سيرة رحيل والرومانسية الصوفية

"يصبح الإنسان ناضجاً عندما يحبّ الناس والأشياء من دون امتلاكها".

(جيني حسين علي).

سنوات وأشرُفُ بصداقة أ. سمر حسين علي، هكذا هي تحبّ أن يُكتب اسمها ثلاثياً، وبدا ذلك على غلاف رواية (رحيل) مشفوعاً باسم (جيني) الأكثر شيوعاً عن سمر، لم تكتب اسماً ثنائياً كمعظم الأدباء، وخلال السيرة سنصادف (سمر)، ومرة أخرى (جيني) والمرة الثالثة (رحيل)، (سمر) و(جيني) و(رحيل) ثلاث شخصيات

أم ثلاث مراحل، أم ثلاث سياقات، أم ثلاث خيوط إنسانية غزلت نسيجاً حياتيّاً مميزاً في رواية (رحيل)؟

أتابع (جيني) إنسانة وصديقة، وخلال متابعتي كنتُ ولا أزال متحمّساً لأدائها الإنساني، ومثل هذا التقديم قد يفقدني حساسية الرؤية المتوازنة لمنتج (رحيل)، لكني حريص جداً على تقديم رؤية حيادية، فحماسي لشخصية (جيني) لن يحول دون تقديم (رحيل) كعمل أدبي من خلال سيرة ذاتية تخضع لرؤى متباينة.

تملك (جيني) خلفيّة ثقافيّة متعدّدة الرّوافد: أدبيّة، وفكريّة، وعلميّة عربية وأجنبيّة وأوربية وهندية، ويبدو ذلك واضحاً في سيرة رحيلٍ من خلال رحلاتها، وقراءتها ومرجعياتها التي استندت اليها في أحداث الرواية، والأغاني، والأشعار التي جاءت مواكبة للمواقف على مسرح الأحداث التي يتركّز محورها حول ثلاث شخصيات: (رحيل) الدرويشة الفاتنة، و(ناجي) الرومانسي ابن حضارة النيل، و(رآم) الروحاني ابن حضارة الهند.

تجسد (جيني) رحيل حاجة الأنثى إلى الحبّ باستمرار، لكنّ ألوان الحبّ تتباين، تنويعات ودرجات، أبرز ما يهمّ "رحيل" هو الحبّ الذي يشعرها بالاهتمام، والاحتواء، واهتمام بتفاصيل المرأة، واحتواء بتقدير احتياجاتها دونما إشارة تطلب أو عبارة تَشي، ورغم الأنوثة الطاغية في (رحيل) إلّا أنّ خلفيّاتها وأفكارها وتربيتها تَحُول تماماً دون اللقاء الحميم إلّا في إطار علاقة في النّور.

لذا فإن الحبّ عند (رحيل) رومانسي في نطاق المشاعر والاحاسيس، وعندما كانت في الفيّوم، وحلّ اللّيل، وصار صعباً العودة إلى القاهرة، وأقنعها ناجي بالإقامة إلى الصباح في فيلا الفيوم، وقام ناجي في هذه الليلة باقتحام خدر (رحيل)، وأتاها بقوّة لم تستطع مقاومتها، وشعرت بالذنب، فنظرت في المرآة وبصقت على وجهها!

وعلى النّقيض وفي (ليون) تعرّفت على (رآم)، وخلال جلسة حوار في ترّاس الفندق، شعرت (رحيل) ببرودة، واستأذنتْ (رآم) لإعداد مشروبٍ ساخنٍ من الغرفة، فسألها (رآم) أن يذهب معها لكي يحمل الأكواب، وأحرجت (رحيل) ألّا توافقه، فيشعر أنّها تشكّ فى نواياه، فأجابته، وعندما وصلا الحجرة قال (رآم): ينبغي أن أسجد ركعة شكر هنا، ليس لدفء الحجرة، لكن رهبة مشاهدة مخدع رحيل.

"أنا إنسان متعلّم ومتحضر، إنّني لست من نوع الرجال الذين يفرضون أنفسهم على المرأة ولو كانت زوجتي"، وتقول رحيل: "رآم أول رجل جعلني أحترم جنس آدم".

الرومانسية ظاهرة بجلاءٍ في أحداث (رحيل)، لكن رومانسية الحب الذي يتأجّج مشاعر وإحساساً، وقمّته نشوة روحانية، وقلبية تتصاعد إحساساً بالوجد والهيام والعشق في عيونٍ ولمساتٍ وكلمات، وتنعكس في شراكة الحياة النهارية، ومناسبات الودّ، ليس في ذلك تسطيحٌ للحبّ، لكن تعميق لمعانيه عند أنثى رائعة مثل (رحيل) التي لا تتطلع إلى ماديّات، مثلما المتصوفة الّذين يسعدون بالذّوبان، والنّشوة، والإنشاد، ورقصة المولوية.

وفى مرحلة من مراحل التواصل عبر عشر سنوات ما بين (رحيل) و(ناجي)، و(ناجي) من الشخصيات الميسورة الحال، وقد أحبّ (رحيل) وسعى سعياً للزّواج منها، لكنّ معطيات (رحيل) مختلفة تماماً، نعم أحبك، لكن لن أتزوجك إلا احتياجاً لحبك، وليس من أجل الاحتياج إليك، وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أن (ناجي) كان متزوجاً، وأسفر زواجه عن أربعة أبناء، نعم (رحيل) أرهقت (ناجي)، ورغم ذلك تعبيراً عن حبّه كلّف محاميه بوصية تؤول إليها، (فيلا) في مصر الجديدة، وإسطبل خيل في الفيّوم.

ويوماً لأن الفراشات لا يجذبها إلا النّور، فقد أعلنت (رحيل) تمرّدها بجسارة استغناء، فما تحتاجه ما زال وسيظلّ هو الحب، اهتمام واحتواء، صاحت بـ (ناجي): "أرجوك، لا أريد أيّ شيء منك، إنّك تقيّد حريّتي، وإن كانت قيودك من ذهب، إلّا أنّها تثقل كاهلي، وتمنعني من الطيران، لا أريد شيئاً يسحبني إلى الأرض، رومانسية بلا شك، صوفية تنهج فكر الاستغناء والتحليق والطيران.

وفكرة الرومانسية والصوفيّة معاً؛ أيّ الحب والتجرّد يصنعان إنساناً يتّسم بالعطاء، والخير، والتّسامح، والقدرية، وبداية سردية (رحيل) كانت قدراً متمثلاً في ثلاث ملفات وأوراق، التقطتها الكاتبة من بين أكوام أوراق في (فيلا) مهجورة، وجاء ذلك في تداخل مُربكٍ بعض الشيء، هل (رحيل) هي من التقطت المذكّرات أم شخص آخر؟ قد تكون (جيني) أو (سمر) اللتين على مودة مع (رحيل)؟ والحقيقة أن ثلاثتهم (رحيل)!

وهي المذكرات التي اعتمدت عليها الكاتبة في كتابة الرواية؛ وفي مشاعر امتنان لصاحب المذكرات كتبت (رحيل) بإنسانية رائعة: "كلّما كتبتُ سطراً كنت أدعو لهذا الرجل الذي لا أعرفه، وأتحدّث لنفسي: هل حقاً تركها لي، نعم إنها لي أنا"، وتضيف في مفهوم داعٍ يؤكّد على نزعة الخير الإنساني الصوفي الرومانسي: "سعيد الحظ من استطاع بالتفصيل تسجيل ومضات حياته؛ ليترك أثراً مدوّناً يعود بالفائدة على من يقع في يده مثل هذا الكنز".

وتتجلّى الرّومانسية الصوفية في تنوّع الاختيارات من رؤى وأفكار، والتي تجري كروافد النهر في سيرة (رحيل)، والتي تبدو فيها روح الإنسانية محبة وإخاء.

وكان عنوان الفصل الأخير "الأبنوس والعاج" من الرواية دالاً على الرؤية، وهو نفسه اسم أغنية إنجليزية شهيرة داعية للتعايش الإنساني، كمفاتيح البيانو السوداء "الأبنوس" والبيضاء "العاج" التي تعزف معاً أجمل الأنغام والألحان.

وعن الحياة اختارت (رحيل) كلمة المخرجة الهندية الأمريكية (ميراناير) التي تُعبِّر عن الجذور والأصالة:" كلّما تمرَّست بمعرفة الحياة سمحتَ للأمور والأشياء أن تأتي وتذهب بمرونة كالنسيم، دع قلبك منفتحاً على الحياة كما هي السماء".

وفي الحب، والوجد، والعشق، كانت كلمة مولانا جلال الدين الرُّومي: " أضرم النار في حياتك، وابحث عن أولئك الذين يهوون ألسنة النار"، في اختبار الحب الحقيقي الذي لن يغيب عنك أبداً، ولن يتركك أبداً مهما اشتعلت النيران، ومهما تعرضت لأزمات ومصاعب.

ويأتي كتاب "دموع الحب" هدية (رآم) إلى رحيل، والذي يروي قصة لقاء العشق الإلهي ما بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، كأنهما نموذج الطريق الذي ساقته الأقدار أو اهتدت إليه (رحيل)، طريق الحب في مفهومه الإنساني والروحاني العميق، الذي يجمع الناس جميعاً من كافة الأطياف تحت مظلة النور، والمحبة، والسلام.

زراعة عين شمس ودورات تدريبيى فى مجال المطارات والنقل الجوى كاتب ذو اكثر من مائة مقال فى مجلات الطيران العربى والطيران المدنى السعودى والقوات الجوية الاماراتية والنقل والمواصلات السعودية ودنيا الطيران المصرية والاهرام الاقتصادى والسياحة والطيران ... ومنذ عام 2012 مهتم بالأنسانيات وله عدد من المقالات تتعلق بالنماذج الانسانية والوان الفنون والاداب والجمال

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

ممتنة بشدة لهذا الانطباع والنقد العميق الف شكر وكل التحايا الكاتب الراقي دمت بألف خير

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

الحقيقة أنك مبدع في نقدك هذا جزيل الشكر والامتنان والتقدير. دام نبض قلمك

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

زراعة عين شمس ودورات تدريبيى فى مجال المطارات والنقل الجوى كاتب ذو اكثر من مائة مقال فى مجلات الطيران العربى والطيران المدنى السعودى والقوات الجوية الاماراتية والنقل والمواصلات السعودية ودنيا الطيران المصرية والاهرام الاقتصادى والسياحة والطيران ... ومنذ عام 2012 مهتم بالأنسانيات وله عدد من المقالات تتعلق بالنماذج الانسانية والوان الفنون والاداب والجمال