يُعدّ الفرزدق أحد أعظم شعراء الفخر والهجاء في العصر الأموي، وتُمثّل نقائضه مع جرير وميميته في مدح زين العابدين أبرز محطات سيرته الأدبية والسياسية.
من هو الفرزدق ولماذا سمي بهذا الاسم؟
الفرزدق هو همّام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي، وهو أحد أعظم شعراء العربية في العصر الأموي، وأبرز فرسان «النقائض» مع زميله جرير. سُمي بالفرزدق لأن وجهه كان ضخمًا، خشنًا، ومتجهمًا؛ والفرزدق في اللغة يعني قطعة العجين أو الرغيف، فشُبّه وجهه بها، وتذهب مصادر أخرى إلى أن أباه سماه الفرزدق باسم دهقان الحيرة؛ لأنه كان يشبهه في تيهه وأبهته.
ومعنى الفرزدق في الأصل يعود إلى الفارسية من كلمة «برازده» أو «فرازده» وتعني الرغيف الضخم، وقد تركت جهامة وجهه وضخامة قسماته وآثار الجدري فيه ما لفت نظر معاصريه فلقَّبوه به، أما كنيته فهي أبو فراس.
وأما غالب، أبو الفرزدق، فكان يُكنى أبا الأخطل، وكان سيد بادية تميم وكان أعور. وأمه هي ليلى بنت حابس، أخت الصحابي الأقرع بن حابس. وقد استُجير بقبر غالب وهو بكاظمة في حَمَالة (دية) فاحتملها الفرزدق وفاءً لجوار أبيه. وكان للفرزدق إخوة منهم «هُمَيم» الذي سُمي الفرزدق باسمه أول الأمر قبل اللقب.
حياة الفرزدق ونشأته في البادية
وُلد الفرزدق في هذه الأسرة العريقة الفخورة، في حدود سنة عشرين للهجرة (640 أو 641م) على التقريب، وذلك في البصرة على ما جاء في معجم ياقوت الحموي، وكان قومه قد نزلوا أرضها زمن تأسيسها سنة 635م. لكنهم ظلوا على بداوتهم ينتشرون من أرض العراق الأسفل إلى نجد وأطراف اليمامة. وعلى هذه البداوة المحكّة بالحضارة بعض الشيء نشأ شاعرنا، ولعل هذه البداوة جعلته طوال حياته غير متصل بالحضر إلا لمامًا.
نشأ الفرزدق في بيت ورث المجد وفعل المكرمات، وكان سالف الأتراف يتناوبون فيه، يتداولون حديثًا ما هدأ، ويتحدثون بأخبار أسلافهم، ويتذاكرون حياة العرب وأيامها وسير ملوكها، ويفدون على الكبراء، ويروون ما قال شعراؤها. وكان الفرزدق يصغي إلى ما يسمع ويحفظ ما يقال، إذ أوتي الفطنة والذكاء والبديهة.
وكان أبوه يحرص على الإقامة في بادية تميم، فنشأ الفرزدق في مرابع كاظمة شأن فتيان البادية، ورث أخلاقها وفضائلها، وقبل عاداتها راضيًا معتزًا. وفي بادية تميم أُتيح له أن ينهل الفصاحة من مناهلها، فتنقح لسانه وفصح بيانه، وأحاط بأسرار العربية، وأوتي القدرة على تدفق الكلام، فقد كانت تميم من أفصح قبائل العرب. وقد تركت هذه النشأة البدوية آثارها في الشاعر، فظل طوال حياته وفيًا لها يؤمّها، وفي مدارج صباه نهل ما نَعِمَ به من معاني الفخر ومحن إبائها، وظل يَجْهَر بفضل عاداتها قائلًا:
وإذا أضلَّ باديةً ولدنا ... بأهل دراهم حضروا القرارا
ورأى الفرزدق في أبيه غالب المثل الأعلى، فبالغ في تعظيمه وتوقيره وراح يتأثر خطاه ويتابع نهجه؛ فقد أرسله أبوه إلى البصرة أيام زياد بن أبيه في عير له، وطلب منه أن يخطب ويطلب بيعته، ليختار ويشتري لأهله ما يحتاجونه، ولكن الفرزدق نثر الدراهم وأبهج الناس في المربد حين ذكروه بفعال أبيه وكرمه، مبينًا أنه يريد أن يقتدي به. ولما بلغ غالبًا ما صنع ابنه وسمع منه قصيدته برمتها مزهوًا، سُرَّ به ومسح رأسه وهو يقول له مشجعًا وفرحًا: «وراثك لتحسن مثل هذا؟!».
واعتز الفرزدق بأبيه اعتزازًا قلّ أن نجد له نظيرًا، وبكاه في شعره لما مات أحر بكاء قائلًا:
أسي الصبر أني لا أرى البدر طالعًا ... ولا الشمس إلا ذكَّراني بغالب
وادعى أنه ورث أباه في أخلاقه وفضائله: «ورثت أبي أخلاقه! ما جعل السرى وعظ المهارى: كومها وشبوبها».
ثم تجاوز المدح في الفخر به، وبلغ من تعظيمه إياه أن كان يفاخر به الملوك وينثال عليهم، وجعل قبره مستعانًا يلوذ به المستجيرون من مظلمات النوائب. وهكذا قدّر لغالب أن يؤثر في حياة ابنه تأثيرًا كبيرًا، وأن يكون إحدى الدعائم الكبيرة في بناء شخصيته، ولعل السخاء الذي عُرف به الفرزدق حياته كلها -حيث كان ينفق ولا يبقي على شيء ويعطي سائله ولا يخيب رجاء من رجاه- هو أحد أبرز هذه الآثار.
كان الفرزدق مسلمًا من عائلة مسلمة، فقد أسلم جده «صعصعة بن ناجية» في عهد النبي محمد ﷺ بعد وافدته عليه. وقد وفد غالب على الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومعه ابنه الفرزدق، فقال له الإمام: من أنت؟ قال: أنا غالب بن صعصعة المجاشعي. قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم، قال: فما فعلت بإبلك؟ قال: أذهبتها النوائب وذعذعتها الحقوق. قال الإمام: ذلك خير سبلها.
ثم قال له: يا أبا الأخطل، من هذا الفتى؟ قال: ابني الفرزدق وهو شاعر. قال الإمام: «علمه القرآن فإنه خير له من الشعر». فكانت هذه الكلمة في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه ذات يوم وآلى ألا يحل قيده حتى يحفظ القرآن.
وهذا الأثر يمكن أن يعني شيئين اثنين في النقد الأدبي:
أولهما: أن شعر الفرزدق نال جودة بالغة بفضل تثقيفه بلغة القرآن.
وثانيهما: أن شعر الفرزدق في أوله كان يحمل رداءة الفحش فكان يجب أن يتركه ويشتغل بالقرآن فذلك أعود عليه. ومهما يكن، فقد أثرت شخصية الإمام علي في الشاعر الناشئ تأثيرًا عميقًا.

تقلبات الفرزدق في أزواجه وأولاده
كان الفرزدق مزواجًا مطلاقًا، يضطرب في عاطفته كما يضطرب في ميله السياسي؛ لا يكاد يخلص لامرأة ولا تكاد امرأة تصبر على أخلاقه، يعيش مع زوجته مدة فيملها أو تمله، فيطلقها أو تهرب منه فتدفعه إلى طلاقها. وقد ذُكر من شأنه في الشعر الذي وصل إلينا اثنتا عشرة امرأة.
ولكن أشهر قصصه على الإطلاق في هذا المجال، هي قصته مع ابنة عمه «النوار بنت أعين بن ضبيعة المجاشعي»، وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد وجه أباها إلى البصرة أيام الحكمين فقتله الخوارج غيلة. فخطب الفرزدق النوار من قريش وأهلها بالشام، فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليها إذ كان ابن عمها وكان أقرب من هناك إليها، فقال مخادعًا: إن بالشام من هو أقرب إليك مني، ولا آمن أن يقدم قادم منهم فينكر ذلك علي، فاشهدي أنك قد جعلت أمرك إلي. ففعلت، فخرج بالشهود وقال: قم، قد أشهدتكم أنها قد جعلت أمرها إليَّ وإني أشهدكم أني قد تزوجتها على مائة ناقة حمراء سوداء الحدق! فثارت من ذلك واستعدت عليه (طلبت الخصومة)، وخرجت إلى عبد الله بن الزبير في الحجاز، وخرج الفرزدق خلفها.
فلما قدمت النوار نزلت على خولة بنت منظور بن زبان الفزارية امرأة عبد الله بن الزبير، فرفعتها وسألتها الشفاعة لها. ولما قدم الفرزدق نزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير ومدحه فوعده الشفاعة، فتكفلت خولة بالنوار وتكلم حمزة في الفرزدق، فأنجحت خولة وخاب حمزة، وأمر عبد الله بن الزبير ألا يقربها حتى يصيرا إلى البصرة فيحتكما إلى عاملها، فخرج الفرزدق وهو يقول:
أَمَا بِنَوَه فَلَمْ تَنْجَحْ شَفَاعَتُهُمْ ... وَشفعت بِنْتُ مَنْظُورِ بْنِ زَبَّانَا
لَيْسَ الشَّفِيعُ الَّذِي يَأْتِيكَ مُؤْتَزِرًا ... مِثْلَ الشَّفِيعُ الَّذِي يَأْتِيكَ عُرْيَانَا
وعلى الرغم من أن الفرزدق تنمر وصمم على الظفر بالنوار ولم يستمع إلى ابن الزبير حين قال له: «ما حاجتك بها وقد كرهتك؟ كن لها أكره وخلِّ سبيلها»، إلا أن النوار خضعت يائسة بعد أن علقت منه بحبل محكم العقد. ومكث الفرزدق زمانًا لا يولد له فعيرته النوار بذلك فقال:
قالت: أراه واحدًا لا أخًا له ... يؤمله في الوارثين الأباعد
لعلك يومًا أن تريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد
فإن تميمًا قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانًا وهو في الناس واحد
فولد له بعد ذلك: لَبْطَة، ومُبْطَة، وخَبْطَة، وركْضَة من النوار، ورزق من غيرها خمس أو ست بنات. على أنه لم يكن برًّا بأولاده، ولا يظهر أنه أحبهم الحب الوالدي الحق فلم يحبوه، وقد شكا عقوق كبيرهم (لبطة) في آخر حياته.
ويجد الباحث صعوبة في معرفة عدد النساء اللواتي تزوجهن الفرزدق؛ حيث يذهب عمر فروخ في ترجمته للفرزدق -المستندة إلى ما كتبه المستشرق الألماني يوسف هل- إلى أن أولى زوجاته كانت فتاة زنجية رزق منها طفلة سماها مكيّة. أما الفحام فيرى أننا لا نعرف متى تزوج الفرزدق زواجه الأول، ولا عدد الأزواج اللائي رضين به قبل النوار، ولكنه يذكر زوجة له تُدعى «مفداة»، وهي الزوجة التي أحبها الشاعر فبادلته حبًا بحب، وراح يتغنى بجمالها معتزًا بما تكنه له قائلًا:
فما روضة وسمية رجبيّة ... خلت وتحامتها الرياح تحاميا
بأطيب نشرًا من مفداة بوهتنا ... إذا ما أرادت للمضاجع تعاطيا
ومهما يكن من أمره، فإن النوار تبقى المرأة الأبرز في حياته. وبدا له أن يبدّل سيرته بعد زواجه وتأزمه معها، وأن يقلع عن حياة السباب والفحش لينهج طريقًا لا عوج فيه ليرضي زوجته ويستجيب لنزعة الخير في نفسه، فحج بالنوار أواخر سنة 65 هـ، ولما عاد إلى البصرة أعلن توبته وقيد نفسه وحلف ألا يفك قيده حتى يجمع القرآن (وهو ما كان يحيك في صدره منذ مقالة الإمام علي لأبيه)، وكان يرى في ذلك طاعة يغسل بها آثامه قائلًا:
لعمري لئن قيّدتُ نفسي لطالما ... سعيتُ وأوضعتُ المطيّة للجهل
ثلاثين عامًا ما أرى من عصابة ... إذا سرقت إلّا شددتُ لها رحلي
وقد نعى جرير على الفرزدق قيده حين نشب بينهما الهجاء وجعله مراءاة للناس وكذبًا، وكذلك قال له الشاعر البعيث المجاشعي:
لعمري لقد ألهى الفرزدقَ قيدُه ... ودحرج سوارُ ذو الدهامان ذو الفضل
وكان البعيث صادقًا في تصوير قيد الفرزدق بالنوار التي طغت عليه وشغلته عن أشياء كثيرة، وأخذت تظهر في مطلع قصائده؛ يحن إليها إذا نأى وتطرقه خيالًا في الصحراء البعيدة. ولكن الأمور لم تستقم له، فقد كان صاحب ذوق لا يصبر عن النساء، أما النوار فكانت امرأة صالحة ترضى عنه حينًا وتحاصره أحيانًا، وكانت تفزعه وتذكّره أنه تزوجها خدعة وتطالب بطلاقها، ويصور لنا عتابه إزاء هذا الواقع قائلًا:
لعمري لقد رققتني قبل رقتي ... وأشعلت في الشيب قبل زماني
وأفضحت عرضي في الحياة وشنته ... وأوقدت لي نارا بكل مكان
صراع الضرائر: حدراء ورهيمة وهجاء جرير
أراد الفرزدق أن يتغلب على النوار التي كانت تضاره، وأن يغيظها ويذلها لتغدو طيعة منقادة، فأقدم على الزواج من «حدراء بنت زنيق بن بسطام الشيبانية»، وكانت أعرابية نصرانية سوداء دقيقة الساقين مهزولة - أو هكذا بدت في عيني النوار الغيور. ولكن الفرزدق ردّ عليها مفاخرًا بنسب حدراء؛ فهي ابنة بسطام بن قيس ذي الجدين في بيت الشرف من شيبان، ثم غمز النوار التي كانت أمها أمة قائلًا:
لجارية بين السلسل عروقها ... وبين أبي الصهباء من آل خالد
أحق بإغلاء المهور من التي ... ربت وهي تنزو في حجور الولائد
واستُثيرت نوار، فلجأت إلى الشاعر جرير تحفزه أن يهجو الفرزدق ويخزيه لينتقم لها، واستجاب جرير، وغدت حدراء محور ست نقائض من قصائد الفرزدق وجرير التي تقارضاها.
وفي هذا السياق المشتعل بالمعارك الشعرية، كان الفرزدق يهجو زوجة جرير بصورة غير مباشرة، لكن الموروث الأدبي يروي أن جرير هدد الفرزدق قائلًا: «أم حرزة طالق ثلاثًا إن لم أقل بيتًا...» يقصد زوجته «أم حرزة» للرد على الفرزدق. ودارت النقائض حول شرف القبائل ونسائها.
ولقد ماتت حدراء وشيكًا، ورأى جرير في موت حدراء مناسبة للتندر فقال:
فأقسم ما ماتت ولكنما التوى ... بحدراء قوم لم يروك لها أهلا
بعد موت حدراء، تزوج الفرزدق «رهيمة بنت غنيم اليربوعية»، ولكي يغيظ النوار أخذ يشيد بنسب رهيمة ومكانتها قائلًا:
أراك نـجـوم الليل والشمس حـيّة ... زحام بنات الـحارث بن عباد
عَدلتُ بها حبل النوار فأصبحت ... مقارنةً لي بعد طول بعاد
وانتقل إلى دارها وأنشد:
لقد حولتني عن تميم وسدلت ... رهيمة داري وسط بكر بن وائل
ولم تطل فرحته، فما لبثت النمرية أن كرهته ونشزت عليه واستجابت لأمها التي كانت تثيرها، فأنشأ في هجوها أبياتًا يعارض بها أبيات مدحه الأولى. ثم تزوج جارية من بني يشكر فحملت منه ثم ماتت بجمع (وهي حامل)، فرثاها وبكى ولده منها.
ولم تنجح كل محاولاته في التقرب من النوار؛ لأن العلة كانت في خلقه ومسلكه، فأصرّت على الطلاق وتم لها ذلك على يد الحسن البصري، إلا أن الفرزدق ندم بعد ذلك ندمًا شديدًا وعبّر عن ذلك بأبياته الشهيرة:
ندمت ندامة الكُسَعيّ لـمّا ... غدت منّي مطلّقة نوارُ
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
ولا يوفي بحب نوار عندي ... ولا كلفي بها إلا انتحار
ولو رضيت يداي بها وقرت لكان لها على القدر الخيار
وما فارقتها شبعاً ولكن رأيت الدهر يأخذ ما يعار
وماتت النوار بالبصرة مطلقة منه، وصلى عليها الحسن البصري فرثاها الفرزدق أبلغ رثاء. وتلك القصة لونت نظرة الشاعر إلى المرأة وحرمته من البيت الهادئ المريح، وجعلت من جرير يصب عليه سيل التهم وينعته بـ «بائع الموت» مستغلًا نفور النوار منه. وفي أواخر عمره، أقبل الفرزدق الشيخ يدبّ على عصاه إلى بيت «ظبية بنت حاشي» وقد دلف إلى السبعين، فخطبها وحلّ اسمها في مطالع قصائده حلول النوار قائلًا:
وظبية دائي والشفاء لقاؤها ... وهل أنا مدعو لنفسي طبيبها
ملامح شخصية الفرزدق وثقافته وطباعه
كان الفرزدق ضخم القاطِع (الجسد)، جهم الوجه مستديره، صغير القدمين، غليظًا قصيرًا، أصيب بالصلع فكان جرير يدعوه بـ «القريد الأصقع» ويعيره بـ «قصر القوائم». لكن الفرزدق كان مؤمنًا بجماله فيصور نفسه كالهلال يروق السماء، وكان يعتني بما بقي من شعره فيضعه في ضفيرتين ويخضبهما بالحناء كما خضب لحيته، فكان مهيب المنظر. وكان يلبس اللباس الفاخر من الديباج والخز من عمل اليمن، ويهتم بعباءة كبيرة ضخمة، ويبدو أنه في الواقع كان بدينًا قبيح الوجه.
ومع أن الفرزدق كان أميًّا كأكثر شعراء عصره، ولكنه روى أيام العرب وكثيرًا من الشعر الجاهلي، وقيد نفسه لحفظ القرآن ليكون لنفسه ثقافة واسعة، وانفرد برواية حديث امرئ القيس يوم دارة جلجل (ما دفع طه حسين إلى اعتباره من ابتكار الفرزدق نفسه). كما جمع في ثقافته إلى أساطير الجاهليين حكايات النصارى، فكان كثير الأحاديث حلو القصص عذب الأسلوب.
قال ابن قتيبة: كان الفرزدق مغاليًا معجبًا بنفسه يقول في كل شيء، وسريع الجواب قوي البديهة حاضر النكتة لاذعها. ومن نوادره أن جاء عنبسة بن معدان إلى باب بلال فرأى الفرزدق وقد نام، فحركه برجله وقال: «بلغت القبر يا أبا فراس؟» فقال الفرزدق فورًا: «نعم، ورأيت أباك ينتظرك!». وكثيرًا ما تتخلل هذه المداعبات بذاءة اللفظ وفحش القول.
واشتهر الفرزدق بجبنه في الحروب والمواجهات العسكرية على كثرة فخره وحماسته في شعره؛ فلم يحارب قط. وكان القوم يداعبونه ويخوفونه؛ فقد كان مرة عند الخليفة سليمان بن عبد الملك وأُتي بأسرى من الروم، فقال سليمان للفرزدق: قم فاضرب أعناق هؤلاء، فاستعفاه فلم يعفه، ودفع إليه سيفًا كليلًا فقام الفرزدق فضرب به عنق رجل فلم يقطع السيف، فضحك سليمان ومن حوله، وكانت هذه الحادثة مادة دسمة لجرير في نقائضه.
وعُرف بفسقه ومجونه وتعرّض للملاحقة بسبب شبقه بالنساء، ومن طرائفه أنه لقي أبا هريرة فقال له أبو هريرة: «يا فرزدق أراك صغير القدمين، فإن استطعت أن يكون لهما غدًا مقام على الحوض فافعل».
فقال الفرزدق: سمعت أبا هريرة يقول على منبر المدينة: الذبيح إسماعيل.
وأنشد الفرزدق سليمان بن عبد الملك:
ثلاث واثنتان فهن خمس وسادسة تميل إلى شماسي
فبتن جنابتي مطرحات وبت أفض أغلاق الختام
كأن مغالق الرمان فيه وجمر غضاً قعدن عليه حام
روائع من شعر الفرزدق في المواقف السياسية والدينية: أشهر ما قال الفرزدق
يتنوع شعر الفرزدق بين الفخر القَبَلي الصارم والمدح السياسي، ولكن تظل قصيدته الميمية في مدح الإمام زين العابدين هي الأشهر على الإطلاق في تاريخ الأدب العربي، إلى جانب عباراته النثرية التاريخية ومبارزاته الشعرية في النقائض مع جرير.
الفرزدق يمدح زين العابدين علي بن الحسين
قصيدةُ الفرزدقِ في مدحِ عليِّ بْنِ الحُسَيْنِ من غُرَرِ القصائد في مدح الإمام عليِّ بْنِ الحسينِ بْنِ علي بْنِ أبي طالب الإمامِ الرابع عند الشيعة الاثنَيْ عشَرية، مدح بها هَمَّامُ بْنُ غالبٍ الدارميُّ التَّميمي، المعروفُ بالفرزدق، الإمامَ السَّجَّادَ في المسجد الحرام بحضور هشام بن عبد الملك بعدما انتهى علي بن الحسين من طواف الكعبة وأراد استلام الحجر.
رَوَىٰ القصيدةَ كثيرٌ من علماء المسلمين والمؤلفين، منهم: محمد باقر المجلسي في «بحار الأنوار»، الشيخ المفيد في كتابه الإرشاد، وابن شهرآشوب المازندراني في مناقب آل أبي طالب الذي روي عن «حلية الأولياء» لأبي نعيم الأصفهاني، و«الأغاني» لأبي الفرج الإصفهاني، و«حلية الأبرار في أحوال محمد وآله الأطهار» للسيد هاشم البحراني، و«تاريخ دمشق» لابن عساكر وغيرهم.
خلفية قصيدة «هَذَا الذي تَعْـرِفُ البَطْـحَاءُ وَطْـأَتَـهُ»
حجّ هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة وجهد أن يستلم الحجر الأسود، فلم يصل إليه لكثرة زحام الناس عليه. فنُصـب له منبر فجلس علیه وأطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين السجَّاد وعلیه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم رائحةً وأنظفُهم ثوبا، بين عينيه سجّادة (أثر السجود) فطاف بالبيت، فلما بلغ الحجر الأسود تنحّى الناس كلّهم وأخلَوا له الحجر ليستلمَه، هيبة وإجلالا له، فغاظ ذلك هشامًا وبلغ منه.
فقال شامي: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة يا أمير المؤمنين؟! فنكره هشام وقال: لاَ أعرِفُه، لئلاّ يرغب فيه أهل الشام ويسمعوا منه. فقال الفرزدق (وكان من شعراء بني أمية ومادحيهم) وكان حاضرًا: لكنّي أنا أعرفه. فقال الرجل الشاميّ: مَن هو يا أبا فراس؟! فأنشأ قصيدة ذكر بعضها في «الأغاني»، و«حلية الأولياء» والإرشاد، يقول في مطلع القصيدة:
يَا سَـائِلِي: أَيْنَ حَـلَّ الجُـودُ وَالكَـرَمُ ... عِنْـدِي بَـيَـانٌ إذَا طُـلاَّبُـهُ قَـدِمُـوا
هَذَا الذي تَعْـرِفُ البَطْـحَاءُ وَطْـأَتَـهُ ... وَالبَـيْـتُ يَعْـرِفُـهُ وَالحِـلُّ وَالحَـرَمُ
هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَهِ كُلِّهِمُ ... هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ
هَذَا الذي أحْمَدُ المُخْتَارُ وَالِدُهُ ... صَلَّى عَلَیهِ إلَهِي مَا جَرَى القَلَمُ
لَوْ يَعْلَمُ الرُّكْنُ مَنْ قَدْ جَاءَ يَلْثِمُهُ ... لَخَرَّ يَلْثِمُ مِنْهُ مَا وَطَى القَدَمُ
هَذَا عليٌ رَسُولُ اللَهِ وَالِدُهُ ... أَمْسَتْ بِنُورِ هُدَاهُ تَهْتَدِي الاُمَمُ
هَذَا الَّذِي عَمُّهُ الطَّيَّارُ جَعْفَرٌ ... وَالمَقْتُولُ حَمْزَةُ لَيْثٌ حُبُّهُ قَسَمُ
هَذَا ابْنُ سَيِّدَةِ النِّسْوَانِ فَاطِمَةٍ ... وَابْنُ الوَصِيِّ الَّذِي في سَيْفِهِ نِقَمُ
ماذا قال الفرزدق للحُسين بن علي رضي الله عنه؟
وفي موقف سياسي وتاريخي وعاطفي بارز، أجاب الشاعر الفرزدق الإمام الحسين (عليه السلام) بعبارته التاريخية الشهيرة: «قُلُوبُ النَّاسِ مَعَكَ، وَسُيُوفُهُمْ مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَالْقَضَاءُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ». جاء ذلك عندما التقيا في الطريق، وسأله الحسين عن أخبار الناس في العراق وهو متوجه إلى كربلاء.
علاقة الفرزدق بالشعراء ومعركة النقائض الشرسة
تمرس الفرزدق بعدد من الشعراء منذ صباه، فكان يهاجي شعراء قومه في خلافة عثمان بن عفان، وظل على هذه النزعة في شبابه حتى كاد الهجاء يغلب على سائر شعره.
وعندما تجاوز الأربعين، كان الهجاء قد اشتعل بين الفرزدق وجرير والبعيث المجاشعي، ونالت شظاياه نساء بني مجاشع، فأقبلن على الفرزدق شاكيات مؤنبات قائلات: «قبح الله قيدك (الذي قيد به نفسه ليحفظ القرآن) فقد هتك جرير عورات نسائك فصفحتَ منه يا شاعر قوم!» فكنّ نِعْمَ المشجعات له، ففض قيده وقال قصيدة أصاب رشاشها البعيث وهدد جريرًا، ثم خص جريرًا بقصيدة بائية أصابت البعيث كذلك. وكان هذا في عهد الحارث بن عبد الله والي البصرة لابن الزبير (684 - 686م).
الفرزدق يهجو جرير
ثم توالت النقائض؛ قصيدة من جرير وأخرى من الفرزدق نحو نصف قرن حتى وفاة الشاعرين سنة 732م. والناس من شعراء ومتأدبين منقسمون قسمين: فرزدقي وجريري يتشاحنون حتى العداوة. وقد دخل الأخطل التغلبي بيت الشاعرين في ولاية بشر بن مروان للبصرة (692 - 694م)؛ سأله بشر عنها فقال حكمه التاريخي: «الفرزدق ينحت من صخر وجرير يغرف من بحر»، فهاج الحكم جريرًا، فبدأ عهد الهجاء بينه وبين الأخطل، أما الفرزدق فشكر الأخطل على حكمه وأخذ يمدحه ويعاونه على هجاء جرير.
نسب الفرزدق وجرير وأصلهما الاجتماعي
ينتمي الشاعران الكبيران الفرزدق وجرير إلى قبيلة «تميم» العربية العريقة، لكنهما اختلفا في الأصل الاجتماعي والجاه والمكانة. فالفرزدق هو همّام بن غالب بن صعصعة من بني مجاشع، وكان ينحدر من بيت شرف وسيادة. بينما جرير هو جرير بن عطية من بني كليب، وكان والده فقيرًا ونشأ في بيئة متواضعة. هذا التباين أشعل بينهما أشهر معارك الشعر.
ومن الشعراء الذين اتصل بهم الفرزدق: الحطيئة، وكعب بن جعيل؛ حيث اجتمع بهما في مجلس سعيد بن العاص والي المدينة (669 - 675م) فتحكم له الحطيئة إذ سمع إنشاده. وفي المدينة كان يجتمع بكثير عزة، وبإبراهيم بن محمد الزهري فيتناشدون الأشعار، وفيها كان ينزل على الأحوص فيسكران ويسمعان الغناء.
ومن الشعراء الذين أصابهم رشاش من بذاءته مسكين الدارمي هجاه لأنه نفى زياد بن أبيه، والطرماح الطائي هجاه وهجا قومه، والأصم الباهلي هجاه وقومه أيضًا، كما هجا شاعرة من تميم فلم تقصر في هجائه.
وقد اتصل بذي الرمة وسمعه ينشد في المربد فحكم على شعره ثم لم يلبث أن سرق من أبياته كما سرق من شعر الشمردل وابن ميادة وجعيل بن معمر؛ إذ كان يقول: «ما سرقته من الشعراء فهو لي كالحلال». وفي المربد كان للفرزدق حلقة خاصة يجتمع فيها بالراعي النميري وغيره من مريديه.
واجتمع الفرزدق في حضرة سليمان بن عبد الملك بجرير وكثير عزة وعدي بن الرقاع، ففضله سليمان عليهم جميعًا في الفخر، واجتمع مرة ثانية بنصيب ففضل سليمان عليه نصيبًا في المدح فهجا الفرزدق نصيبًا. وعرف ليلى الأخيلية فأنشدها وأنشَدته، وفي آخر عهده مدح عبد الله بن الأعلى شاعر بني شيبان فأكثر وأجاد.
مرض الفرزدق ووفاته الغامضة
رُزق الفرزدق عمرًا طويلًا تجاوز السبعين في قوله هو، وبلغ السادسة والسبعين في قول ابن حبيب شارح الديوان، وقارب المائة في قول ابن سلام الجمحي. والمشهور تاريخيًا أن الفرزدق قد توفي في سنة 110 هـ/ 728م وهذا هو التاريخ الذي يذكره كارل بروكلمان.
ولكن الدكتور يوسف هل يرى أن وفاته يجب أن تكون في سنة 114هـ، لكونه رثى الجراح بن عبد الله الحكمي الذي استشهد في معركة مرج أردبيل في الشرق سنة 112هـ كما ذكر الطبري. ثم إن كتاب الأغاني نفسه يتردد في وفاة الفرزدق بين السنوات 110 و111 و112 و114هـ، وكذلك ابن خلكان يتردد بين هذه السنوات؛ وعلى هذا استند الدكتور هل في اختيار التاريخ المتأخر: 114 للهجرة/ 732م.
ويرى البستاني أنه ليس من مبرر للحيرة عند من يطالع ديوان الفرزدق فيرى فيه قصيدة قالها الشاعر في مدح خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم والي المدينة، ومعروف أن خالدًا المذكور ولي المدينة مدة ثلاث سنوات من سنة 114 إلى سنة 117هـ، وإذن فلا يمكن أن تكون وفاة الفرزدق تقدمت عن سنة 114هـ (23 آذار 732 - 20 شباط 733م) وهي السنة ذاتها التي توفي فيها جرير كذلك؛ لتطوى بذلك صفحة أعظم مبارزة شعرية في تاريخ العرب.
أما المرض الذي تُوفي به فهو «ذات الجنب» أو «الدبيلة»، وهي داء يحدث عنه دمل داخلي في الأحشاء أُصيب به في البادية، فنُقل إلى البصرة وأُتي بطبيب فسقاه دواءً أبيض، فجعل الشيخ يقول ساخرًا من قرب منيته: «أتمحلون لي الغدر في الدنيا؟» ثم قال لابنه: «يا بني، عجلت لأبيك شراب أهل النار»، وفاضت روحه بعدها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.