نُشرت رواية «سيرة حمار» سنة 2014 عن دار الأمان بالرباط. ويُعدُّ اختيار الكاتب حسن أوريد لـ «الحمار» بطلًا ساردًا لروايته، وقناعًا رمزيًا يختبئ خلفه، من أكثر الخيارات الفنية جرأةً وإثارةً للتأويل. فالحمار في الثقافة العربية والإنسانية يحمل دلالات متناقضة، بين الاحتقار والرفعة، بين البلادة والصبر، بين الابتذال والقرب من الأرض.
يخلق أوريد من هذا الرمز البسيط/ المعقد عالمًا روائيًا كاملًا، يُسقط من خلاله رؤيته النقدية للواقع السياسي والاجتماعي والفكري.
حسن أوريد: المثقف الموسوعي والروائي المجدد
يعد حسن أوريد، المولود في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1962، واحدًا من أبرز الوجوه الثقافية والفكرية في المغرب المعاصر، حيث يجمع في مساره بين العمل السياسي الأكاديمي والإبداع الأدبي الغزير، متميزًا بقدرته العالية على الكتابة الرصينة باللغتين العربية والفرنسية على حد سواء.
تلقى حسن أوريد تعليمه في المدرسة المولاوية بالرباط، وهي مدرسة القصر الملكي، حيث كان زميل دراسة للملك محمد السادس، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية.
وقد شغل مناصب رفيعة وحساسة في الدولة المغربية، حيث عُيّن عام 1999 أول ناطق رسمي باسم القصر الملكي في عهد الملك محمد السادس، كما تقلد منصب والي جهة مكناس تافيلالت، وعُيّن مؤرخًا للمملكة المغربية لفترة وجيزة قبل أن يقرر التفرغ كليًا للبحث العلمي والكتابة الإبداعية.

الرؤية الفكرية وقضايا الهوية
يُعرف أوريد بكونه مفكرًا يهتم بعمق بقضايا الهوية والحداثة والإسلام السياسي، ويظهر ذلك جليًا في دفاعه عن الأمازيغية باعتبارها ركيزة أساسية للهوية التعددية المغربية. وفي مشروعه الفكري، يقدم قراءة نقدية للمسارات الحضارية العالمية كما في كتابه «أفول الغرب»، سعيًا منه لخلق جسر ثقافي وتقارب بين الفكر العقلاني الغربي والجذور الثقافية المشرقية والمغاربية، مما يجعله باحثًا يسعى دائمًا إلى تقديم فكر متوازن ومنفتح.
أما في تجربته الأدبية، فقد حقق أوريد انتقالًا لافتًا في العقد الأخير من رجل دولة إلى روائي ملتزم، وحظيت رواياته بانتشار واسع ومكانة مرموقة.
ومن أهم أعماله رواية «الموريسكي» التي تتناول مأساة الأندلسيين المهجرين، ورواية «سيرة حمار» وهي عمل رمزي فلسفي استلهم فيه التراث اللاتيني القديم لينتقد من خلاله قضايا السلطة والمجتمع والدين، بالإضافة إلى رواية «رواء مكة» التي تمزج بين السيرة الذاتية والبوح الروحاني، ورواية «سينترا» التي تغوص في الذاكرة السياسية.
تضم قائمة مؤلفاته أعمالًا فكرية بارزة مثل «مرآة الغرب المنكسرة» و«الإسلام السياسي في الميزان»، وفي الجانب الروائي نجد و«ربيع قرطبة» و«الباشادور». ويمثل أوريد بذلك نموذجًا للمثقف العضوي الذي لا ينفصل إبداعه عن انشغالات النهضة والتغيير، متسمًا بلغة قوية تميل دائمًا إلى توظيف التاريخ لاستشراف المستقبل بوعي عميق ونهج نقدي رصين.
أبعاد رمزية الحمار في الرواية
يمثل اختيار الحمار في الرواية انزياحًا فنيًا يقصد من خلاله الكاتب تعرية الواقع وإعادة قراءته بعيون كائن غير بشري، مما يمنحه الحرية المطلقة في تجاوز الرقابة الاجتماعية والسياسية، ليتحول هذا الكائن من مجرد أداة للعمل إلى مرآة فلسفية تعكس عيوب الذات الإنسانية وتناقضات النسق السلطوي.
1. الحمار بوصفه «الآخر» المُهمَّش والمُحتقر
- نقد التراتبية الاجتماعية: الحمار، في وضعه الحيواني، يمثل كلَّ من يُنظر إليه على أنه «دون» في السلَّم الاجتماعي أو الفكري. هنا يضع أوريد نفسه (المثقف، المستشار السابق) في موقع المُهمَّش ليكشف، من هذا الموقع المنخفض، علوَّ وهشاشة الأقنعة التي يرتديها أصحاب السلطة والجاه.
- صوت الصامتين: يصبح الحمار وسيطًا يعطي صوتًا لمن لا صوت لهم، أو لمن سُلب منهم صوتهم. من خلال عيونه، نرى عالم القصور والسلطة من الأسفل، من منظور من يُحمَّل فوق ظهره أعباء القرارات والأخطاء.
2. الحمار بوصفه «الناظر من الأسفل» (النقد الساخر)
- قلب المنظور: الرؤية من ظهر الحمار أو من مستوى الأرض تمنح رؤية ساخرة ومُقلِبة للأشياء. ما يبدو مهيبًا من الأعلى (السلطة، الطقوس، الخطابات الرسمية) يصبح مثيرًا للسخرية أو للشفقة عندما يُرى من الأسفل. هذه التقنية تذكرنا بتقنية «المهرج» أو «الجنون» في الأدب العالمي، التي تمنح حاملها حرية قول الحق من دون تبعات.
- فضح التناقض: قدرة الحمار على رؤية ما خلف الأقنعة والزينات، وكشف التناقض بين الظاهر والباطن في الخطاب السياسي والاجتماعي.
3. الحمار بوصفه رمزًا للصبر والأناة والأرض
- الصبر الفلسفي: يتحول صبر الحمار الأسطوري على الأحمال إلى رمز لصبر المثقف، أو الإنسان بشكل عام، على أعباء التاريخ والواقع والذات. لكنه صبر ناقد، وليس استسلامًا.
- الارتباط بالأرض والواقع: الحمار، بعيدًا عن الطيور التي تحلق في سماء التجريد، كائن مرتبط بالأرض، بالواقع الملموس، بالطين. هذا يرمز لموقف أوريد النقدي من المثقفين المنفصلين عن واقع مجتمعاتهم، الذين يطيرون في سماء الشعارات المجردة.
- التواضع والنقاء: في مواجهة تكبر السلطة وتصنُّع النخب، يمثل الحمار قيمة التواضع والنقاء والبساطة، وربما الحكمة الشعبية المباشرة.
4. الحمار بوصفه قناعًا للسارد (الانزياح السردي)
- حماية السارد: القناع الحيواني يمنح السارد حصانة ومسافة أمان ليقول ما قد يصعب قوله بصوته البشري المباشر، خاصة في سياق يتناول تجربة شخصية حساسة في دهاليز السلطة.
- تعدد الأصوات: صوت الحمار ليس صوتًا واحدًا؛ إنه صوت أوريد الشخصي، وصوت الضمير الناقد، وصوت التراث الحكائي الذي يحكي عن حمارة قُحَيفان وغيرها، وصوت الشعب المكبوت. هذا التعدد يخلق غنى دلاليًا وجماليًا.
- الانزياح والغرابة: يجعل الانزياح السردي (جعل حيوان يروي) النص غريبًا ومثيرًا، ويكسر توقعات القارئ المعتادة؛ ما يدفعه للتفكير والنقد بدلًا من التلقي السلبي.

الخلفية الثقافية للرمز
- في التراث العربي: الحمار حاضر في الأمثال «حمار يحمل أسفارًا» والنوادر والأدب كـ «حمار الحكيم» في رسالة الغفران. أوريد يحاور هذا التراث، أحيانًا بالتضاد، ليقدِّم رمزية جديدة.
- في الأدب العالمي: يذكرنا بـ «الحيوانات» في رواية جورج أورويل، حيث تحمل الرمزية السياسية، أو استخدام الحيوانات في الحكايات الفلسفية.
- في الثقافة الشعبية المغربية: الحمار كائن يومي مألوف في الريف والمدينة؛ ما يجعل الرمز قريبًا ومحسوسًا للقارئ المغربي والعربي.
الوظيفة الفنية والجمالية للرمز
- خلق الانزياح الساخر: الذي يسمح بنقد لاذع دون أن يفقد النص طابعه الأدبي.
- إضفاء الطابع الكوني: تحويل التجربة الشخصية الفردية (تجربة مستشار) إلى قصة إنسانية أوسع، قابلة للتأويل على مستويات مختلفة.
- إنتاج التكثيف الدلالي: كل مشهد أو حوار يرويه الحمار يحمل طبقات متعددة من المعنى: السطحي (قصة حمار)، والسياسي (نقد السلطة)، والاجتماعي (نقد العلاقات)، والفلسفي (أسئلة الوجود والهوية).
الحمار في رواية حسن أوريد ليس مجرد استعارة عابرة أو أداة للتشويق؛ إنه البنية المركزية التي ينبني عليها عالم الرواية الفكري والجمالي. من خلال هذا الرمز المُحمَّل بالتاريخ والدلالات المتناقضة، يستطيع أوريد أن يجمع بين السيرة الذاتية الحميمة والنقد السياسي الجريء، وبين العمق الفلسفي والبساطة الحكائية.
الحمار، في النهاية، هو المرآة التي تعكس تناقضاتنا جميعًا: كائن يحمل فوق ظهره أعباء الماضي وأوهام المستقبل، لكن عينيه الثاقبتين تظلان مثبتتين على حقائق الأرض الواطئة، حيث تكمن، ربما، أسرار الحكمة الحقيقية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.