سيطرة التفاهة والتافهين على المجتمع

بسبب سيطرة العبث وسيطرة التفاهة، وتحولها إلى نظام اجتماعي يحكم العالم عندما يستقطب الشباب، أصبح المجتمع يهتم بالمشاجرات اللفظية بين المشاهير، والأحاديث عن أجمل قميص، وتنفق المليارات على برامج ولقاءات يجتمع فيها الخبراء لاختيار أجمل عيون أو بطن منحوت، في زمن لم تعد فيه المعرفة شيئًا، لكن القشور هي كل ما يريده الجمهور.

اقرأ أيضًا تدهور الوسط الإلكتروني وسيطرة منظومة التفاهة.. لا تفوتك

سيطرة التفاهة والتافهين على المجتمع  

إذا حاولت رفع مكانة المعرفة والتسلل إلى الأسباب المفترضة التي جعلت الأشخاص الحساسين ينجذبون إلى ذلك، هل الإهمال جزء من الكائنات الفانية للهروب من ثقل الحياة الحديثة؟ أم أنها سياسة حكومية لجعل الناس غارقين في السطحية ونقص الثقافة؟ هل يمكن إعداد المصدر الأول للوسطية؟ وما النغمة المطبقة للتفوق في المصل المضاد على نظام الغرور؟

ومع ذلك فإن الأول دقيق وشاق، ونتائجه بعيدة المنال، فإذا خيرت أن تسلك أحد طريقين، يتدفق الناس عليهما بسبب الشهرة والثراء، ويتوقعون دون وعي الطفرة ويسبحون مع التيار في محيط الإهمال، فمن الأسهل اختيار تحقيق الأحلام، إذ لم يعد أحد يحلم بالمعرفة، لكنه سيجيبك أنه يحلم بسيارة فاخرة، وفتاة جميلة.

إذا سألت طفلًا عن حلمه بتحقيق الثراء، فلا يهم من أين يأتي هذا الثراء؛ لأنه يأخذ الأولوية على جميع القيم، وقد حققت التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي هذا الحلم، إذ أصبح من الممكن لأي شخص أن يروج لأمور تافهة وفارغة، ويمكنه جني المكاسب بمجرد زيادة عدد المشاهدات على تيك توك أو يوتيوب، مهما كان ما يقدمه، متفوقًا على أي محتوى هادف، إذن، لا أهمية للقيمة العلمية ما لم تكن مربحة.

هل تعلم أن مدمني تيك توك ينفقون عليه أكثر من 50 مليون دولار أمريكي، ما يضاعف مكاسب شركة ByteDance المالكة للمنصة إلى 34 مليارًا و300 مليون؟

ويبلغ المراهقون 41% من هذه المنصة التي تتميز بمقاطع فيديو قصيرة وسريعة تحقق مشاهدات عالية ومكاسب سريعة، مهما كانت نوعية المحتوى الرديء الذي يقدمونه، فإن مكاسبك على تيك توك يمكن أن تصل إلى 10 آلاف دولار شهريًّا إذا استغللت العملية على النحو الأمثل، أي إذا عرفت أن ترقص على أغنية مثلًا.

فهم يمهدون الطريق بقوة لجعل التافهين محط اهتمام العالم، وربما نموذجًا جزئيًّا لجيلهم، وأتذكر بعد ذلك مقولة للكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو: «اسمعوا لي، هذه المواقع تمنح حق التحدث لجحافل من الحمقى كانوا لا يتحدثون إلا في المقاهي دون التسبب في أي ضرر للمجتمع، ولكن الآن لديهم الحق في التحدث، تمامًا مثل أولئك الذين يحملون جائزة نوبل».

اقرأ أيضًا تهافت التفاهة: المقدمة

تصميم الإهمال أكثر تعقيدًا

صحيح أنه قد يتبادر إلى ذهنك بكونك مشاهدًا عربيًّا أن الاستهتار يقتصر على الإعلام الذي يسيطر على حياتنا ونجح في رمزية التافهين، لكن الحقيقة أن الأمر أوسع وأعمق مما تصورنا، إذ وصل النظام المربح إلى المؤسسات التعليمية فعلًا، لقد بدأ الأساتذة في تثقيف علمائهم مثل الببغاوات، وفقدت الجامعات دورها.

لقد أصبحت بمنزلة أرض النسب للخبراء الذين يمثلون السلطة، وليس المثقفين، فالمثقف يحمل التزامًا أخلاقيًا بالقيم والمثل العليا، والأستاذ الجامعي الذي يسعى لتحويل العلماء إلى علماء مثقفين يُعزل لكسره نظام اللعبة، إن كل مجهود في المجال السياسي أو الإعلامي أو العام القابل للتسويق أصبح أقرب إلى لعبة يلعبها الجميع.

لا توجد قواعد مكتوبة لهذه اللعبة، لكنها تتمثل في الانتماء إلى واقع كبير تُمنع فيه القيم من الاعتبار، وتختزل فيه الحياة في مجرد حسابات، ومصالح مرتبطة بالربح والخسارة، على غرار الأثرياء، والثروة، أو الشهرة، والعلاقات الاجتماعية، حتى يعذب المجتمع بالفساد، ويفقد الناس اهتمامهم بالأمر تدريجيًّا، ويقتصر اهتمام الجمهور ومؤسساته على الأمور الخاصة، أي على الأنانية، وعلى هذا فقد خضعنا للقواعد ولعبنا اللعبة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يقتصر نظام التفريط على الضعفاء الذين يأخذون التأثيرات كما تخطر على بالهم؟ بالطبع لا، المصطلح أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير، نظام الإهمال يا عزيزي، يعبر عن المثقفين الأميين حديثًا أو شبه المثقفين ذوي الدرجات العلمية المتقدمة، لكنهم يتميزون بالحياد المطلق، إنهم لا يحتفظون بقدرة الإحساس أو التفكير النقدي، ومن السهل السيطرة عليهم، وهم يجادلون ولكن لا يعارضون، وهذا هو بالضبط المطلوب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة