سواد الليل

في إحدى الأمسيات التي شعرت فيها بالضجر، ارتديت على وجه السرعة أول رداء مهلهل وجدته أمامي ثم حملت كتابي الذي لم أنته منه بعد، ونزلت أهيم على وجهي في الشارع.

عند الجهة الموازية، لمحت مقهى “كافيه” وأثارتني رائحة قهوة منكهة بالهال قادمة من هناك، فغيّرت طريقي باتجاهه. جلست على المقعد الجلدي وانغمست مرة أخرى بقراءة الرواية المأساوية التي كانت بين يديّ، ثم بدأت من شدة تأثري بنوع من البكاء الذي يختنق في الحنجرة، وهو بلا شك المنظر الوحيد الذي لا أحب أن يراني فيه أحد.

اقترب مني النادل، يدقق في وجهي ويسألني طلبي. بعد مرور ثوانٍ قليلة، عادَ مرة أخرى. تردد قليلاً كأنه نسي أن يقول شيئاً ما، ثم ما لبث أن وجه لي سؤالاً مباغتاً: هل تعرفين كاتبة تدعى شهد الراوي؟ هذا لأنكِ كثيرة الشبه بها وتحملين كتاباً!

تجمدت في مكاني لأول وهلة ثم أجبت بابتسامة باردة: نعم أعتقد أني أعرفها لكني لا أشبهها!

بدا النادل أكثر فضولاً من ذي قبل وأشد جرأة: بل تشبهينها إلى الحد الذي لا تخطئه العين! أنا أحب كتاباتها! فالتمعت في رأسي فكرة مشاكسة، قلت له : أسمع، إن كنتَ تراها كاتبة جيدة فأنا لا أجدها كذلك! وشيئاً فشيئاً بدأت أتحدث عن نفسي وكأني شخصٌ آخر يقف بمواجهة عنيفة مع تجربته بالكتابة. ويشهر كل ما لديه من أسلحة لتهشيم الصورة التي احتفظت بها عن نفسي طوال السنوات الماضية والتي، فجأة، انتبهت إلى أنها لم تعد تشير إليّ.

تغضن وجه النادل الذي بدا أنه يحب بالفعل ما يقرأه لي، أو هكذا أراد لملامحه أن تظهر، ثم اعتذر وانسحب بهدوء. شعرت عندها بحالة غريبة، وكأن ضربة من القدر شطرتني إلى نصفين، وتحرر صوت مكبوت من داخلي لم أصغ له في السابق. صوت يرتفع بين الطبقات النفسية بسرعة هائلة مثل هواء محبوس في بالون: هذه أنا الأخرى، الأنا الكاملة التي لا زالت تنتظر تجربة الاصطدام بكل احتمالاتها على دفعاتٍ متفاوتة. الأنا التي تغضب حينَ يتم اختصارها ببعض التجارب والإنجازات الخجولة. هذه الأنا التي تنتمي إلى المستقبل. وتغور عميقاً في ذاتها وتعرف جيداً أنها أكثر حضوراً من فترة زمنية تخللتها بعض الاحتفالات. الأنا التي هي أشد عداوة على نفسها من أعداءها حينَ يتعلق الأمر بتحجيم مسافاتها القادمة التي لم تخطو على أرصفتها بعد، لأنها تدرك جيداً أن الأعداء هم في الواقع دفعة القدر الخفية والوحيدة التي من شأنها أن تورطك بالتقدم إلى الأمام.

لقد أيقظني ذلك النادل من غفلة تصالحي مع ما أنا عليه، لقد أيقظ حروبي المؤجلة مع ذاتي.... .

بقلم الكاتب


زين العابدين طالب عواد كاتب وأكاديمي وروائي عراقي يقيم في العراق ولد سنة 1993 في قضاء الشطرة قرية (ال سهلان )جنوب العراق .حصل على البكالوريوس، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة ذي قار (سومر) بكلية التربية الاساسيه قسم العلوم فرع الفيزياء حصل على العديد من الجواىز اهما جائزه شهادة گوگل للتسوق الرقمي عام 2018 وتم تكريمة بتوثيق قناتة على اليوتيوب بعلامة الزرقاء (شارة التحقق من الاسم )


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Apr 6, 2021 - زين العابدين طالب عواد
نبذة عن الكاتب

زين العابدين طالب عواد كاتب وأكاديمي وروائي عراقي يقيم في العراق ولد سنة 1993 في قضاء الشطرة قرية (ال سهلان )جنوب العراق .حصل على البكالوريوس، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف من جامعة ذي قار (سومر) بكلية التربية الاساسيه قسم العلوم فرع الفيزياء حصل على العديد من الجواىز اهما جائزه شهادة گوگل للتسوق الرقمي عام 2018 وتم تكريمة بتوثيق قناتة على اليوتيوب بعلامة الزرقاء (شارة التحقق من الاسم )