سلفادور دالي أيقونة السريالية والعبقري الذي حول الجنون إلى فن

سلفادور دالي (1904-1989) هو فنان تشكيلي إسباني وأحد أبرز رواد المدرسة السريالية في القرن العشرين، اشتهر بلوحته إصرار الذاكرة (الساعات المنصهرة) وشخصيته الغريبة الأطوار. جمع بين الرسم، النحت، وتصميم الجواهر، متأثرًا بنظريات التحليل النفسي لسيجموند فرويد، تاركًا إرثًا فنيًّا يتجاوز 1600 لوحة ومتحفًا يحمل اسمه في إسبانيا.

ربما سبق لك أن رأيته يتصرف بغرابة، ربَّما انتبهت إلى شاربه الذي يشبه قرون الثور منذ الخمسينيات، وربَّما  لفت نظرك إليه بحركات عينيه الغريبة، وربَّما قرأت بعض تصريحاته الغريبة وغير التقليدية، ولكنَّك لا شكَّ انبهرت بلوحاته ووقفت لساعات مندهشًا أمامها.

إنَّه الرسَّام الإسباني العبقري والمتمرِّد والمختلف والمتعدِّد المواهب «سلفادور دالي- Salvador Dalí» الذي يقول عن نفسه: «أنا أكثر الكائنات تناقضًا وغرابة وإثارة للجدل في العالم» (دالي، في يوميات عبقري، 1964).

هو الفنَّان التشكيلي الذي يملك في رصيده أكثر من 1600 لوحة. وهو أحد روَّاد المدرسة السريالية التي تجاوز بها حدود الرسم ليقتحم بها عالم الموضة أيضًا. بل إنَّ السيريالية تحوَّلت معه إلى نمط حياة ورؤية للوجود؛ إذ انعكست على سلوكه وتصريحاته وعلاقاته.

يرى دائمًا أنَّ النجاح يكمن في التعالي الذي يُشعر الآخرين بالدونية، ويجعلك تصل إلى أماكن لا يمكن لأحد غيرك أن يبلغها.

في فرنسا لقي حظوة كبيرة في أوساط الفن والموضة والتصميم. واستقر في الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية الثلاثينات، حيث استقبلته كاريس كروسبي (Caresse Crosby) الرائدة في مجال الفنون الحديثة وصديقة المثقفين الأوروبيين، ودعمه السيد والسيدة رينولدز موس (Mr et Mrs Reynolds Moss)، وهما جامعا تحف فنية بنيا متحف «دالي» في فلوريدا الذي احتضن كثيرًا من أعماله الفنية التي اشتروها منه.

متحف-سلفادور-دالي-فلوريدا

غير أنَّ سهولة اندماجه في الأوساط الأكثر تميزًا لا ينفي عنه نزعته الفردية. فقد كان طفلًا خجولًا ومنعزلًا يتعرض لمضايقات زملائه في المدرسة، ثمَّ طالبًا متمرِّدًا لا يخضع لسلطة أساتذته، وفي يومياته التي تشبه المذكرات عدَّ «دالي» نفسه شخصًا ثوريًا في الأساس وذا نزعة انطوائية عميقة، إذ يقول «أنا، دالي، المنغمس في تأمل ذاتي مستمر وتحليل دقيق لأدق أفكاري...».

محطَّات في حياة سلفادور دالي

ولد سلفادور دالي في 11 مايو 1904 في فيغيريس (Figueres)، مدينة في كاتالونيا بإسبانيا، في منطقة تتميز بقربها من البحر الأبيض المتوسط وجبال البيرينيه. أظهر سلفادور دالي منذ صغره ميلًا للرسم، في بيئة عائلية مواتية، مع تردد صديق لوالديه، الرسام رامون بيتشوت (Ramon Pitchot).

1921: التحق دالي بمدرسة الفنون الجميلة في مدريد حيث يتعرَّف على الشاعر غارسيا لوركا.

أدت تصرفاته «الطائشة» والمستفزَّة، ثمَّ اعتقاله بتهمة الأناركية -الفوضوية- إلى طرده من كلية الفنون الجميلة في عام 1926.

قام دالي بعد ذلك بأوَّل رحلة له إلى باريس، والتقى ببيكاسو (َPicasso) الذي كان معجبًا به بشدة. وفي باريس أيضًا توطدت علاقته بالسرياليين أندريه بريتون، بول إيلوار، لويس أراغون.

سلفادور-دالي-وغارسيا-لوركا

وفي عام 1929، وقع في حب غالا، لم يفترقا بعد ذلك أبدًا؛ وأصبحت غالا ملهمته ومديرة شؤونه. واستقرَّ معها في شمال كاتالونيا؛ كانا يزوران معًا مدينة باريس حيث كانا يترددان على السرياليين هناك.

