إبراهيم ناجي والنهضة الشعرية: قراءة في حياة وخصائص شعر رائد الرومانسية

شهدت أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حراكًا أدبيًا واسعًا، كان بمنزلة إعلانٍ صريح عن يقظة الشعر العربي بعد سباتٍ طويل في عصور الجمود والتخلف.

بدأت هذه النهضة بظهور محمود سامي البارودي الذي أعاد للقصيدة ديباجتها القوية، ثم تبلورت مع جيلٍ جديد من العمالقة الذين ربطوا الشعر بروحي العصر والواقع، لتصل الذروة مع شعراء الوجدان والرومانسية الذين جعلوا من القصيدة مرآةً للنفس الإنسانية، وكان على رأسهم الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي.

يقظة الشعر العربي: إرهاصات النهضة

كان ظهور من كان يسمى (شاعر السيف والقلم) وهو محمود سامي البارودي، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، إيذانًا وإرهاصًا بيقظة الشعر العربي بعد قرون من التدهور والتخلف والجمود.

محمود سامي البارودي

ثم جاء شوقي وحافظ وخليل مطران، ليشهد العالم العربي نهضة الشعر العربي، وإشراق فجر جديد، وروحًا تستمد مادة بقائها وقدرتها على التوهج من روح العصر، ليس في عمود الشعر وأوزانه وقوافيه، وإنما في معانيه وأغراضه، وفي الحرص على وحدة القصيدة، لا البيت، وفي التخلص من قيود الشعر المألوفة في التراث، كالابتداء بالوقوف على الأطلال ثم التخلص إلى المديح أو الثناء.

وكان من الطبيعي أن يعتبر النقاد ومتذوقو الشعر هذا الحد من التطور -رغم الالتزام بقيود القافية والوزن والمعتاد من أساليب البلاغة والبيان- تجديدًا، حتى لقد رأينا في الثلاثينيات من هذا القرن من يضع خليل مطران عملاقًا من عمالقة التطوير والتجديد.

مدرسة أبولو: عهدٌ جديد للحرية الشعرية بقيادة خليل مطران

وحين اضطلع الدكتور أحمد زكي أبو شادي بمشروع مجلة أبولو، كان خليل مطران هو رئيس جماعة أبولو، وهذا مع أن خليل مطران، كشوقي وحافظ، لم يتحرر من قيود القافية والوزن، وإن كان قد تحرر من مألوف فنون الشعر أو أبوابه، إلى حد قلَّ معه عنده المديح، وكثر تنوع الأغراض والموضوعات التي يعالجها الشاعر في أسلوب جزل، ولكنه مع هذه الجزالة يبتعد عن الألفاظ التي يحتاج معها الشاعر إلى شرح معانيها أو يضطر القارئ إلى البحث عن معناها في القاموس.

إن هؤلاء العمالقة، استطاعوا تجديد ديباجة الشعر وموضوعاته وأغراضه، واتصلوا بحياة عصرهم، ومشكلات بيئتهم، وتجارب حياتهم، اتصالًا قرَّبهم من أحاسيس جماهير المثقفين، وفتح لهم أبواب الشهرة والمجد، بحيث أمكن القول إن الشعر العربي قد نهض فعلًا على أيديهم.

ولكن هذه النهضة، وإن كانت قد أعادت إلى الشعر العربي ازدهاره، وخلَّصته من الجمود الذي عانته الحياة الفكرية والفنية في عصور الظلام، فإنها ظلَّت تلتزم القواعد العامة في الوزن والقافية، بل وحتى في التشابيه والاستعارات وفنون البلاغة.

ثورة الديوان وتأثير الآداب العالمية على المضمون الشعري

ومن هنا جاءت انطلاقة العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري بصفتهم نقادًا يثيرون مشكلة المضمون وينتقدون الأساليب التقليدية.

وكان (الديوان) الذي أصدره ثلاثتهم في جزئين في سنة 1921م، انتفاضة يظل الشعر العربي مدينًا لها في كل ما طرأ عليه من تجديد، واستطاعت هذه الانتفاضة أن تجد طريقها إلى نفوس جيل جديد من الشعراء يعالجون تجارب جديدة في الشعر، لا شك أنهم قد تأثروا فيها إما بحصيلتهم من الآداب العالمية، في اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وإما بما تُرجم إلى اللغة العربية من هذه الآداب، وظل ينشر في كثير من المجلات والصحف، وعلى الأخص منها جريدة (السياسة الأسبوعية) التي كان يصدرها حزب الأحرار الدستوريين ويرأس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل، ويتزاحم على النشر فيها كبار كتاب تلك الفترة ومنهم الدكتور طه حسين والمازني، وعباس حافظ.

رحلة ناجي إلى فضاءات التجديد الشعري

وفي هذه الجريدة ظهرت أسماء (الدكتور إبراهيم ناجي) و(علي محمود طه المهندس) و(مختار الوكيل) و(حسن كامل الصيرفي) وغيرهم. ولكن ظهورها لم يستلفت الأنظار ولم يثر اهتمام الكثيرين من القراء، إلا أولئك الذين تأثروا أو أيدوا وجهة نظر عبد الرحمن شكري والعقاد والمازني.

نشأة وميلاد إبراهيم ناجي

وُلد إبراهيم ناجي سنة 1898م في حي شبرا بالقاهرة، ومع أنه كان يتعشق الشعر والأدب منذ طفولته وأيام صباه، فقد اتجه لدراسة الطب، وتخرج طبيبًا في عام 1923م، ولكنه ظلَّ على عشقه للأدب، والشعر على الأخص، إلى جانب جولات واسعة في أبحاث أدبية تُنشر في هذه المجلة أو تلك.

نشأة وميلاد إبراهيم ناجي

في بداية حياته عاش في المنصورة وفيها رأى جمال الطبيعة فغلب عليه الاتجاه العاطفي في الشعر، الذي بدأه بقراءة دواوين المتنبي وابن الرومي وغيرهم.

أجاد إبراهيم ناجي اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية منذ الصغر، وتعلم في مدرسة باب الشعرية الابتدائية عام 1907م، حتى انتهت رحلته مع التعليم الأساسي في مدرسة التوفيقية الثانوية عام 19011م.

بداية إبراهيم ناجي مع الأدب

بدأ إبراهيم ناجي رحلته مع الأدب بترجمة بعض أشعار توماس مور ونشرها في مجلة "السياسة الأسبوعية"، حتى انضم إلى مدرسة أبوللو عام 1932م والتي ضمت بدورها نخبة من الشعراء المصريين بهدف خلق جيل جديد من الشعر العربي الحديث بعيدًا عن الخيالات والكلاسيكية.

عُرف إبراهيم ناجي باتجاهاته الرومانسية، وفي أربعينيات القرن العشرين ترأس "إبراهيم ناجي" رابطة الأدباء.

ولم تمضِ إلا فترة قصيرة، حتى صدر للدكتور إبراهيم ناجي ديوانه الأول (وراء الغمام) الذي جمع فيه قصائده التي سبق أن نشرها في جريدة السياسة الأسبوعية، وفي المقتطف، وفي الهلال. وبصدور هذا الديوان، تقررت شخصية الدكتور إبراهيم ناجي بوصفه شاعرًا رصيفًا لعلي محمود طه، ولغيره من شعراء مدرسة أبولو أو المدرسة الحديثة كما كانت تسمى في الثلاثينيات.

والأرجح أنه لم يصدر أو لم يطبع ديوانًا آخر في حياته سوى (ليالي القاهرة)، وبعد وفاته ظهر له ديوان جمعه أحد أصدقائه بعنوان (الطائر الجريح).

خصائص شعر إبراهيم ناجي

يغلب على شعر إبراهيم ناجي الرومانسية المائلة للحزن، مع نزعة وجدانية شديدة، واتجاه لجمع الحب والحرمان، مع لغة هادئة وعذبة.

وقد عكس شعر إبراهيم ناجي بين مشاعر مختلفة في الحب، مثل الحزن والفرح، الحرمان واليأس، مع وحدة متماسكة في قصائده خلافًا للقصيدة التقليدية.

كما اعتمد ناجي على الصور البيانية والتشبيهات من الطبيعة مثل النيل والليل وعناصر الطبيعة بصفة عامة.

تميز شعر ناجي كذلك بسهولة الألفاظ مع استخدام أوزان وقوافي متأثرة بالحب العذري، مع التركيز على الحنين للماضي.

الأطلال: قصة الحب العاثر التي خلدها صوت أم كلثوم

وبعد وفاته، استفاضت شهرته، ولم يبق في العالم العربي من لا يذكر اليوم اسمه.

وذلك لأن سيدة الغناء العربي، وفلتة هذا القرن، بل وكل قرن مضى في الصوت العبقري، السيدة أم كلثوم، قد غنت له قصيدة (الأطلال) التي يقدم لها بقوله: (هذه قصة حب عاثر، التقيا وتحابَّا، ثم انتهت القصة بأنها صارت أطلال جسد، وصار هو أطلال روح).

ولعل أجمل وأعمق ما في هذه القصيدة قوله:

لست أنساك وقد أغريتني *** بفمٍ عذب المناداة رقيق

ويدٍ تمتد نحوي كيدٍ *** من خلال الموج مُدَّت لغريق

مؤلفات إبراهيم ناجي

من أشهر دواوين "إبراهيم ناجي" ديوان "وراء الغمام" وديوان "في معبد الليل" إضافة إلى عدة دواوين أدبية وشعرية جُمعت كلها في الأعمال الكاملة الصادرة عن طريق المجلس الأعلى للثقافة عام 1960م.

ديوان "وراء الغمام"

كما كان لناجي إبداعات في كتابة القصة مثل كتاب "مدينة الأحلام"، وشهدت الفترة ما بين 1933-1953م ذروة إبداعه القصصي حتى نشر ما يقرب من 50 قصة، بالإضافة لكتبه في علم النفس وعلم الاجتماع وبعض الترجمات.

وفاة إبراهيم ناجي

اشتهر ناجي بلقب "الشاعر الطبيب" وتوفي في 24 مارس عام 1953م، وهو يوقع الكشف على أحد مرضاه، والمصادفة العجيبة أنه كتب مقالاً يصف فيه وفاة ستالين في 5 مارس، وشعر بعدها أنه سيموت بالذبحة الصدرية.

رحل إبراهيم ناجي تاركًا وراءه إرثًا شعريًا يفيض عذوبةً وشجنًا، محققًا تلك اليقظة التي حلم بها الرواد الأوائل، بعد أن أثبت ناجي ورفاقه أن الشعر ليس مجرد قوالب لفظية جامدة، بل هو نبضٌ إنساني يتجاوز حدود الزمان والمكان.

واليوم، حين نستعيد قصائد ناجي، نحن لا نقرأ مجرد أبياتٍ موزونة، بل نستحضر روحًا استطاعت أن تجعل من ألمها الفردي كنزًا أدبيًا مشتركًا لكل عشاق الكلمة الراقية في العالم العربي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة