكون الإنسان ناقل معلومة فقط، بل يقدِّم جزءًا من ذاته، ويختبر استعداده لأن يكون مرئيًا أمام الآخر. فالرسالة غير المقروءة تمثل انكشافًا عاطفيًا، وربطًا بين قيمة المشاعر ومدى قبولها لدى الطرف الآخر. وحين لا تأتي الاستجابة، لا تتعلق الخيبة بالآخر فقط، بل تتحوَّل إلى صراع داخلي؛ فالرغبة في القرب تتصارع مع الخوف من الرفض.
الانتظار النفسي يصبح حالة من الترقب المستمر، وفيه يُعاد فحص الذات: هل عبّرتُ أكثر من اللازم؟ وهل كنتُ ضعيفة؟ وهل أخطأت؟ تتحوَّل الخيبة من خيبة في الآخر إلى خيبة في الذات، وهو ما يسميه علماء النفس الديناميكيين «قلق القيمة الذاتية»، أي ربط قيمة المشاعر بمدى قبول الآخر لها.
الصمت لا يوفر إغلاقًا، بل يطيل التعلق. ومن المهم التمييز بين الصمت كفعل عدواني، والصمت كعجز، لكن الجهاز النفسي للمرسِل لا يملك رفاهية هذا التمييز بسهولة؛ فالأثر النفسي واحد: شعور بالإقصاء وعدم الاعتراف. ومع الوقت، يتحوَّل الأمل تدريجيًا من انتظار الخارج إلى التفات نحو الداخل، وبذلك تؤدي الرسالة وظيفتها العلاجية غير المقصودة.
الكتابة، حتى إن لم تُستقبل، تعمل كآلية تفريغ وتنظيم داخلي، وتحرير للمشاعر المكبوتة، وتخفيف لثقل الأسئلة العالقة. فالرسالة غير المقروءة تصبح خطوة في مسار الاستقلال العاطفي، من انتظار الاعتراف إلى الاعتراف الذاتي. فالإرسال ليس فشلًا، بل ممارسة شجاعة، وقول لما لم يُقل، حتى في غياب الضمانات.
في النهاية، لا تُكتب كل الرسائل لتُقرأ، بل أحيانًا لتُغلق دوائر نفسية ظلت مفتوحة طويلًا. فالنضج النفسي الحقيقي لا يكمن في الاستجابة دائمًا، بل في معرفة متى نتوقف عن انتظارها، ومتى نعيد توجيه الاهتمام إلى ذواتنا. فالخيبة، حين تُفهم، تصبح أقل تدميرًا من أملٍ معلق، والرسالة التي لم تُقرأ قد تكون بداية قراءة أعمق للذات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.