أقام دالي معرضه الفردي الأول في رواق بيير كول (Galerie Pierre Colle) في باريس؛ وتبقى لوحة «استمرار الذاكرة» (لوحة الساعات السائلة) واحدة من أشهر لوحاته. وقد بيعت كلُّ اللوحات المعروضة.

كان دالي مشهورًا جدًا بصفته رسامًا، لكنه في الولايات المتحدة الأمريكية نوَّع أعماله لتشمل المسرح (الديكورات)، والسينما (مشروعات مع الإخوة ماركس، والت ديزني، ألفريد هيتشكوك)، الموضة، الجواهر، الإعلانات... إلخ.

نشر سيرته الذاتية «الحياة السرية لسلفادور دالي» عام 1942، وهي تسلط الضوء على طفولته وعلاقته بوالده وقناعته بأنه عبقري.

في عام 1964، حصل دالي على أعلى وسام إسباني، وهو وسام الصليب الكبير.

في عام 1969، اشترى دالي -بعد أن جمع ثروة طائلة- قلعة بوبول (Púbol) ورمَّمها وزيَّنها باللوحات الجدارية. وهي تحمل إلى اليوم اسمه واسم زوجته «متحف دالي – غالا Gala-  Dalí».

توفي في المستشفى عام 1989، تاركًا معظم ثروته للحكومة الإسبانية.

آثاره وأعماله

ترك «سلفادور دالي» أعمالًا شديدة التنوُّع، وربَّما تعود شهرته إلى أعماله التشكيلية وهي الأشهر من بين أعماله، لكنه أنتج أيضًا كتابات ومنحوتات ومجوهرات وأعمالًا سينمائية، منها:

الجواهرالتي صمَّمها: عين الزمن، القلب الملكي، الشفاه الياقوتية.

َالرسومات التوضيحية وأشهرها على الإطلاق رُسُوم قصَّة «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول، ورسومات رواية «دون كيشوت - Don Quichotte».

أمَّا في مجال الكتابات، فنجد أعمالًا له منها: الحياة السرية لسلفادور دالي، نشرت عام 1942، وجوه خفية، وهي رواية نشرت عام 1944، 50 سرًا سحريًا للرسم، نُشرت عام 1948، رسائل إلى بيكاسو، جمعت ونشرت بعد وفاته في عام 2005.

تصميم-مجوهرات-سلفادور-دالي

سلفادور دالي والسريالية

«السريالية هي أنا»، هكذا صرَّح دالي في نيويورك عند تقديم أعماله في الثلاثينيات من القرن الماضي. وقد يكون ما عمَّق خصوصيته حتى داخل التيار السريالي هو معرفته الواسعة بالتحليل النفسي واستلهامه لأفكار «فرويد». وربَّما بسبب «تعاليه» وتمرُّده لم يستطع حتى هذا التيار السريالي أن يستوعب أفكاره؛ فطُرد منه على يد أحد أكبر رموز هذا التيار وهو «أندريه بريتون - André Breton» في أواخر الثلاثينيات، لأنَّه في نظرهم قد أساء لمبادئ السريالية نفسها.

المدرسة-السريالية-وسلفادور-دالي

لقد كان سلفادور دالي مثيرًا للجدل في حياته وفي مواقفه وفي أعماله الفنية التي خلَّدته، وبقيت شاهدة إلى اليوم على عبقريته الفذَّة وفرادته.

بصفتي مؤرخًا للفن التشكيلي، أرى أن دالي لم يكن رسامًا عاديًّا، بل كان أول صانع محتوى بمفهومنا الحديث. لقد أدرك مبكرًا أن الموهبة وحدها لا تكفي، فصنع من شاربه، حركاته، حتى حيوانه الأليف (آكل النمل)، علامة تجارية تسبق فنه. علَّمنا دالي أن الجنون المنضبط هو قمة العقلانية في عالم الفن.

توفي سلفادور دالي عام 1989، لكنه ترك خلفه عالمًا بصريًّا غيّر مفهوم الفن في القرن العشرين، لقد أدرك دالي مبكرًا، بصفته ما يمكن تسميته أول صانع محتوى في التاريخ الحديث، أن الفنان يجب أن يكون هو نفسه العمل الفني. من قلعة بوبول في إسبانيا إلى متحفه في فلوريدا، تظل أعماله شاهدًا على أن الخيال الجامح هو أصدق تعبير عن الواقع النفسي للإنسان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة