عبد الله البستاني: حارس اللغة العربية وصاحب معجم البستان

عبد الله البستاني هو الأديب اللبناني عبد الله بن ميخائيل بن ناصيف البستاني الماروني لغوي وأديب لبناني، أحد أهم رموز الثقافة العربية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لُقب بـ«المترجم» لإجادته الفرنسية، وكان عضوًا بارزًا في مجمع اللغة العربية في دمشق.

نستعرض في هذا المقال سيرة عبد الله البستاني الأديب اللبناني أحد أهم رموز الثقافة في تاريخ الأدب العربي، ولقبه وأبرز كتب البستاني ومسرحياته التي أثرت المكتبة العربية.

مرت على هذه الأمة أوقات كانت فيها اللغة العربية في خطر شديد، نتيجة انتشار ثقافة المستعمر وضياع القواعد وزحام اللهجات العامية، لكن لكل زمن فرسانه الشجعان النبلاء الذين يحملون لواء اللغة العربية ويجاهدون من أجل إعادتها إلى مكانتها الطبيعية، ويعلمون الناس القواعد والأصول، ويستوعبون بذكاء كبير وعلم واسع كل المتغيرات الحياتية التي تطرأ على اللغة.

ومن هؤلاء الفرسان الذين حملوا لواء اللغة العربية في أحد أصعب فترات التاريخ الأديب الكبير واللغوي الشهير عبد الله البستاني الذي كان عضوًا في مجمع اللغة العربية في دمشق ومدرسًا ومترجمًا وضابطًا لقواعد اللغة في عصره، حتى إنه ترك لنا معجم البستان أحد أهم كتب اللغة العربية في ذلك العصر، إضافة إلى أعماله الأدبية ونشاطه الصحفي والاجتماعي الكبير.

قصة حياة الأديب اللغوي عبد الله البستاني

ولد عبد الله ميخائيل ناصيف البستاني في عام 1854 بقرية الدبية في لبنان لعائلة متدينة، فكان الأب هو الخوري ميخائيل البستاني، وكانت أمه عبلة يوسف نادر تكتب الشعر والنثر، وهو ما ساعد عبد الله البستاني في أن يتصل بالقراءة والمعرفة في سن صغير.

تعلم في مدرسة القرية حتى ظهرت عليه علامات النبوغ، وأرسله أبوه إلى بيروت ليتعلم في المدرسة الوطنية على يد كبار الأساتذة، ومنهم الشيخ ناصيف اليازجي أحد عباقرة اللغة العربية في ذلك العصر والشيخ يوسف الأسير.

من الأمور المهمة في نشأة عبد الله البستاني أيضًا أنه درس اللغة الفرنسية وأجادها، وكان يتكلم ويترجم بها حتى إنه أطلق عليه بعد ذلك لقب المترجم.

وعندما أنهى عبد الله البستاني دراسته في المدرسة الوطنية عام 1873 كانت له مدة من الدراسة أيضًا في مدرسة عبية، ثم بدأ في العمل في التدريس، سواء لأحد المهاجرين الأمريكيين الذي كان يرغب في تعلم اللغة العربية أو في بعض المدارس في منطقة الدامور.

ولد عبد الله ميخائيل ناصيف البستاني عام 1854 في لبنان

مسيرة الأديب اللبناني عبد الله البستاني المهنية

اتسمت حياة عبد الله البستاني بكثير من الحركة والتفاعل والسفر والأحداث، فقد بدأ حياته في مهنة التدريس وانتقل منها إلى مهنة الصحافة، فكان مشروعه الأول في قبرص التي سافر إليها بصحبة (إسكندر بك عمون) من أجل إنشاء صحيفة، سمَّاها (جهينة الأخبار) وهي الصحيفة التي منعتها بعد ذلك الحكومة العثمانية، فاضطر عبد الله البستاني إلى أن يعود مرة أخرى إلى لبنان.

بعد عودة عبد الله البستاني لم يكن أمامه سوى العمل في التدريس مرة أخرى، فكانت له بعض الصفوف التي يدِّرس فيها العربية في مدرسة الحكمة، ثم عُين عام 1900 أستاذا للغة العربية في المدرسة الخاصة بالبطريركية التابعة للروم الكاثوليك، لكن المدرسة أُغلقت بعد ذلك في عام 1914 بسبب قيام الحرب العالمية الأولى، فكانت هذه المدة من أهم أوقات عبد الله البستاني، فلمع نجمه بصفته لغويًّا كبيرًا صاحب مهارات في النظم والنثر، إضافة إلى مهاراته في الترجمة، وهو ما جعل الطلبة يأتون إليه من كل مكان.

وفي هذا الوقت تعلم على يده عدد من الأسماء الكبيرة علماء وشعراء ومثقفين كبار مثل (شكيب أرسلان) و(شبلي الملاط) وبشارة الخوري الذي أنشأ صحيفة البرق.

لم يكن عبد الله البستاني مدرسًا اللغة العربية فحسب، وإنما كان أديبًا يدرس اللغة العربية بطريقة جذابة وممتعة للطلاب، فكان يؤلف الروايات والقصص ويدعو الطلاب لتمثيلها باللغة العربية، فكانت روايات البستاني الشعرية ذات صدى كبيرًا في عصره.

أضف على ذلك المجهود الكبير الذي قام به عبد الله البستاني في تصحيح كتب عدة وخطابات ودواوين عربية، إضافة إلى ترجمته لأشعار وكتب باللغة الفرنسية، وهو ما جعل الرجل سراجًا للعلم والنور والمعرفة في تلك المدّة الصعبة من الاحتلال والحرب وقلة وسائل التعليم والاطلاع.

مجمع اللغة العربية والمناظرات الأدبية

من أهم المحطات في حياة عبد الله البستاني هي تلك المناظرات الأدبية التي كان يشترك فيها مع علماء اللغة الآخرين، ومنها مناظرته مع الشيخ عبد القادر المغربي الذي اقترح بعد ذلك اختيار عبد الله البستاني في مجمع اللغة، وهو ما حدث فعلًا وانتخب بالإجماع، فكانت مناظرته مع عبد القادر المغربي غاية في النزاهة والاحترام والانحياز للغة العربية.

أما مناظرته مع الأب (أنستاس الكرملي) فكانت صعبة جدًّا؛ لأن الأب (أنستاس الكرملي) كان يكره عبد الله البستاني ويحاربه، وبعد أن امتدت المناظرة لنحو 11 شهرًا، وتفوق فيها عبد الله البستاني بشهادة أدباء ومثقفي عصره، كان للأب (أنستاس الكرملي) موقف غريب وحاقد بعد موت عبد الله البستاني، فقد هاجمه كثيرًا وطالب بحرق كتابه (معجم البستان) وكتابه (نشوء اللغة)، وهو الأمر المعيب الذي لا يتفق أبدًا مع آداب الاختلاف والنقد.

أدب عبد الله البستاني

عندما نتحدث عن أدب البستاني فإننا نضع الأمر داخل إطاره الزمني، فقد كانت الأمور صعبة جدًّا في تلك المدة، فكانت قضية الأديب واللغوي الكبير عبد الله البستاني هي اللغة العربية، فانشغل الرجل بضبط اللغة وتعليم قواعدها ومحاربة الانحرافات اللغوية التي طرأت عليها في تلك المدة نتيجة الاحتلال والظروف السياسية، وكذلك الظروف الاجتماعية الصعبة التي كانت تمر بها لبنان.

كان عبد الله البستاني يمزج بين التدريس والأدب في علاقته بالمجتمع الثقافي، وكذلك في علاقته بطلابه، فكان يدرس مادة الخطابة والبيان في مدرسة الفريز، وكان معلمو المدرسة يلجئون إلى الأديب الكبير في المسائل البيانية واللغوية الصعبة، وكان أيضًا يكتب المسرحيات النثرية التي يستطيع الطلاب التفاعل معها وتمثيلها؛ حتى تساعدهم على إتقان اللغة العربية والتعلق بها، فكان أدبه في خدمة المجتمع وخدمة اللغة العربية.

استطاع عبد الله البستاني تنقيح كتاب (بحث المطالب) الذي كتبه المطران (جرمانوس فرحات)، وتصحيح كتاب (الاقتضاب في شرح أدب الكتاب) الذي ألفه (ابن السيد البطليوسي) آخر من الأخطاء والعلل والمشكلات اللغوية.

وهي جهود كبيرة لا تصدر إلا من أديب صاحب وعي وقدرة، وهو ما ظهر في تصحيح ديوان أبي فراس الحمداني، ومع كل هذا المجهود فكان عبد الله البستاني مترجمًا رائعًا، فترجم حكايات (لافونتين) الشعرية، وهو ما عده بعض المثقفين كنزا كبيرًا في تلك المرحلة.

على مستوى الكتابة الشعرية كان عبد الله البستاني شاعر صاحب تراكيب قوية ومعاني عميقة، حتى إنه يذكرك بشعراء الجاهلية الكبار، فكان يعنى كثيرًا باختيار الألفاظ والمعاني، وهو أيضًا ما كان يخدم اللغة العربية التي تعد قضية عبد الله البستاني الأولى.

ضف على ذلك أن كتاباته دائمًا ما تحمل شيئًا من الفلسفة والنظرة المختلفة للحياة والموت والعلاقات، وهو ما يوضح أن الرجل كان يمتلك قدرًا عظيمًا من الوعي، وأن ظروفه الاجتماعية والسياسية لم تساعده على إظهار كل ما يمتلك من موهبة وقدرات إبداعية وأدبية.

كتب عبد الله البستاني

لم يكن عبد الله البستاني خبيرًا في مجال واحد، وإنما كان خبيرًا لغويا متمرسًا كل المجالات الأدبية المتاحة أمامه حَسَبَ ما تفرض عليه اللحظة والظروف، فكان يكتب الروايات التي يمثلها الطلاب في المدارس، وكان يُنقِّح الكتب والرسائل ويصحح الأخطاء، إضافة إلى مجهوده الكبير في كتب اللغة مثل (معجم البستان) ومناظراته القوية وترجمته لأعمال من الفرنسية إلى العربية، إليكم أبرز مؤلفات البستاني:

في مجال اللغة العربية

  • معجم البستان
  • فاكهة البستان معجم لغوي
  • مناظرات مع الشيخ عبد القادر المغربي والأب أنستاس الكرملي.

في مجال الرواية

  • جساس قاتل كليب
  • امرؤ القيس في حرب بني أسد
  • عمر الحميري أخو حسان
  • وفاء العرب
  • في مجال المسرحيات الشعرية
  • حرب الوردتين
  • يوسف بن يعقوب
  • بروتوس أيام تراكوين الظالم
  • مقتل هيرودوس لولديه

في المجال الأدبي والترجمة

  • تنقيح كتاب (بحث المطالب) للمطران جرمانوس فرحات
  • تصحيح كتاب (الاقتضاب في شرح أدب الكتاب) لابن السيد المشهور
  • ترجمة خطاب المطران (بوسويت ) الفرنسي في التاريخ العام
  • تصحيح ديوان أبي فراس الحمداني
  • ترجمة حكايات لافونتين من الفرنسية إلى العربية

إن المتأمل في إرث الأديب اللبناني عبد الله البستاني يدرك تمامًا حجم المعركة التي خاضها للحفاظ على نقاء الضاد. في زمن الاستعمار وتفشي العامية، لم يكتفِ بالتذمر، بل بادر بكتابة مسرحيات عبد الله البستاني التي أحيت الفصحى على ألسنة الشباب، وقدم للمكتبة العربية معجمه الخالد.

هذه السيرة العطرة تذكرنا دائمًا بأن حماية لغتنا الأم تتطلب عملًا منهجيًا وشغفًا لا ينضب، تمامًا كما فعل حراس لغتنا الأوائل.

وفاة عبد الله البستاني

كان عبد الله البستاني قد انعزل عن الحياة في أيامه الأخيرة في الطابق العلوي من مدرسة الحكمة، فكان لا يعمل إلا في البحث والتدقيق اللغوي حتى توفي في عام 1930، وقد رثاه الشاعر الكبير إيليا أبو ماضي قائلًا:

يا ميتا فيه جمال الحياة    ما حاز منك اللحد إلا الرفاة

أنت الفتى الباقي بآثاره    ما أنت بالمرء إذا مات مات

وكيف يمتد إليك الردى    وذاتك الحسناء في ألف ذات

من هو عبد الله البستاني؟

هو أديب، ولغوي، وشاعر لبناني بارز ولد عام 1854 وتوفي عام 1930. يُعد من حراس اللغة العربية في عصره، وعضوًا مؤسسًا في مجمع اللغة العربية بدمشق، وترك بصمات واضحة في التعليم، والتأليف، والترجمة.

ما هو لقب البستاني؟

أُطلق عليه لقب المترجم لإجادته التامة للغة الفرنسية، فترجم أعمالًا أدبية مهمة من الفرنسية إلى العربية، مثل حكايات لافونتين.

ما أهم مؤلفات عبد الله البستاني؟

تتنوع مؤلفاته بين المعاجم اللغوية مثل (معجم البستان) والمسرحيات الشعرية مثل (حرب الوردتين) و(وفاء العرب)، إضافة إلى تنقيحه وتصحيحه لعدد من الكتب والدواوين التراثية.

متى توفي عبد الله البستاني؟

توفي في عام 1930، بعد أن انعزل في أيامه الأخيرة في الطابق العلوي من مدرسة الحكمة ببيروت ليتفرغ تمامًا للبحث اللغوي والتدقيق.

ما هو معجم البستان ومن مؤلفه؟

هو معجم لغوي عربي شهير يُعد من أهم المراجع في تاريخ الأدب العربي الحديث، ومؤلفه هو الأديب واللغوي عبد الله ميخائيل ناصيف البستاني، وقد صُنف كأحد أهم حراس قواعد اللغة.

ما أبرز المناظرات الأدبية لعبد الله البستاني؟

شهدت مسيرته مناظرتين شهيرتين؛ الأولى كانت مناظرة علمية نزيهة مع الشيخ عبد القادر المغربي، والثانية مناظرة شرسة وصعبة امتدت لأحد عشر شهرًا مع الأب أنستاس الكرملي.

تظل قصة حياة الأديب اللغوي عبد الله البستاني منارة تضيء دروب الباحثين في تاريخ الأدب العربي. لقد عرفنا في هذا المقال سيرة البستاني؟ واستعرضنا بشغف كتب البستاني.

إن الجهود التي بُذلت في جمع فاكهة البستان معجم لغوي أو معجم البستان، إلى جانب دور البستاني الفاعل في مجمع اللغة العربية؛ تؤكد لنا أن اللغة الفصحى محفوظة برجالها.

ندعوكم لمشاركتنا في التعليقات: أي من مؤلفات عبد الله البستاني تودون قراءتها؟ وما رأيكم في الجهود التي تُبذل اليوم لحماية لغتنا العربية؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.